الصراع يشتد بين أميركا وروسيا على النفوذ في القوقاز

جورجيا ارض المعركة

موسكو – يبدو أن الصراع بين الولايات المتحدة وروسيا على النفوذ في مناطق القوقاز قد دخل مرحلة جديدة اثر المعارك العنيفة في اوستيا الجنوبية والتدخل القوي للجيش الروسي في المعركة ضد القوات الجورجية المدعومة من اميركا، ويبدو ان اعضاء مجلس الامن والحلف الاطلسي مقسومين في هذا الصراع الذي يأخذ أبعادا خطيرة.
والواقع ان الاوروبيين حريصون على عدم التدخل في اختبار القوة الجاري بين موسكو وواشنطن في بلدان الاتحاد السوفياتي سابقا وحريصون بالتالى على عدم جر الحلف الاطلسي الى هذه الخلافات.

بوش يدعو روسيا إلى سحب قواتها من جورجيا
ودعا الرئيس الاميركي جورج بوش السبت في بكين الى الوقف "الفوري" للمعارك في اوسيتيا الجنوبية، المنطقة الانفصالية الموالية لروسيا في جورجيا، والى وقف القصف الروسي.
وحذر بوش في الوقت نفسه من ان اعمال العنف تتجاوز في الوقت الراهن اطار اوسيتيا الجنوبية، متوجها الى روسيا بشكل خاص لوقف الازمة.
واعلن المتحدث باسم البيت الابيض غوردن جوندرو ان بوش تحدث السبت مع نظيريه الروسي ديميتري مدفيدف والجورجي ميخائيل ساكاشفيلي.
وقال بوش للصحافيين في تصريح مقتضب في بكين حيث يحضر الالعاب الاولمبية "لقد وجهنا دعوة الى وقف العنف فورا".
وعبر بوش عن "قلقه الشديد" ازاء الوضع في جورجيا مشيرا الى ان "الولايات المتحدة تاخذ هذه القضية على محمل الجد". واضاف ان "الهجمات تقع في مناطق في جورجيا بعيدة عن منطقة النزاع في اوسيتيا الجنوبية. العنف يهدد السلام الاقليمي".
وتابع "ان جورجيا بلد سيد ويجب احترام وحدة وسلامة اراضيها".
واضاف بوش "ندعو الى وقف القصف الروسي وعودة الاطراف الى الوضع الذي كان قائما في 6 اب/اغسطس". وقال "ان الولايات المتحدة تعمل مع شركائها الاوروبيين من اجل اطلاق وساطة دولية ومع الاطراف المعنية من اجل استئناف الحوار".
وتابع "على روسيا ان تدعم هذه الجهود من اجل عودة السلام في اسرع وقت ممكن".
واشار الى اتصالات بين المسؤولين الاميركيين والقادة الروس والجورجيين "على كل مستويات الحكومة".
وبحسب جوندرو فان الرئيس بوش كرر خلال محادثاته مع مدفيدف وساكاشفيلي التعبير عن الموقف الاميركي.
وبحث بوش الجمعة الازمة ايضا مع رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين الموجود ايضا في بكين.
وكانت روسيا التي تدعم الحكومة الانفصالية في اوسيتيا الجنوبية ارسلت اليها دبابات هجومية وقوات الجمعة ردا على هجوم جورجي اطلق الليلة السابقة لاستعادة السيطرة على هذه المنطقة في جورجيا.
وتقع جورجيا في قلب معركة من اجل النفوذ بين الولايات المتحدة وروسيا في القوقاز.

وجاء التدخل الروسي مفاجئا الى حد ما للمسؤولين العسكريين الاميركيين الذين قضوا الايام الاخيرة في مراقبة القتال في اوسيتيا الجنوبية والتعزيز العسكري الروسي.

وقال مسؤول عسكري اميركي طلب عدم نشر اسمه ان "تعزيز القوات كان اكثر من المتوقع وتحركوا في وقت مبكر عما كنا نعتقد انهم سيفعلون."

وراجع المخططون العسكريون الاميركيون خططا طارئة لاحتمال اجلاء ما يصل الى ثلاثة الاف اميركي من جورجيا من بينهم نحو 130 من افراد وزارة الدفاع الموجودين هناك لتدريب القوات العسكرية الجورجية على مهام في العراق.

وحثت واشنطن بقوة على انضمام جورجيا لحلف شمال الاطلسي على الرغم من الهواجس الاوروبية بشأن استقرار هذه الدولة. وتعارض روسيا بقوة طلب انضمام جورجيا لحلف شمال الاطلسي.

ونبهت السفارة الاميركية في تفليس عاصمة جورجيا الاميركيين الى ضرورة تأجيل "كل عمليات السفر الى مناطق الصراع" في اوسيتيا الجنوبية وابخازيا وتفادي اي سفر غير ضروري الى جورجيا.

مجلس الأمن يفشل في الاتفاق حول اوسيتيا الجنوبية واختتم مجلس الامن الدولي اجتماعه الثاني حول اوسيتيا الجنوبية الجمعة بدون التوصل الى اتفاق حول مسودة بيان، وسيجري مشاورات جديدة في هذا الشأن السبت.
وقال سفير بلجيكا في الامم المتحدة يان غرولز الذي يتولى رئاسة المجلس خلال الشهر الحالى "بعد مشاورات ثنائية قمنا باعداد مشروع بيان". واضاف "لكن بعض اعضاء المجلس يحتاجون الى مزيد من الوقت وسنجتمع مجددا السبت".
ولم يحدد غرولز موعد انعقاد الاجتماع، الا انه قال ان "مشاورات ثنائية جديدة ستجرى اولا".
واستغرقت جلسة الجمعة التي كان جزء منها مغلقا بينما نقل جزء آخر على شاشات داخلية بضع ساعات وكانت صاخبة.
وتبادلت روسيا وجورجيا الاتهامات حول بدء النزاع.
فقد اتهم السفير الجورجي في الامم المتحدة ايراكلي الااسانيا موسكو بانها "بدأت غزوا عسكريا" لجورجيا.
وعدد الدبلوماسي الجورجي مستعينا بخارطة، المواقع الجورجية التي قصفها الطيران الروسي منذ بدء التصعيد ليل الخميس الجمعة وخصوصا "مواقع بعيدة جدا عن منطقة النزاع".
ورأى الاسانيا انه "تحد للاسرة الدولية"، مطالبا بوقف فوري "للاعمال الاجرامية" ووقف لاطلاق النار وبدء مفاوضات.
ولم يوفر السفير الروسي في الامم المتحدة فيتالى تشوركين انتقاداته ايضا.
فقد اتهم تبيليسي بانها مسؤولة بشكل كامل عن تصعيد النزاع وقال ان "هجمات جورجيا على اوسيتيا الجنوبية تجري بالاتفاق مع بعض اعضاء مجلس الامن الدولي".
واكدت جورجيا انها استعادت سيطرتها شبه الكاملة على اوسيتيا الجنوبية بعد المواجهات العنيفة.
وقال تشوركين ان "كارثة انسانية تجري" حالىا، مدينا عمليات "تطهير اتني" تمارس في القرى. وذكر بوجود عدد كبير من الروس الذين يعيشون في الجمهورية الانفصالية الصغيرة المستقلة فعليا عن جورجيا منذ انهيار الاتحاد السوفياتي السابق في 1991 وتدعمها روسيا.
وعبر سفير الولايات المتحدة في الامم المتحدة زلماي خليل زاد عن تأييده لجورجيا منتقدا روسيا. وقال "ندعو روسيا الى وقف هجماتها الجوية واطلاق صواريخها على جورجيا واحترام وحدة وسلامة اراضي جوجيا وسحب قواتها من الاراضي الجورجية".
من جهته، دعا القائم بالاعمال الفرنسي جان بيار لاكروا كل الاطراف الى الحوار. وقال "نوجه رسالة بسيطة الى الاوسيتيين والجورجيين والروس مفاده ان الوسائل العسكرية لا جدوى منها".
وكانت مصادر دبلوماسية ذكرت ان الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الامن الدولي - الولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا - عقدت اجتماعا قبل بدء جلسة مشاورات المجلس واصبحت متقاربة قبل افتتاح الاجتماع رسميا.
وقال دبلوماسي طلب عدم كشف هويته "لا اعرف ما اذا كنا سنتوصل الى نتيجة غدا لكن الغربيين يريدون وقف القتال اولا واحترام السيادة الجورجية بينما يشدد الروس على ضرورة العودة الى الوضع الذي كان قائما قبل اندلاع القتال".

الحلف الأطلسي يسعى لنزع فتيل النزاع دون تدخل مباشر من جهته، كثف حلف شمال الاطلسي الجمعة اتصالاته مع جورجيا وروسيا ساعيا لتدارك حرب ناشئة بين شريكيه الاستراتيجيين اللذين تشكل خلافاتهما مصدر توتر بين الحلفاء.
غير ان الحلف الاطلسي لا يرغب في التدخل في هذا النزاع وقال مسؤولون فيه ان "الحلف الاطلسي غير مفوض للعب دور مباشر في القوقاز".
واعرب امينه العام ياب دي هوب شيفر عبر عن "قلقه الكبير" من تطور الوضع و"دعا جميع الاطراف الى وقف المواجهات المسلحة فورا وبدء محادثات مباشرة".
واجرى الجمعة مكالمتين هاتفيتين على الاقل مع الرئيس الجورجي ميخائيل ساكاشفيلي ومسؤولين في موسكو ليطلب من الطرفين وقف الاعمال العسكرية.
غير انه لم يتصل مباشرة باي من الرئيس الروسي ديمتري مدفيديف ورئيس الوزراء فلاديمير بوتين، على ما افاد مصدر مطلع في بروكسل.
ويطرح الخلاف بين روسيا وجورجيا مشكلة كبيرة للحلف الاطلسي اذ ان كلا البلدين "شريك استراتيجي" للحلف غير ان النزاع بينهما يثير انقسامات في صفوفه.
وتجلت هذه الانقسامات خلال قمة الحلف الاخيرة مطلع نيسان/ابريل في بوخارست حيث رفضت فرنسا والمانيا بدعم من عشر دول اخرى منح جورجيا واوكرانيا وضع المرشح لدخول الحلف، في خلاف مع استراتيجية الرئيس الاميركي جورج بوش.
وعكس هذا الموقف الفرنسي والالماني رغبة البلدين في صون العلاقات بين الاتحاد الاوروبي وروسيا المعارضة لهذا التوسيع الجديد للحلف في ما تعتبره منطقة نفوذها.
ويعتمد الاتحاد الاوروبي على روسيا لامداده بالغاز والنفط.
والواقع ان الاوروبيين حريصون على عدم التدخل في اختبار القوة الجاري بين موسكو وواشنطن في بلدان الاتحاد السوفياتي سابقا وحريصون بالتالى على عدم جر الحلف الاطلسي الى هذه الخلافات.
غير انهم في الوقت نفسه معنيون بالعديد من المواضيع الخلافية منها مشروع الدرع الصاروخية الاميركية التي تجري واشنطن مفاوضات مع بولندا والجمهورية التشيكية لنصب بعض عناصرها في هذين البلدين، والدعم المعلن لحكومتي اوكرانيا وجورجيا المؤيدتين للغرب، وتطوير مشروع خط انابيب بريطاني اميركي لنقل النفط من اذربيجان الى تركيا عبر جورجيا.
ودعت المجموعة الدولية للازمات القريبة من الاوساط الاطلسية، الجمعة الى "بذل كل الجهود الممكنة لتجنب اتساع الخلاف وتفادي ازمة انسانية"،. ورد واضعو استراتيجية الحلف الاطلسي "نريد ان يلقى هذا النزاع تسوية في اسرع وقت ممكن، لكن لا يسعنا سوى توجيه نداءات".