السؤال

قصة: مصطفى نصر
ما ذنب الولد؟

- وما ذنب الولد؟
- هذه الأمور ليس فيها نقاش.
لم يتمالك يسري نفسه فصاح فيها:
- لقد تعبت من آرائك الغريبة هذه الأيام.
- لقد أراد الله هذا، ولا أملك إلا أن أطيع.
- أي طاعة هذه، إنه ولدنا؛ فكيف نتخلى عنه؟
حينذاك دخل الولد مبتسما:
- أمي، أين كنت؟
ثم أسرع إليها فرحا:
- أنتظرك منذ الصباح.
أسرعت أنصاف بشد النقاب فوق وجهها ولاذت بالصمت.
يحس يسري بالارتعاش، أشياء كثيرة داخله، تؤرقه، كلمات كثيرة يريد أن يقولها؛ لكن وجود الولد يمنعه.
أسرع تامر ناحية أنصاف، أمسك يدها، فسحبتها منه مسرعة.
- منذ أن ارتديت النقاب وأنت تخرجين كثيرا.
لمس يدها فابتعدت عنه، ويسري يتابع هذا وعضلات وجهه تتحرك في عصبية من الغيظ، وهي تململت في وقفتها.
- ما الذي يغضبك مني؟
تابعته بعينيها من خلف النقاب؛ ثم أسرعت إلى حجرتها وأغلقت بابها خلفها، قال تامر:
- لماذا تبتعد أمي عني؟
أسرع يسري إليه، لمس شعر رأسه الناعم:
- أمك مريضة.
صاح الولد فزعا: ماذا بها؟
ضمه يسري لصدره:
- لا تخف، هيا بنا نخرج من البيت.
لم تنجب أنصاف أطفالا، لا يدري أحد من السبب هي أم زوجها يسري.
أهل الحي – الذي كانا يسكنانه – يعرفون هذا عنهما، يشاهدونهما وهما يسيران، تضع يدها في يده، تكاد تستند عليه في السير، ويعرفون أنهما يخرجان – هكذا – لزيارة الطبيب.
ويعرف أهل الحي – أيضا – محروسة، المرأة الحامل التي مات زوجها الشاب على أثر حادث أليم أدى إلى اكتئابها ومرضها حتى صارت جلدا على عظم، مما أدى إلى دهشة الناس، فكيف استطاع ذلك الجنين أن يصمد ويتماسك ويبقى في بطنها رغم كل ما حدث لها.
خرجت امرأة تسكن في حجرة مجاورة لحجرة محروسة ولولت، وضربت على صدرها معلنة موتها وردد البعض هناك: ارتاحت من اكتئابها ومرضها وأساها على الحبيب والزوج الذي ضاع فجأة.
قام أحد سكان الحي بكل لوازم الجنازة، أراد أن يقيم صوانا كبيرا، لكن البعض قال له:
- ابنها اليتيم أحق بهذه الأموال.
وقال قائل - لا يذكره يسري الآن –: إن الطفل الذي جاء قبل موت أمه بيوم واحد، أحق به الأستاذ يسري والست أنصاف لأنهما لا ينجبان و"نفسهما" في الخلفة.
تردد يسري أول الأمر في قبول المولود، لكن أنصاف فرحت وأسرعت إلى حجرة محروسة فوق السطح حيث تقمن الجارات بلوازم الطفل، فواحدة أرضعته من صدرها، وأخرى ألبسته ملابس ابنها القديمة، قالت أنصاف:
- أريد أن أرى الطفل.
(يرددون في الحي أن الطفل الذي ليس له في الدنيا سوى يومين، توقف عن الرضاعة, ورفع عينيه وأطال في النظر إلى أنصاف) وأن ذلك جعلها تتعلق به أكثر؛ فأخذته إلى شقتها ونسبته إليها في شهادة الميلاد، ونسبته إلى زوجها يسري.
وكبر الطفل بين أحضان أنصاف، كانت تبكي إذا ارتفعت حراراته، فتضمه لصدرها جزعة: يا حبيبي يا ابني.
فإذا رضع وشبع؛ يصمت وكأنه قد تخدر، فتضمه لصدرها وتسرع مهرولة – أحيانا – دون شبشب في قدميها، فتدق أبواب جيرانها في الدور الأسفل:
- الولد لا يتحرك.
وتأخذه الجارة منها، تربت على ظهره، فيتجشأ ويبكي ويتحرك.
ألحت أنصاف على زوجها لكي يتركا الحي الذي يعلم أن تامرا ليس ابنهما، ويسكنا حيا لا يعرفهما فيه أحد. ووافق يسري بعد أن أحس بأنها محقة فيما تقول. فهو يخشى أن يصل الخبر لتامر عندما يكبر من أطفال الحي.
لقد أصبح تامر صبيا جميلا، قامة مديدة مع قوام ممشوق، وشعر مسترسل، كما أن أنصاف تأتي له بأغلى الملابس وأجودها، فقد كان الولد قدم الخير على أنصاف ويسري، فاغتنى يسري بعد أن ترك وظيفته وتفرغ للتجارة.
يسرع يسري بسيارته مخترقا "طريق الحرية"، لا يدري إلى أين يذهب. إنه يقترب الآن من "ساعة الزهور" بالشلالات. كثيرا ما "تصوروا" هو وتامر وأنصاف أمامها، كانوا في وئام، أسرة مطمئنة سعيدة إلى أن حدث ما حدث.
ذهب يسري مع أنصاف إلى أحد المساجد، قابلا الواعظ المشهور في الإسكندرية كلها وتحدثا معه.
كثيرا ما ذهب يسري معها إلى المساجد: السيدة والحسين في القاهرة ، والسيد البدوي في طنطا، وإبراهيم الدسوقي في دسوق. في كل مرة كانت أنصاف تبتهل إلى الله في خشوع طالبة أن يحمي زوجها وابنها وأن ينجحه في دراسته، لكن هذه المرة بهرت بهذا الواعظ وشاركت أتباعه الكثيرين إعجابهم به؟
تغيرت أنصاف شيئا فشيئا، أصرت على ارتداء الحجاب، وتابعت دروس الواعظ للنساء، لم يفتها درس واحد منذ أن قابلته.
تحدث في أحد الدروس عن التبني في الإسلام وحكى عن زيد بن حارثة الذي أراد النبي أن يتبناه إلى أن جاء أمر الله بأن ذلك ممنوع في الإسلام. أحست أنصاف وقتها بأن جسدها كله يهتز وعرق بارد يتساقط داخلها، فتامر ليس ابنها، إنه ابن محروسة التي ماتت بعد ولادته بيوم واحد وابن الشاب الذي مات إثر حادث أليم.
معنى هذا أنها قد أخطأت – هي وزوجها – عندما نسبا الولد إليهما، كان يجب أن يظل ابن أمه وأبيه الحقيقيين.
كادت تحكي للواعظ حكايتها مع تامر، لكنها خافت من أن تتسرع وتفسد كل شيء.
سارت في طريقها إلى سيارتها التي تقف قريبا من البحر، لقد حملت الطفل – تامر – وهو ابن يوم واحد لا أكثر. كان لحمة حمراء – كما يقولون – ومنذ ذلك الوقت أصبح ابنها، هي التي نظفته وأطعمته وسهرت على راحته حتى أصبح جزءا منها، تستذكر له دروسه وتوصله بسيارتها إلى لجنة الامتحان.
كثيرا ما تساءلت لو كان ابنها حقيقة؛ أكانت ستحبه كل هذا الحب، أيمكن أن تتخلى عنه بهذه السهولة؟
ألحت على زوجها بأن يعيد الحق إلى أصحابه, أن يدعو الولد باسم محروسة وأبيه الذي مات ولا تعرف اسمه للآن، فصرخ يسري فيها.
- وماذا سيحدث للولد عندما يعلم بأنه ليس ابننا؟
- لكن الواعظ قال ......
- لست على استعداد لأن أعرّض ابني لهزة عنيفة كهذه.
لم تستطع أنصاف أن تقنعه، ولم تستطع أن تفرض عليه رأيها فهو شديد التعلق بالولد، منذ أن انشغلت بالمسجد وصديقاتها هناك؛ لم تعد تهتم بتامر كما كانت، وحل يسري محلها في ذلك. فيأخذه في سيارته بعد الظهر، يجلسان في النادي؛ أو يذهبان إلى السينما أو المسرح، ويعودان يضحكان، لكن الولد لا يرتاح لأحد مثلما يرتاح إليها، طوال بقائه مع يسري وهو يذكر أمه، ما الذي يشغلها هذه الأيام؟ لقد تغيرت وأصبحت دائمة الشرود وكأن أمرا يشغلها ويؤرقها.
ثم انتقلت أنصاف إلى مرحلة أخرى، فقد أقنعها الواعظ بأن المرأة كلما توغلت في الدين وخاضت فيه، فلابد أن تبتعد عن زينتها وحرصها على أن تبدو جميلة أمام الآخرين، ليس من الأهمية أن تبدي زينتك لصديقاتك من النساء، الجمال هو جمال الدين، وأن النقاب هو الأقرب إلى أخلاق المؤمنات والأقرب إلى الله سبحانه؛ فتنقبت أنصاف وأخفت وجهها.
وذات يوم كان الواعظ في أفضل حالاته، فقال عن التزام المرأة بحدود الله، وأنها لابد أن تخفي زينتها إلا لزوجها، وقتها تذكرت أنصاف أن الولد ليس بابنها وليس من الذين يسمح لها الدين بأن تنكشف عليهم. معنى هذا أن تامرا أصبح غريبا عنها ويجب أن تخفي وجهها عنه، فلقد كبر الآن، ثلاثة عشر عاما وقامة طويلة تبديه أكبر من عمره.
لقد وصل الولد لعمر الرجولة، وإذا لم يصل، فسنوات قليلة ويصبح رجلا، ووقتها سيتذكر ملمس جسدها.
واجهت أنصاف زوجها فجأة ذات مساء، والولد تامر في حجرته (تعرف أنه مازال مستيقظا، تسمع صوت الموسيقى المنبعثة من الراديو)
- يسري، لابد أن ينتقل تامر إلى بيت آخر.
- ماذا؟
- إنني أخاف على نفسي من الفتنة.
- تخافين على نفسك من ابنك؟
- إنه غريب عني.
- لم أعد أطيق تصرفاتك الغريبة هذه.
- إنني لم أخرج عن حدود الشرع والدين.
- الولد أصبح مثل ابننا تماما.
- أعلم، وكم يؤلمني هذا، لكن العواطف ليس لها مكان هنا.
- وأين سيذهب؟
- فليعد إلى أهله، فلديه أعمام وأخوال.
- لن أستطيع احتمال البيت بدون ابني.
- هو ليس ابنك، وهذا حرام.
- حرام لو لم نأخذه صغيرا ونرعاه، ماذا كان سيحدث له وأنت ترين الأطفال المشردين في الشوارع؟
ونام يسري ليلتها وهي كما هي علي فراشها، تسمع صوت غطيطه الذي يعذبها، تتمنى أن تنام مثله، لكنه تركها للحيرة، هي تحب الولد وتتمنى أن تستمر حياتهم هادئة مستقرة كما كانت، أن ترى تامرا كما ودت من قبل، طبيبا ناجحا أو مهندسا، بل تمنت أن تراه زوجا، وتقبل زوجته وتحمل أطفاله بين يديها. لكن ماذا تفعل والواعظ قال كلمته، وهي تثق به، وتعلم أنه يقول الحقيقة، لابد أن تنسى آلامها وتدوس على قلبها وتكبت عواطفها.
دخل تامر حجرة أنصاف في الصباح وهي نائمة، بينما يسري في الخارج، كان الولد يبحث عن شيء يخصه في الصوان المجاور لسريرها، سار على حذر خشية أن يوقظها، فقامت فزعة، صرخت:
- أخرج من هنا، أخرج.
فزع الولد:
- ماما، ماذا بك؟
- لست بأمك، أخرج.
كانت تبحث عن شيء تستر به نفسها، الغطاء ثقيل ولا يصلح لهذا، كما أنها فوق السرير ولا تستطيع رفع غطائه ليغطيها، بكي الولد.
كانت ترتعش وكأنها محمومة.
- ماما، هل أنت بخير؟
- سأكون بخير لو خرجت.
الولد جزع عليها يقترب منها، يريد أن يحميها من هذا الخطر الذي يحيق بها:
- ما الذي يغضبك مني؟
حينذاك دق الجيران الباب بعد أن سمعوا صراخها عاليا، فأسرع تامر إليهم:
- أمي ليست في حالة عادية، إنني أخاف عليها.
أسرعت جارة من الجارات إليها:
- ماذا بك يا أم تامر؟
- الولد دخل حجرة نومي وأنا نائمة فيها.
- وما الذي يغضبك، ألست بأمه؟
تلعثمت، أرادت أن تقول "إنه ليس بابني" لكنها لم تستطع.
التفت النسوة حول تامر، حكى لهن عما حدث في دهشة طالبا منهن إنقاذ أمه التي تتصرف كأن شيئا يطاردها. أسرعت الجارة التي حدثت أنصاف وأخذته إلى شقتها:
- لا تخف، ستهدأ وستعود كما كانت.
عندما جاء يسري أخبرته الجارات بما حدث. أسرع إلى تامر وضمه إليه جزعا.
- هل أنت بخير؟
- المهم أمي، إنني أخاف عليها.
انشغل تامر بأصدقائه أولاد الجيران وهمست المرأة ليسري:
- زوجتك مريضة، لابد من عرضها على طبيب نفسي.
- ليس هناك داع لهذا، ستهدأ بعد قليل.
أسرع يسري إلى أنصاف التي صاحت فيه متحدية:
- لقد مللت من هذا، إما أنا أو تامر في هذا البيت.
- قال في أسى:
- سأترك لك الشقة، وسأذهب بابني إلى شقة أخرى. مصطفى نصر ـ الإسكندرية