بن علي والمرأة ومعجزة التحرر التونسية

بقلم: علي الصراف

الصلة التي تقيمها تونس بإرثها التحرري ليس كمثلها صلة. فالكثير من قضايا الإصلاح والتطور والتحديث التي يخوض هذا البلد غمارها اليوم، تعود جذورها لتمتد الى ما كان كتبته وفكرت فيه وناضلت من أجله نخبة من كبار المثقفين الطليعيين الذين أرادوا لتونس ان تنهض من سبات التخلف، وتخرج من دائرة الفقر، وتبرأ من علات القهر والتمييز الإجتماعي.
الموقف من المرأة، في معترك التطور، كان يمثل حجر زواية أول، ولا بديل له، لبدء المسعى التحرري من بدايته الصحيحة.
لا تحرر سياسيا حقيقيا من دون تحرر المرأة. ولا تنمية إقتصادية حقيقية من دون مشاركة المرأة. ولا مساواة من دون مساواة المرأة. ولا عدالة اجتماعية من دون موقف إجتماعي عادل حيال المرأة.
تلك هي الثقافة التي تنطلق منها تونس. ومنها إنطلقت سلسلة الإصلاحات التي جعلها الرئيس زين العابدين بن علي واحدة من أبرز أركان برنامجه السياسي منذ تحول السابع من نوفمبر/تشرين الثاني 1987.
والأمر إنما كان يتعلق برؤية ثقافية وحضارية لم يسبق لبد عربي وإسلامي ان أرسى مقوماتها كما فعلت تونس.
في عام 1930، وحيث كان التونسيون يقلّبون خيارات التحرر من ربقة الإستعمار، ويبحثون عن سبيل للتقدم يتلاءم مع مرجعياتهم، ويتوافق مع متطلبات العصر، أصدر الطاهر الحداد كتابه الشهير "إمرأتنا في الشريعة والمجتمع"، ليقدم من خلاله رؤية تحليلية وشرعية جديدة مستمدة من ثقافته الزيتونية من ناحية، ومن قراءته الخاصة للأحوال الإجتماعية السائدة في تونس آنذاك من ناحية أخرى.
وعلى رغم ما اتسمت به هذه الرؤية من عمق فهم وصواب تحليل للمضامين الشرعية وأغراضها وقيمها الأساسية، فقد بدت جرئية بما فيه الكفاية لتتحدى الموقف التقليدي السائد ومفاهيمه الجامدة، ولتعرض تفسيرا يسمح بجعل مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة يشرق من جديد، ليس بوصفه حاجة إجتماعية معاصرة فحسب، بل بوصفه قيمة أساسية من قيم الإسلام أيضا.
فالإسلام الذي كان، بحد ذاته، بمثابة ثورة تحررية ضد العبودية والظلم والإستغلال، أنطوى في سعيه للرفع من شأن المرأة والإرتقاء بمكانتها الإجتماعية على الكثير من المؤشرات الدالة على أن التمييز ضد المرأة لم يعد مقبولا.
فالمجتمع الذي كان يئد بناته، والذي كان يحرمهن كليا من الميراث، والذي كان ينظر اليهن نظرته الى العبيد، لم يعد هو نفسه المجتمع في ظل الإسلام. وشيئا فشيئا تطور الموقف الشرعي من حقوق المرأة ليمنحها وضعا يليق بمكانتها ليس كأم وأخت وزوجة فحسب، بل وكإنسان متساو أيضا.
بعض العادات والتقاليد، ظل يمارس، بطبيعة الحال، تأثيره السلبي في مجتمع كان ما يزال الى حد كبير رجاليا. إلا أن نظام القيم الأخلاقية الذي نشره الإسلام كان كافيا، بالفعل، ليرسي الأساس لرؤية تحررية عميقة وعقلانية وصائبة.
عبر هذا السبيل توصل الحداد الى ان استعباد المرأة ووضعها موضع الجارية ليس من قيم الإسلام ولا من شرعه في شيء. أكثر من ذلك، فمثلما جاز للشريعة ان تتطور بما يتلاءم مع تطور الحاجات الإجتماعية، فان شيئا لا يبرر ان يظل التشريع الإسلامي، في الجانب المتعلق بمساواة وإحقاق حقوق المرأة الإنسانية، جامدا ومنغلقا.
لقد نظر الحداد الى الأحكام والنصوص الشرعية من منظور الحياة، وليس العكس. وبذلك، فانه لم ينقذ حقوق المرأة من التعسف وحدها، ولكنه أنقذ الرؤية الحضارية للإسلام نفسه أيضا.
ويقول الحداد: "ان الإسلام لم يعطنا حكما جازما عن جوهر المرأة في ذاتها، ذلك الحكم الذي لا يمكن ان يتناوله الزمن بالتغيير، وليس في نصوصه ما هو صريح في هذا المعنى. إنما الذي يوجد انه أبان عن ضعف المرأة وتأخرها في الحياة تقريرا للحال الواقعة، ففرض كفالتها على الرجل مع أحكام أخرى بنيت على هذا الإعتبار. وقد علل الفقهاء نقص ميراثها عن الرجل بكفالته لها. ولا شيء يجعلنا نعتقد خلود هذه الحالة دون تغيير. على أننا نجد الإسلام نفسه قد تجاوز هذه الحالة التي وجدها أمامه في الكثير من أحكامه إعتبارا بضرورة تبدلها مع الزمن فقرر للمرأة حريتها المدنية في وجوه الإكتساب وتنمية المال بالتجارة وغيرها من التصرفات".
ما يهم في هذه النظرة، ومثلها الكثير من الرؤى التحررية الأخرى، هو انها لم تغب في زحام معترك النضال من اجل الإستقلال وبناء الدولة الحديثة.
تونس، بهذا المعنى، هي البلد العربي الوحيد ربما، الذي بقي يصغي لمثقفيه ويضع تصوراتهم التقدمية والإيجابية موضع الإحترام والتطبيق.
ولئن كان الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة وضع اللبنات الأولى لمشروع تحرر ومساواة المرأة موضع التنفيذ الدستوري والتشريعي، فقد أعلى الرئيس بن علي من شاهق البنيان ما صار يكفي لتحويل تونس الى منارة مشرقة من منارات التحرر في العالمين العربي والإسلامي، بل ولتتجاوز تونس، في الحقوق الدستورية والمدنية والإمتيازات والضمانات للمرأة، ما لم تصل اليه الكثير من الدول المتقدمة.
لماذا؟
لأن الرئيس بن علي يدرك، عميق الإدراك، انه لا تقدم من دون تقدم المرأة، ولا حرية ولا مساواة من دون حرية ومساواة المرأة، ولا عدالة اجتماعية من دون ان تحظى المرأة بنصيبها المتساوي منها.
فإذا كان التقدم الإقتصادي هو القاعدة التي تنهض عليها مشاريع التنمية، فان الرؤية التي جسدتها كل التشريعات والقرارات التي تبناها الرئيس بن علي في هذا المضمار ظلت تقدم الدليل تلو الآخر على الأهمية الحاسمة لدور ومكانة المرأة في هذا التقدم.
كان واضحا منذ البدء ان الثقافة الإصلاحية التونسية جعلت تحرير المرأة معادلا موضوعيا لا مفر منه لتحرير المجتمع من ظلمات التقليد وقيود التخلف. وتأسيسا على هذه الثقافة تبنت مجلة الأحوال الشخصية في العام 1956 موقفا تاريخيا نص على إلغاء تعدد الزوجات، وإقرار الطلاق القضائي، وتحديد السن الأدنى للزواج بـ17 سنة للفتاة القاصر، ومشترطا موافقتها، ومنح الأم في حالة وفاة الأب حق الولاية على أبنائها القصر.
تلك كانت هي البداية. ومنها إنطلقت مسيرة طويلة من التشريعات والقرارات التي جعلت المرأة التونسية اليوم تتمتع بمستوى من الحرية والمساواة لا يضارعه وضع المرأة في أي بلد عربي او إسلامي، او حتى صناعي متقدم.
إنطلق الرئيس بن علي، في تدعيم وضع ومكانة المرأة، من معطى ينظر الى حقوق المرأة كجزء من حقوق الإنسان. فالتشريع الذي صدر في 13 أغسطس/آب 1992 دفع الى جعل المساواة مكفولة بقوة المساواة في النظرة الى المرأة كإنسان أولا، الأمر الذي أزال الى الأبد القاعدة التي كان تقف عليها كل إعتبارات التمييز السابقة.
وسرعان ما توالت سلسلة من التشريعات التي تضمن مشاركة المرأة على قدم المساواة مع الرجل، في المسؤولية عن الأسرة ورعاية الأطفال وكسبت الأولوية في حضانتهم، كما كسبت المساواة في الحق بالشغل، وفي قانون الجنسية والتشريعات الجنائية، والحق في الطلاق. وفي الحصول على إجازة مدفوعة الأجر لأغراض الولادة والرضاعة، والحق في الحصول على ثلثي الأجر مقابل العمل لنصف اليوم. كما توفرت الكثير من الضمانات التي تكفل إحترام المرأة وحمايتها من أي تعديات أو انتهاك داخل وخارج الأسرة، في الشارع وفي مكان العمل.
ولم يقتصر الأمر على التشريعات وحدها. فالتغير الذي أرسته الرؤية التحررية التي تبناها الرئيس بن علي حيال المرأة، منح المرأة التونسية وضعا جعلها قادرة على الإنخراط في كل مجال من مجالات العمل، من دون أي استثناء، بما في ذلك مجال القضاء.
اليوم تشكل المرأة التونسية ما يزيد على ثلث القوة العاملة، وهي نسبة تضارع أرقى نسب العمل في أوروبا وحوض المتوسط. كما انها تحتل نسبة تزيد قليلا عن 20% من مقاعد البرلمان. وينتظر ان تبلغ النسبة في البرلمان المقبل، بعد انتخابات عام 2009، نحو 30%. وفي مؤشر على القيمة الحيوية التي تمثلها مشاركة المرأة في الحياة السياسية، فقد بلغت نسبة النساء اللواتي انتخبن الى عضوية اللجنة المركزية للتجمع الدستوري الديمقراطي الحاكم 37.9%. وتدير المرأة في تونس اكثر من 5500 آلاف مؤسسة أقتصادية (85% منها في قطاعي الصناعة والصناعات التقليدية، و8% في قطاع التجارة، و7% في قطاع الخدمات). وهناك نحو 20 ألف إمرأة تملك وتستثمر في الأراضي الزراعية. وتحتل المرأة اكثر من 25% من مقاعد المجالس البلدية، وتشغل أكثر من 25% أيضا من مناصب القضاء، ومنها رئاسة محاكم الإستئناف ورئاسة المحاكم الإبتدائية وصولا الى بعض الدوائر المتخصصة في محكمة النقض، كما تشغل المرأة نحو 20% من المسؤوليات العليا في الوظائف العامة.
وتشكل المرأة الشابة نسبة متساوية تقريبا لنسبة الشباب في مختلف مستويات التعليم، بما فيها التعليم العالي، إلا ان الإحصائيات الأخيرة تشير الى ان معدل نجاح الفتيات في التعليم يبلغ 52% بينما يبلغ معدل النجاح للذكور 48%.
هذا واقع يقول أننا نقف امام مجتمع تجاوز بأشواط بعيدة كليا عن كل ما تعانيه المرأة من إنتهاكات ومظالم وأعمال تمييز في معظم البلدان العربية والإسلامية الأخرى.
التمييز على أساس الجنس لم يعد سوى واحدة من خرافات الماضي ليس بالنسبة للقيم الدستورية وفي مختلف اوجه الحياة العامة في تونس فحسب، ولكن بالنسبة للموقف الإجتماعي العام نفسه أيضا. وهذا منعطف، بالأحرى، ما كان ليتحقق من دون موقف سياسي وثقافي ثابت. وما كان ليتحقق من دون ان تثبت المرأة التونسية انها جديرة بكل ما تحصل عليه من حقوق وامتيازات وضمانات.
ومصدر الجدارة الأهم، اليوم، ليس الحماية القانونية، على أهميتها، بل الكفاءة، والإنجاز المتميز في العمل وفي كل اوجه ومجالات الحياة التي دخلتها المرأة التونسية بشجاعة وثقة عالية بالنفس.
لقد كسبت المرأة التونسية حريتها ومساواتها لأنها تستحقها كإنسان، ولأن قائدا تاريخيا وفذا قرر ان يمضي قدما ليبني شاهقا فوق ما بنت تلك الرؤية الإصلاحية التاريخية.
اليوم، تستطيع المرأة التونسية ان تنظر الى الإنجاز الحقوقي والدستوري الذي تحقق في ظل قيادة بن علي لتجد انها تقف على مرتفع لم تبلغه المرأة في معظم دول العالم.
اليوم، تستطيع المرأة التونسية ان تشعر انها أم وأخت وزوجة ليس بوصفها تابعا او مواطنا من الدرجة الثانية، بل كإنسان متساو بالدرجة الأولى.
واليوم، يستطيع الرئيس بن علي ان يواصل مسيرة التحديث وهو مطمئن البال الى ان معجزة التحرر والمساواة والعدالة التونسية، التي شرع بها عام 1987، لن تعود الى الوراء أبدا.

علي الصراف alialsarraf@hotmail.com