الصفقات السياسية، زواج الشغار في القضية العراقية

بقلم: د.علي التميمي

زواج الشغار محرم في الإسلام ومعناه: عندما يتقدم رجل لخطبة امرأة يشترط عليه من أهل المخطوبة أن يزوج أخته لأخ المخطوبة. وقد كان سائدا لعقود طويلة في الأوساط العشائرية والريفية وبعض الأحياء الشعبية في المدن العراقية.
وقد ساعدت ظروف لوقوع ذلك الزواج المحرم واستمراره لفترات طويلة نتيجة الجهل والتخلف وغلبة العادات العرفية على القوانين الشرعية نتيجة ابتعاد الأطراف الحوزوية عن هموم الأمة ومشاكلها.
ومثلما كانت تمرر صفقات زواج الشغار، أصبحت اليوم تمرر الصفقات السياسية وهي تراض بين بعض الأطراف السياسية وحصرا بين بعض رؤساء الكتل السياسية تحقيقا لمصالحهم الشخصية والفئوية على حساب المصلحة الوطنية.
وقد بدأت الصفقات السياسية منذ مؤتمر لندن وفيينا ولقاءات واشنطن مرورا بمراحل ما بعد 9-4-2003 والجلسات الشخصية مع الحاكم الأميركي بول بريمر التي انبثق عنها مجلس الحكم والذي اعتبر أول صفقة سياسية ارتكبت فيها المحرمات السياسية على حساب المصلحة الوطنية.
ففي الوقت الذي كانت تنهب فيها البلاد وكان ينهب المتحف الوطني وآثار العراق وتنهب الممتلكات في مختلف المؤسسات، استسلم البعض لإغراء صفقة مجلس الحكم الذي صعدت فيه عناصر لم تكن من أصحاب القضية أو الهم الاجتماعي أو السياسي وبعضهم كان فاشلا على مستوى انتخابات البلديات المحلية.
وكانت أول صدمة للجمهور العراقي وللشارع السياسي أن صعدت أسماء لم يكن لها حضورا في الواقع السياسي العراقي وصعدت أحزاب كانت ميتة وفي طريقها الى النسيان.
وفي هذه الأجواء من الصفقات المريبة والتي كان الإحتلال يعرف هشاشتها ويعرف ضعفها وخواءها ولكنه كان يقبل بمجرد التأييد والسكوت عن أجندته الخاصة في استثمار ما يحلو له. وكانت تلك أول صفقة يباع فيها الوطن بشكل علني وتستباح ثرواته وممتلكاته الخاصة وتستباح كنوزه.
ومن الملفت للنظر للمتابع بالبصيرة الثاقبة أن أهل الإحتلال تركوا كل الوزارات والمؤسسات واحتفظوا فقط بوزارة النفط، وتركوا كل حدود البلاد مفتوحة ولكنهم حرصوا على أن تكون لهم ربايا وثكنات في كل مواقع الآثار العراقية القديمة. وبدأوا بالعمل السري الكتوم الذي ستظهر أسراره سنوات المستقبل القادمة.
وثاني تلك الصفقات السياسية التي زرعت الخنادق والأشواك في الساحة السياسية العراقية هي صفقة كتابة الدستور. ومن هوس الصفقات وخفة البعض من الذين أعجبوا بالكراسي على حساب الوطن والمبادئ اعتبار هؤلاء البعض أن من الإنجازات التي قدمت هو كتابة الدستور. وهذه أمية سياسية لم نكن نتوقعها للبعض من الذين نعرفهم وان كنا نتوقعها للكثيرين من الذين نعرفهم تاريخيا بمحدوديتهم وفراغهم الثقافي. والمشاكل اليوم التي يعاني منها العراق والمشكلة الكبرى التي وصل اليها البرلمان العراقي الذي وقع في خندق لا يستطيع الخروج منه من خلال التصويت على قانون مجالس المحافظات.
إننا نخشى ونتوقع أن يصار الى صفقة جديدة بين بعض الأطراف ولكنها ليست للخروج الحقيقي من أزمة البرلمان وأزمة الحكومة وأزمة الرئاسة التي تختصرها بأزمة الدولة بكل ما للكلمة من معنى.
نخشى أن يصار الى صفقة سياسية جديدة على حساب المستقبل العراقي وعلى حساب المصلحة الوطنية، وتمرر الأمور على طريقة الضحك على الذقون ثم تنخسف الأرض مرة ثانية بأصحاب الصفقات وبأهل الوطن، فيقعون في خندق مظلم آخر لا يعلم خطورته إلا الله والراسخون في العلم.
ومن نتائج تلك الصفقات السياسية المحرمة كتحريم زواج الشغار ظهور أفراد في مواقع المسؤولية العراقية، بعضهم لازال يستلم رواتب المعونة من الدول الأوروبية التي تقيم عائلته فيها وهو يحتل موقعا في الحكومة العراقية ولا يخجل من ذلك العمل بالوقت الذي بدأت تلك الدول الأوروبية تصرح وتغمز في قناة المسؤولين في الحكومة العراقية بسبب تلك التصرفات غير المسؤولة.
وبذلك يدفع الشعب العراقي ضريبة من سمعته جراء أفراد طارئين على الحكم وطارئين على المسؤولية وطارئين على الحياة السياسية.
ومن متناقضات هذه الأزمة البرلمانية التي لم تستطع الى اليوم (5-8-2008) أن ينهض البرلمان من كبوتها بعد أن تفجرت الأزمة في 22-7-2008 وزاد من غرابتها وتعقيداتها وهشاشتها قيام وزير المالية بإيقاف جدول زيادة رواتب الموظفين بخطوة انفرادية ليس لها مثيل في تشريعات الدولة ونظمها فلا توجد دولة في العالم تحترم نفسها تعطي لموظفي الدولة زيادة مشرعة أصوليا ومصدقة من قبل مجلس النواب ومجلس الرئاسة والحكومة ويمضي عليها أشهر ثم يأتي وزير من وزراء الحواشي والصفقات السياسية ليعبث بالأمن الاقتصادي للمواطن العراقي بهذه الطريقة التي لا يمكن تصورها حتى في الأفلام البوليسية والكاريكاتيرية.
وهذا كله من نتائج الصفقات السياسية التي تمت على حساب الوطن والمواطن وسنرى في مستقبل الأيام كوارث أخرى ومتناقضات كثيرة حبلى بالمآسي التي تورثها للشعب العراقي. فلقد قام بعض الأشخاص الذين أرسلوا لمشاهدة الحدود العراقية الكويتية بإعطاء الفتوى الظالمة التي حرمت المزارعين العراقيين وحرمت العراق من مناطق بترولية داخل الحرم العراقي.
وهؤلاء اليوم الذين شهدوا تلك الشهادة الباطلة يتشدقون بالوطنية وبالبكاء على مصلحة الشعب العراقي وأحدهم اشترى بيتا في منطقة الكاظمية بمليون دولار ولا ندري ما هو ثمن تلك الصفقة لأننا نعرف هؤلاء ونعرف تاريخهم جيدا.
إن الصفقات السياسية الظالمة للشعب العراقي أصبحت عرفا جديدا باطلا ومحرما، ولكن بعض الأطراف السياسية استساغت ذلك الحرام وتغاضت عن الباطل لأنها أصبحت تحرص على أن يكون لها مكتبا في كل محافظة وحواشي ومؤيدين في كل مدينة. وهؤلاء لا بد لهم من الرواتب والنثريات.
إن مسلسل الصفقات السياسية هو الذي جعل بعض المسؤولين من الأكراد يتطاولون على مسؤولي الحكومة الفدرالية ويتجاوزونهم في كل شيء. فالصفقات مع الشركات الأجنبية لا تعلم بها الحكومة الفدرالية والمنافذ الحدودية في منطقة شمال العراق لا تسيطر عليها الحكومة الفدرالية. والأمن والجيش والاستخبارات التابعة للحكومة الفدرالية ليس لها حضورا في المنطقة الشمالية.
وأبناء المحافظات الوسطى والجنوبية يعانون المرارة والمعاملة القاسية ويسمعون العبارات العدائية عندما يزورون المحافظات الشمالية. بحيث أصبح شائعا عند العراقيين أنه أهون عليهم أن يزوروا أي دولة أجنبية من زيارة أربيل والسليمانية.
وهذه من نتائج الصفقات السياسية التي سكتت عليها الأطراف المستفيدة. فمن نتائج الصفقات السياسية تخريب المؤسسة العسكرية وتخريب المؤسسة الأمنية وتخريب التعليم في العراق ونتائج امتحانات البكالوريا العراقية شاهد على ذلك في هذه السنة حيث كانت نسب النجاح مرتفعة جدا في بعض المحافظات ونسب الرسوب عالية جدا في محافظات أخرى، لا لشيء الا أن بعض الميليشيات استطاعت أن تستولي على أسئلة الامتحانات وتوزعها على المحازبين والمقربين والنسبة ترتفع وتزداد كلما تفشت أسرار الامتحانات.
ومن نتائج الصفقات السياسية هيئة المفوضين للانتخابات العراقية التي قيل عنها الكثير في الدورات الماضية ولا نعتقد أنها ستسلم من الشوائب والتناقضات في الدورات المستقبلية لأن البعض منهم نعرفهم تاريخيا بالمحدودية والفشل وعدم القدرة على الأداء المميز في مواقع عملهم وبين عشية وضحاها أصبحوا يتطاولون على كل شيء ويدعون كل شيء حتى أن المرجعية أصبحت لبعضهم غطاء وشعارا وهم بعيدين عنها كل البعد.
إن الصفقات السياسية ظاهرة شاذة في العمل السياسي ولدت ونمت وترعرعت تحت غطاء الإحتلال الذي يعمل على إضعاف التيارات السياسية من خلال تمزيق الإجماع العراقي وزرع بذور الفتنة في الشارع السياسي وهذا ما يحصل اليوم.
فمثلما يسكت أصحاب الصفقات عن إهدار الكرامة العراقية وإهدار المال العراقي وإهدار السيادة العراقية، كذلك يسقط الإحتلال عن المشاريع الخاصة لأصحاب الصفقات السياسية.
فمن المعلوم اليوم أن تشكيل اللجان والمجاميع والمنظمات لا يخضع لتنظيم يرتبط بالدولة وبمؤسسات المجتمع وانما يخضع للإرادات الشخصية والطموحات الفردية.
وهذه النشوءات والتكوينات غير الحقيقية والتي تختزل النشاطات السياسية والاجتماعية بشخصية واحدة هي ظاهرة غير طبيعية في العمل السياسي بكل أنواعه الديمقراطي أو الشوروي، والإحتلال يعلم ذلك بشكل جيد ويغض الطرف عنه.
فالمراقب السياسي اليوم يجد أن طرفا واحدا لا يمتلك أصالة حقيقية ولا يمتلك ولاء جماهيريا حقيقيا ولكنه يستولي على الإعلام كله ويستولي على شعائر المناسبات كلها، فلا تجد في كل مدن العراق في الوسط والجنوب مثلا إلا لافتة واحدة لطرف واحد يحتكر شعائر المناسبات الدينية والوطنية وكأن الآخرين مغيبين تماما، في حين أنه لا يوجد اتفاق بين الأحزاب والكتل السياسية الداخلة في مشروع الحكومة لا يوجد لديها اتفاق على مشروع الاختزال.
ولكن الهيمنة وفرض الإرادات هو نتيجة الصفقات السياسية التي تفرعن من خلالها بعض الأطراف لاستقوائه باللوبيات الأجنبية، بالإضافة الى خضوعه المطلق لإرادة المحتل.
ولهذه العوامل والأسباب كلها فان الصفقات السياسية التي جرت في هذه المرحلة هي حرام كحرمة زواج الشغار المحرم في الإسلام، فهل هؤلاء ينتبهون الى خطورة أعمالهم المحرمة.
إننا أردنا بهذه المقارنة أن نقرب للقارئ ونقرب المعنى لأولئك الذين يتخاصمون اليوم ويتشاجرون داخل قبة البرلمان العراقي ويتباكون على مصلحة الوطن والشعب ناسين أنفسهم بأنهم يمارسون الزواج الحرام والعمل الحرام والأكل الحرام والموقع الحرام في السياسة وفي الدولة العراقية. د.علي التميمي dr_tamimi5@yahoo.com