حتى لا يفاجأ الخليج بالمصيبة الكبرى

بقلم: فيصل جلول

بادر عمال بنغاليون الى تنظيم تظاهرة مطلبية في الكويت كما فعل عمال اسيويون من قبل في الامارات العربية المتحدة وكما قد يفعل اخرون في هذا البلد الخليجي او ذاك علما بان العمالة الاسيوية تكاد تكون حصرية في قطاع الخدمات الخليجي النامي بدرجات متصاعدة. ليس سبب التظاهرات عصيا على الفهم فهو ناجم عن ضعف الدولار المتزايد جراء السياسات الانتقامية والحمقاء التي اعتمدتها ادارة جورج بوش في ولايتيه الاولى والثانية. وبما ان النظام المالي الدولي مرتبط بالدولار او يتأثر بحركته صعودا وهبوطا فان رواتب الفئات الدنيا في المجتمعات المتقدمة والمتخلفة على السواء هي الاكثر عرضة للضرر لانها الاقل قدرة على مواجهة الهبوط المتزايد في اسعار عملات صعبة والتصاعد المتزايد في اسعار عملات صعبة اخرى (اليورو).
وإذا كانت تظاهرات العمالة الاسيوية في الخليج وما رافقها من اعمال شغب متصلة بحركة الاسواق المالية، واذا كانت جزءا من حركة احتجاج واسعة في اكثر من دولة ومنطقة فانها بالمقابل تسلط ضوءا كاشفا على جانب اضافي محصور بمنطقة الخليج وحدها اعني به العمالة الاثنية. فالملاحظ ان التظاهرات لم تشمل العمال والموظفين من اثنيات متعددة وانما من اثنية واحدة او اثنتين وان التضامن الاثني (لغة وعرق ووطن ودين واحد) لعب دورا اساسيا في اندلاعها والملاحظ ايضا انها تحمل في الخارج معنى يتعدى مسألة تحسين شروط العمل المأجور الى المواجهة بين عرب اثرياء واجانب اسيويين فقراء بكلام اخر عندما يغلب الطابع الاثني على تظاهرة مطلبية في الخليج او في منطقة اخرى فمن الطبيعي ان تخرج التظاهرة عن اطار العلاقة بين العامل ورب العمل بمعناها الاقتصادي المحض الى الصراع بين اثنية تحتل موقع رب العمل قسرا واثنية اخرى تحتل موقع المستخدم قسرا فيصبح الحال ان عربا يستغلون اسيويين عوضا عن ان اسيويين وغير اسيويين يعملون في ظل نظام وشروط عمل دولية تسودها عولمة اقتصادية محمية بهرم تتربع على رأسه القوة الدولية الاعظم في العالم ومعها الدول الثمانية الاكثر غنى وتشمل هذه العولمة كل القوميات وليس العرب وحدهم بل ربما كان بعض العرب (اغنياء وفقراء) الحلقة الاضعف فيها.
يطرح الخلط بين العامل العرقي والعامل الاقتصادي مشاكل خطيرة تتعدى اثر التظاهرات الاخيرة وتحتاج الى تأمل عميق والى حلول مبرمجة وطويلة الامد كي لا تفاجأ المجتمعات الخليجية ذات يوم بانها ما عادت قادرة على الامساك بعالم صنعته بطريقة عشوائية وفق الحاجات الانية تماما كما فوجئ العرب قبل الف عام تقريبا بان المماليك الذين خدموا في بلاطهم اصبحوا اسيادا عليهم ومن ثم السلاجقة والاتراك فكان ان اصبح العرب انفسهم من بعد "مماليك" لدى الاتراك وحل ما حل بهم من انهيارات ما زالت اثارها ماثلة حتى اليوم.
وحتى لا تقع الواقعة الكبرى مرة أخرى لابد من اعتماد انعطافة كبيرة مبنية على اجراءات اساسية من بينها:
اولا: معالجة الضعف الديموغرافي الخليجي عبر سياسة اندماج جريئة و متدرجة تؤدي الى توسيع القاعدة الاجتماعية العربية في بلدان الخليج واذا كان ثمة من يخشى من طغيان دمج فئة من العرب اكثر من اخرى يمكن اللجوء الى نظام الكوتا وبالتالي اعتماد الاندماج المتعدد الجنسيات العربية.
ثانيا: اعتماد شرط اللغة العربية كشرط حاسم للعمالة الوافدة تماما كما تعتمد فرنسا شرط اللغة الفرنسية للاندماج وتعمل بهدوء ولطف على سلخ المندمج عن ثقافته الاصلية عبر نظام تربوي يخرج منه الاود المهاجرين فرنسيين ثقافة وتربية كغيرهم من الفرنسيين الاصليين. ومثال فرنسا ليس فريدا فهو معتمد الى هذا الحد او ذاك في كافة الدول الغربية التي تسد فجوتها الديموغرافية والنقص بالولادات عبر انجاب مواطنين من بطون اجنبية.
ثالثا: دمج اليمن في مجلس التعاون لدول الخليج اليوم قبل الغد عبر تأهيل بنيته التحتية فهو الاحتياطي الاستراتيجي لهذه الدول عبر موقعه الجغرافي وديموغرافيته وعروبته وعمالته الرخيصة ونزوع اهله الى التضامن العربي ونأيهم عن الطمع والعدوانية. علما ان دمج اليمن يتناسب منهجيا مع الاستراتيجيات التي تعتمدها كل الدول الغنية في العالم والتي تخشى على مستقبلها من تكدس الفقراء على حدودها.
رابعا: اذا كان صحيحا ان نمو الثروة الخليجية رهن باليد العمالة الرخيصة واذا كان صحيحا ان هذه القاعدة كانت في اصل النهضات التنموية في اليابان والصين وغيرها فالصحيح ايضا ان ضمان النمو ودوام الثروة لا يبنى الى الابد على عمالة مختلفة في ثقافتها ودوافعها عن ثقافة البلد المضيف الى حد الطغيان عليها وتشويهها. فالثروة الدائمة تحتاج الى حماية وطنية لا يمكن ان تتوفر الا عبر روابط ثقافية وطنية وقومية يشعر في اطارها الغني والاقل غنى بالانتماء القوي الى المكان وليس الى السوق حصرا.فالوطن ينشئ سوقا وليس العكس.
خامسا: لا يمكن مواجهة التظاهرات الاثنية في الخليج بسياسة ترحيل واسعة أو عبر استبدال عمالة اثنية باخرى فهذا الاجراء لا يحل المشكلة في جانبها الاقتصادي لانه يلحق اذى بالنمو وفي جانبها الاجتماعي لان العمالة الاثنية المتمردة والمرحلة ستليها عمالة أخرى مرشحة للتمرد اثنيا ايضا للاسباب نفسها. الامر الذي يستدعي في المدى المنظور تفتيت العنصر الاثني في السوق عبر تعددية واسعة من جهة ومن جهة أخرى الافادة في المدى المتوسط والبعيد من الفضاء العربي الواسع بحيث تمطر فيه غيوم النمو الخليجي ليستفيد الخليج من الزرع العربي في موسم الحصاد وهذا يتطلب اعادة نظر شاملة بالعلاقات العربية العربية تمر بتبديد الهواجس المتراكمة والموروثة حول طمع الفقراء العرب بثروة اغنيائهم وتعالي الاغنياء على الفقراء واحتقارهم.... هذا اضعف الايمان. فيصل جلول