قطار نجاد.. هل يتوقَّف؟

بقلم: جواد البشيتي

"قطار نجاد (النووي)" انطلق منذ أمد بعيد، أي عندما توصَّل صانع القرار الاستراتيجي في طهران ـ قُم إلى استنتاج مؤدَّاه أنَّ إيران هي التي خرجت "منتصرة" من الحرب التي شنتها الولايات المتحدة على العراق. وهذا "القطار"، على ما أعلن وأكَّد سائقه نجاد، لم يكن مزوَّداً كوابح، أو أصبح بلا كوابح، فما عاد ممكناً، بالتالي، وقفه، أي أنَّه تجاوز "نقطة اللا عودة"، فهو، الآن، "قطار" لا خيار له إلاَّ المضي قُدُماً.

وَقْفُ هذا "القطار"، ولو مؤقَّتاً، هو ما يُعبَّر عنه بمطلب، أو شرط، "وقف (أو تعليق) تخصيب اليورانيوم"، فـ "الدول الست"، أي الولايات المتحدة (وإسرائيل) وبريطانيا وفرنسا وألمانيا على وجه الخصوص، إنْ لم يكن على وجه التعيين والتحديد، تريد للنشاط النووي الإيراني أن يتوقَّف (ولو مؤقَّتاً) فلا يُسْتأنف، إذا ما اسْتُؤنِف، إلاَّ بما يجعلها متأكِّدة تماماً أنَّ "قطار نجاد" لن يصل أبداً، مهما كانت المسافة التي يقطعها، إلى "محطَّته النووية العسكرية"، أي أنَّ القنبلة النووية الإيرانية لن تكون العاقبة النهائية للبرنامج النووي الإيراني (الكهربائي، أو المدني).

على أنَّ تلبية طهران لهذا المطلب، أو الشرط، ليست من السهولة بمكان، فإغلاقها لمضيق هرمز قد يكون أسهل عليها بكثير من تلبيته؛ ذلك لأنَّ كبير عارضي "الحوافز"، وكبير الملوِّحين دائما بعصا العقوبات الغليظة، لا يثق بجدوى أي اتفاق يوقِّعه مع نظام الحكم الإيراني، الذي فيه من "الباطنية السياسية" ما يجعله دائماً "غير جدير بالثقة". وهذا إنَّما يعني أنَّ "الاتِّفاق الجيِّد"، بحسب معيار الجودة لدى الولايات المتحدة في المقام الأوَّل، هو الاتِّفاق الذي يُلْزِم إيران التنازل عن كثيرٍ من سيادتها، فَجَعْل الكهرباء لا القنبلة النووية محطَّةً نهائية لـ "القطار النووي"، الذي يقوده "نجاد"، إنَّما يستلزم "رقابة" ضحيتها الأولى والحتمية جزء كبير من السيادة الإيرانية.

وبعد ساعات، أو بعد أيام، سنسمع حَمَلَة "الجَزَر" و"العصي" يقولون إنَّ "نَعَم"، التي يريدون، هي الكلمة المفقودة في "الردِّ الإيراني"، وإنَّ سيفاً جديداً من "العقوبات الدولية" يجب أن يُسْتَلَّ الآن من غمده؛ وكيف لصانع القرار الاستراتيجي في طهران ـ قُم أن ينطق بـ "النَعَم" التي يريدون وهو الذي عَرَّف "الهزيمة"، أي هزيمة إيران، ضِمْناً إذ قال وأكَّد غير مرَّة "لا وقف (ولو مؤقَّتاً) لتخصيب إيران لليورانيوم والذي هو حقُّ لها معترف به دولياً"؟!

"العقوبات"، أي مزيدٌ منها، ومزيدٌ من تغليظها، هي النتيجة التي ستظهر عمَّا قريب؛ ولكن..

إسرائيل تريدها "عقوبات" من نمط يكفي أن يَدْخُل حيِّز التنفيذ حتى تُخْتَصَر كثيراً الطريق إلى شنِّ حرب على إيران تحظى بما يكفي من "شرعية دولية"، فالدولة اليهودية، التي لا شريكَ لـ "نوويتها" حتى الآن، تعرف على خير وجه، وأكثر من غيرها، أنَّ "العقوبات" هي خير مساعدة يمكن أن يسديها "المعاقِبون" إلى "المعاقَب" في سعيه إلى برنامج نووي "قومي" الجذور، صلب العود.

وأخشى ما تخشاه إسرائيل هو "الرادع النفطي"، الذي يمكنه أن يُفْقِدها كثيراً من أهمية "رادعها النووي"، فكبار خصوم إيران الدوليين يخشون الآن، وأكثر من ذي قبل، "إله منع الحرب"، أي "النفط"، أي "الغلاء النفطي العالمي". إنَّهم يخشون وهُم يعلمون أمرين أحلاهما مُرُّ، فـ "الحوافز" لا تُغري إيران، و"العقوبات" لا تردعها. أمَّا "الحرب" فدونها خرط القتاد، وليس من نصير لها لأنَّ له مصلحة حقيقية فيها سوى دولتين اثنتين: إسرائيل التي لا تريد لـ "الرادع النفطي" أن يلتهم "رادعها النووي"، فتصبح إيران "الاتحاد السوفياتي" الإقليمي الذي ينهي احتكار الدولة اليهودية للقنبلة النووية، والبرازيل، التي تتمنى (في سِرِّها) أن يُغْلَق مضيق هرمز فَتُفْتَح أسواق العالم على مصاريعها لوقودها الحيوي المُنْتَج من الذُرَة، فـ "القنبلة الذُّرَوية البرازيلية" يمكن أن تكون توأم "القنبلة الذرِّية الإيرانية"، فيَفْقِد العرب كثيراً من "أهميتهم الطَّاقيَّة"، وتَفْقِد إسرائيل كثيراً من "رادعها النووي".

إنَّه "مُثَلَّث القوَّة الإيرانية الصاعدة": العراق، والصواريخ، ومضيق هرمز. بغزوها العراق مع ما ترتَّب عليه من نتائج فَقَدَت الولايات المتحدة كثيراً من قدرتها على ردع إيران عن إطلاق "قطارها النووي"؛ وبـ "ترسانتها الصاروخية" ردعت إيران الولايات المتحدة كثيراً عن شن "حرب عن بُعْد" ضدها، وبوجودها (الجغرافي الموضوعي) على مقربة من "المضيق"، أو من "عنق زجاجة الاقتصاد العالمي"، عَرَفَت "إيران الصاروخية" كيف تجعل عصب الاقتصاد العالمي في مرمى صواريخها، التي لو أخطأت "الهدف العسكري"، لافتقارها إلى قوَّة "الأقمار الاصطناعية"، فلن تُخطئ "الهدف الاقتصادي ـ السياسي"، فإذا كانت "نار الكلام" تُشْعِل فتيل الغلاء النفطي العالمي فهل سقوط صاروخ إيراني ولو في الماء يمكن أن يطفئ نار الغلاء النفطي العالمي؟!

إذا أرادوا حرباً هي والكارثة صنوان فلا أسهل من إشعال فتيلها، فَقَذْف إيران (أي منشآتها ومواقعها المهمة والاستراتيجية) بنارٍ كنار جهنَّم من على بُعْد (من الجوِّ والبحر) يمكن أن يحرق أيضاً، أو أوَّل ما يحرق، نفطها وغازها.. وعندئذٍ، تَسْتَكْمِل الكارثة شروطها، فتَزُجُّ إيران (التي في احتراق ودمار) بـ "سلاحها المُركَّب" في المعركة، وهو "الصواريخ + المضيق".. وعندئذٍ، قد تَقَع "هيروشيما"، أو قد يَدْفَع الخوف من وقوعها إلى ما هو في "علم الغيب" حتى الآن! جواد البشيتي