خواطر يثيرها اعتقال رادوفان كاراديتش

بقلم: نقولا ناصر

قد يكون زعيم صرب البوسنة السابق رادوفان كاراديتش ارتكب جرائم حرب وقد لا يكون ارتكبها فذلك امر تقررة المحكمة الدولية في لاهاي التي احيل لها بعد اعتقاله في الحادي والعشرين من تموز/يوليو، غير ان اعتقاله والاتهامات الموجهة اليه بارتكاب جرائم حرب تشمل الايادة والتطهير العرقي والمجازر الانسانية يثير خواطر عربية حول ازدواجية المعايير الغربية لا يمكن فصلها عما ارتكبه ويرتكبه الاحتلالان الاسرائيلي والاميركي في فلسطين طوال القرن الماضي حتى الان وفي العراق منذ عام 2003 وفي افغانستان قبل ذلك بعامين من جرائم تستر عليها ويتجاهلها الغربيون الذين اقاموا "محكمة المنتصرين" في لاهاي لمن هزموهم في حربهم العدوانية على يوغوسلافيا السابقة ثم على صربيا من اجل تفكيكهما فقط لانهما كانتا عقبة قائمة في عقر دار حلف شمال الاطلسي "الناتو" تهدد تواصله وتحول دون توسعه.

فجر يوم الاحد الماضي، على سبيل المثال، اجتاحت قوات الاحتلال الاسرائيلي مدينة الخليل جنوب الضفة الغربية وحاصرت منزل شهاب الدين عبد العزيز النتشة (25 عاما) احد مقاومي الاحتلال طالبة منه تسليم نفسه وهو اعزل من السلاح وعندما رفض، ورفض والده بإباء طلبها مناشدة ابنه تسليم نفسه، بادرت جرافاتها العسكرية الى هدم المنزل فوق رأسه ليستشهد تحت انقاضه، ليدفن جثمانه دون راسه التي عثر عليها لاحقا تحت الركام، وكان في امكانها ان تقتحم البيت لاعتقاله او تحاصره اياما حتى يستسلم لكنها اعتادت على ارتكاب جرائم القتل بدم بارد لان ذوي الاصوات الاميركية والاوروبية المرتفعة في الدفاع عن حقوق الانسان عودت الاحتلال الاسرائيلي على ازدواجية معاييرها حتى لم تعد قواته تابه للقانون الدولي وهى مطمئنة الى ان هذه الازدواجية سوف تحميها من اية مساءلة او محاكمة.

لقد تزامنت زيارة رئيس وزراء بريطانيا غوردون براون لاسرائيل مع الاعلان عن اعتقال كاراديتش وكانت مثالا ساطعا على التستر الغربي على الجرائم الاسرائيلية التي لم يجد نظيره الاسرائيلي ايهود اولمرت أي فجاجة دبلوماسية في الدفاع عنها وتسويغها حتى ضد البريطانيين انفسهم وهو يستضيف زعيمهم المنتخب. ففي اليوم نفسه الذي اعتقل فيه الزعيم الصربي السابق سوغ اولمرت، واستمع براون اليه في الكنيست، جرائم الحرب والارهاب الذي مارسته العصابات الصهيونية بقوله:

"اتضحت الخلافات الحادة بين شعبنا وبين النظام البريطاني في اسرائيل (يقصد نظام الانتداب البريطاني في فلسطين) عشية الحرب العالمية (الثانية) وخلالها وبعدها بسبب القيود القاسية على الهجرة اليهودية.. كان هذا وقت ضاعت فيه المعايير السليمة.. فالمنظمات السرية التي نشات في اسرائيل (كانت رسميا فلسطين حتى ذلك الوقت) لتحريرها من العائق الذي كان يمثله الانتداب البريطاني قد اضطرت لاستخدام القوة العنيفة من اجل اقناع بريطانيا بتطبيق وعد بلفور"، والمفارقة ان التفجير الارهابي لفندق الملك داود الذي نزل فيه براون خلال زيارته كان مسرحا لممارسة تلك "القوة العنيفة"!

ان هذا التسويغ الاسرائيلي في خطاب رسمي لرئيس الوزراء اثناء زيارة رسمية لنظيره البريطاني كان فيها جوردون براون اول زعيم لبلاده يخاطب الكنيست بقدر ما هو مثال على مكابرة المحتل الاسرائيلي في الدفاع عن اثمه، ومثال ايضا على مجاراة شريكه التاريخي المسؤول عن تحويل هذا الاثم الى دولة، بقدر ما يمثل غفرانا بريطانيا رسميا لجرائم حرب ارتكبتها عصابات الارهابيين الصهاينة ليس ضد عرب فلسطين فقط بل ايضا ضد القوة الوحيدة البريطانية التي جعلت من الممكن تحويل هذه العصابات الى جيش نظامي لم تستطع تقاليد الدول واعرافها بعد جعله ينسى اساليب العصابات التي اعتادها عندما اقام دولته.

لقد اشاد بروان بالزعيم الصهيوني ديفيد بن غوريون القائل: "انني اؤيد الترحيل القسري (أي التطهير العرقي)" لعرب فلسطين مضيفا: "وانني لا ارى أي شيء غير اخلاقي في ذلك" وهذه احدى التهم الرئيسية الموجهة الى كاراديتش، كما اشاد بمناحيم بيغن دون ان يربط اسمه بعصابة الارغون الارهابية التي فجرت فندق الملك داود بالقدس في 22 تموز/يوليو 1946، وهو نفس اليوم الذي خاطب فيه براون الكنيست عام 2008، حيث ربما ما زالت بعض دماء مواطنيه البريطانيين عالقة ببعض زواياه المهملة. فكم "كاراديتش" اسرائيلي كان يستمع الى براون؟!

وما كان تجاهل براون لجرائم الحرب الصهيونية والاسرائيلية ليلفت النظر ولا كان احد سيجادل في مشاعره الشخصية عندما عبر عن حبه وحب والده "العميق طوال حياته" لاسرائيل لو انه لم يمجد دولة الاحتلال "للشجاعة التي ابدتها في مواجهة العداء" والتي ترتبط مع بلاده في "شراكة لا تنفصم" وفي "قيم مشتركة" والتي ما كان لها ان تقوم لولا تلك الجرائم باعتبارها "وعدا قديما تحقق" وليهنئها على "انجاز(ها) عام 1948" الذي انهى كما قال قرونا من الزمن في المنفى لتكون مسيرتها خلال الستين عاما المنصرمة "دليلا على الخير ليراه الجميع"، ولا كان احد سيعتب عليه تجاهله لجرائم الحرب الاسرائيلية لو انه تجاهل كل جرائم الحرب على الاطلاق لكنه اصر على الاشادة بمضيفيه الملوثة اياديهم بدماء العرب في فلسطين وجوارها لانهم "طوال الفي سنة لا شيء على الاطلاق تمكن من تحطيم روح شعبهم التواق الى الحرية – لا الزنازين، ولا التهجير القسري، ولا العنف، ولا المجازر، ولا حتى رعب الهولوكوست"، دون ان يساور براون أي احساس بالذنب لان المستمعين اليه في الكنيست وناخبيهم خارجه قد نسوا منذ ستين عاما هذه المفردات التي لم يعد لها أي معنى الا لدى ضحاياهم من اهل المنطقة. ويحتار المراقب وهو يستمع الى براون اين يجد "الخير" الذي تحدث عنه في الاحتلال المستمر منذ احدى واربعين سنة وفي ستة حروب عدوانية كبرى شنتها هذه الدولة منذ "تحقق الوعد بها" حسب قوله!

فهل فعل رادوفان كاراديتش اكثر مما فعله الصهاينة من اجل الحفاظ على الوحدة الاقليمية لاراضي صربيا لانقاذها كـ"دولة قومية" بعد الحرب التي قادت الولايات المتحدة حلف "الناتو" الى شنها لانهاء دولة يوغوسلافيا الاتحادية السابقة وتفتيتها الى دويلات عرقية وطائفية فقط لانها كانت الدولة الوحيدة في اوروبا "غير السوفياتية" التي لم تكن عضوا في الناتو بل كانت فاصلا استراتيجيا بين الحلف وبين جناحه الجنوبي اليوناني والتركي وعقبة امام توسعه شرقا وجنوبا اضافة الى كونها دولة مؤسسة في حركة عدم الانحياز العالمية.. دون اغفال الفارق الاساسي طبعا بين حالة كاراديتش الذي ارتكب الجرائم المتهم بها وهو يصد عدوانا اجنبيا ويدافع عن وحدة الاراضي الاقليمية لبلاده وبين الصهاينة الذين ارتكبوا جرائمهم وهم يشنون عدوانا اجنبيا يستهدف اقتلاع شعب كامل من وطنه للحلول محله!

ان التعاطف الانساني مع اسر حوالي ثمانية الاف رجل وصبي ممن حصدهم رصاص مليشيات صرب البوسنة في مجزرة سربيرينيتشا في شهر تموز/يوليو قبل ثلاثة عشر عاما ينبغي ان يتجاوز "الاخوة" الدينية معهم كمسلمين ليشمل كل ضحايا المجازر ايا كان دينهم والغضب الانساني المشروع على من ارتكبوا تلك المجزرة ينبغي ايضا ان يتجاوز قوميتهم الصربية ومذهبهم الاورثودكسي ليشمل الغضب على كل من يرتكبون المجازر ايا كان مذهبهم او قوميتهم، لذلك فانه لا يمكن توظيف اعتقال كاراديتش لصرف الانظار بعيدا عن جرائم الحرب التي ارتكبها الاحتلالان الاميركي والاسرائيلي في العراق وافغانستان وفلسطين لان جريمة الحرب واحدة لا تتجزا ولان اخضاعها للعدالة لا يمكن ان يكون انتقائيا فالقوة الغالبة انيا ليست على حق دائما لكي تفرض قانونها الانتقائي ذي المعايير المزدوجة ولا بد ان تطال العدالة مجرمي الحرب جميعا طال الزمن او قصر كما تثبت سابقة موافقة ايطاليا على الاعتذار للشعب العربي الليبي وتعويضه عن استعمارها له وكما تثبت الدعاوى التي بدات محاكم بعض الدول الاوروبية تقبلها مؤخرا للتحقيق في جرائم الحرب الاسرائيلية.

ان الاحساس ببعض الراحة التي يشعر بها مسلمو البوسنة لان طيف عدالة قد بدا يلوح لهم بعد اعتقال كاراديتش يقابله احساس عميق بالاحباط بين العرب والمسلمين لانه يجري توظيف اعتقاله كسابقة للسودان لا كسابقة للولايات المتحدة او اسرائيل. فازدواجية المعايير الاميركية والاوروبية في غفران جرائم الحرب والتطهير العرقي الصهيونية التي اقامت دولة في وطن استاصلت شعبه منه ثم جرائم الحرب وارهاب الدولة الذي ما زالت هذه الدولة تمارسه بعد قيامها لحماية توسعها الاقليمي بالقوة المسلحة في انتهاك صارخ للقانون الدولي وشرعية الامم المتحدة التي انشاها الاميركيون والاوروبيون انفسهم للحفاظ على السلم الدولي هي الخاطرة الاولى التي صدمت وتصدم الراي العام العربي والاسلامي منذ اعتقال كاراديتش، خصوصا وان ملايين المهجرين والضحايا نتيجة التطهير العرقي والطائفي للعرب في فلسطين والعراق الذي مارسه الساسة الذين حملتهم السفن والسياسات الغربية الى القطرين العربيين قد فقدوا الامل في أي عدالة تاتيهم من المجتمع الدولي ولم يعودوا يبحثون عن العدالة الا عبر انتزاعها بالمقاومة لان من يواصلون على قدم وساق قصف الاحياء المدنية في المدن العراقية والفلسطينية بالطائرات ودكها بالمدفعية والدبابات ممن لاحقوا كاراديتش لانهم يتهمونه بارتكاب جرائم حرب كهذه على وجه التحديد لا يمكنهم الا اقامة نوع واحد فقط من عدالة المحاكم التي يقيمها المنتصر للمهزوم.

وخاطرة اخرى يثيرها اعتقال كاراديتش هي المفارقة الكامنة في ان تكون واشنطن التي قادت الحرب العدوانية على يوغوسلافيا السابقة وراء انشاء المحكمة الدولية في لاهاي للنظر في جرائم الحرب المتهم بها من دافعوا عن يوغوسلافيا اولا ثم عن صربيا لاحقا لكنهم انهزموا عسكريا ليصبحوا متهمين امام محكمة اقامها المنتصر للمهزومين، وان تكون وزارة الخارجية الاميركية اول من اعلن الاتهام الذي وجهه مدعي عام المحكمة الجنائية الدولية لويس مورينو اوكابو الى الرئيس السوداني عمر حسن البشير بينما ما زالت واشنطن ترفض الانضمام الى هذه المحكمة حتى لا تطال احكامها في المستقبل جرائم الحرب التي يرتكبها جنودها في العراق وافغانستان وغيرهما، لا بل انها ما زالت تفرض اتفاقيات ثنائية مع دول في العالم منها اعضاء في المحكمة الجنائية الدولية تلتزم هذه الدول بموجبها باستثناء الجنود الاميركيين من الخضوع لهذه المحكمة.

غير انه سيكون من الصعب جدا على واشنطن اقناع الراي العام العالمي بان الضجة التي تثيرها حول جرائم الحرب المتهم بها كاراديتش وكذلك حول الاتهام الموجه الى الرئيس السوداني البشير سوف تكون كافية لصرف الانظار بعيدا عن الجرائم المماثلة التي ترتكب في العراق منذ غزوها له عام 2003، وتبدو تل ابيب اكثر ذكاء منها وهي تتجنب اثارة ضجة اعلامية مماثلة حتى لا تفرض مقارنة تذكر بجرائم الحرب التي ارتكبتها قبل انشاء دولتها في فلسطين وبعد انشائها.

ان الاتهامات الموجهة الى كاراديتش، الذي تمكن من السباحة في بحر شعبه منذ صدور الامر باعتقاله منذ عام 1995، تشمل جرائم حرب وابادة جماعية وتطهير عرقي يقال انه ارتكبها ضد مسلمي البوسنة والهرسك لابقائها جزءا من دولة صربيا المسيحية الاورثوذكسية، مما يثير اسئلة نظرية حول حق الاقليات الدينية او العرقية في الانفصال وسؤالا هاما عما اذا كانت سابقة الدعم الاميركي والاوروبي لانفصال البوسنة والهرسك ومقدونيا وكرواتيا وسلوفينيا ثم كوسوفو مقدمة للدعم الاميركي – الاوروبي لانفصالات مماثلة في العالمين العربي والاسلامي.

اذ لا يمكن باي حال تفسير الدعم الاميركي – الاوروبي لانفصال المسلمين في البوسنة والهرسك وكوسوفو بصحوة اوروبية وغربية "علمانية وديموقراطية" على اهمية تجاوز الصراع التاريخي بين الحضارتين الاسلامية والمسيحية في حوض البحر الابيض المتوسط واهمية التواصل بين الحضارتين، كما لا يمكن تفسيره بحب اميركي مفاجئ للاسلام والمسلمين في وقت تقود واشنطن اوروبا والناتو في حرب عسكرية ضروس ضدهم بالوكالة الاسرائيلية في فلسطين وجوارها المصري والشامي منذ ما يزيد على ستين عاما ثم في العراق وافغانستان منذ اوائل القرن الحادي والعشرين لاعادة رسم خريطة وطنهم وحرب ضروس ثقافية تستهدف حتى فرض الفهم الغربي للإسلام عليهم.

ان حقيقة عجز القوة العسكرية الاميركية الاعظم في التاريخ مدعومة بسندها الاوروبي بكل ما تملكه من اجهزة استخبارات اخطبوطية وتكنولوجيا تجسس متقدمة عن اعتقال كاراديتش منذ ثلاثة عشر سنة ثم حقيقة انه كان طول الوقت مختفيا وسط شعبه وفي قلب عاصمة بلاده بلغراد هما حقيقتان ساطعتان على ان الحرب العدوانية التي انتصرت فيها واشنطن والناتو على بلغراد عام 1999 لم تنته باعتقال الرئيس الصربي السابق سلوبودان ميلوسيفتش ولا انتهت بمحاكمته ولا بموته اثناء المحاكمة بل استمرت حربا سياسية لم تستطع اميركا واوروبا وحلفهما الاطلسي الانتصار فيها بعد مضي حوالي عشرين عاما على تدمير الدولة اليوغوسلافية السابقة، حربا سياسية استطاع الصرب فيها اخفاء كاراديتش واحتضانه طوال هذه المدة، بدليل ان صربيا ما زالت حتى الان "غير مؤهلة" للانضمام الى الاتحاد الاوروبي او الى الناتو اللذين توسعا شرقا وراء حدودها. نقولا ناصر
كاتب عربي من فلسطين nicolanasser@yahoo.com