الأزمة تتجاوز المظلومين لتشمل ظالميهم

بقلم: نصر شمالي

في هذا العصر الأوروبي الأميركي الصهيوني السائد منذ خمسة قرون، وفي الظلّ القاتم لنظامه العالمي الرّبوي الشايلوكي، نجحت الإدارات الاستعمارية منذ ما قبل عشرات السنين في تصدير أزماتها إلى القارات الأخرى، وفي خوض حروبها المفتوحة المستمرة على أراضي البلدان الأخرى وبجيوش تشكّلت في معظمها من أبناء تلك البلدان. فكان الأفريقيون المستعبدون يقاتلون الآسيويين المستعبدين، والعكس بالعكس.
وقد كتب أحد الإنكليز المدعو هوبسون قائلاً: "إنّ العدد الأكبر من المعارك التي استولينا بها على إمبراطوريتنا الهندية نفّذتها جيوشنا المشكّلة من الجنود المحليين (الهنود)، وإنّ معظم الحروب التي خضناها في أفريقيا نفّذها الجنود المحليون".
أمّا عن تصدير الأزمات الداخلية إلى البلدان الأخرى في القارات الأخرى، فقد روى صحفي بريطاني يدعى ستيد أنّ صديقه الحميم سيسل رودس حدّثه، في العام 1895، عن تطلعاته الإمبريالية فقال: "كنت أمس في الإيست إند (حيّ العمّال) واستمعت هناك إلى خطابات فظيعة، كانت من أوّلها إلى آخرها عبارة عن صرخات: الخبز! الخبز! وأثناء عودتي إلى البيت كنت أفكّر بما رأيت، وتبيّنت أوضح من السابق أهمّية الامبريالية، إنّ الفكرة التي أصبو إليها هي حلّ المسألة الاجتماعية، أعني: لكي ننقذ أربعين مليوناً من سكان المملكة البريطانية المتحدة من حرب أهلية مهلكة ينبغي علينا نحن الساسة طلاّب المستعمرات أن نستولي على أراض جديدة نرسل إليها فائض السكان، وأن نؤمّن ميادين جديدة لتصريف البضائع التي تنتجها المصانع، فالإمبراطورية هي مسألة بطون، وإذا كنتم لا تريدون الحرب الأهلية ينبغي عليكم أن تصبحوا إمبرياليين".
وهكذا، في العام 1919، كانت الدول الأوروبية الغربية الاستعمارية تسيطر على مستعمرات بلغت مساحتها 97.8 مليون كيلومتر مربع، أي ما يعادل 72 في المائة من مساحة كوكب الأرض، يسكنها 1235 مليوناً من البشر، أي 70 في المائة من سكان العالم حينئذ.
في العام 1910 كانت أربع دول إمبريالية، إنكلترا والولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا، تمتلك حوالي 80 في المائة من مجمل الأوراق المالية في العالم كلّه ومقدارها 600 مليار فرنك فرنسي، أي أنها كانت تستأثر بحوالي 479 ملياراً. أمّا العشرين في المائة المتبقّية من الكتلة المالية العالمية فكانت موزعة على حوالي ثلاثة عشر دولة جميعها أوروبية ما عدا اليابان فقط التي كانت تمتلك 12 في المائة من الكتلة الإجمالية. لقد تراوحت حصص هذه الدول الثلاث عشرة ما بين 2.5 في المائة و31 في المائة، وكانت جميعها تدور في فلك الدول الأربع الثريّة وتستدين منها. وكان ذلك كلّه مفهوماً، حيث الدولة الإمبريالية هي بالضبط: الدولة المرابية! فالمال كان (ولا يزال) يصدّر ويوّظّف لوضع اليد على البلدان المدينة، ومن ذلك المال الموظّف في الخارج كانت تأتي في المقام الأول المبالغ الموجهة إلى البلدان التابعة من المستعمرات وشبه المستعمرات، فإنجلترا مثلاً تمنح القروض لمصر الخديوية والصين الإمبراطورية وغيرهما، وعند الحاجة يلعب أسطولها الحربي دور الشرطي القضائي ضدّ البلد الذي يعجز عن التسديد، فيضع يده على البلد المدين أرضاً وحكومة وشعباً لاسترداد أموال شايلوك التي تتعاظم وتتعاظم بسبب الفوائد الباهظة المركّبة إلى الحدّ الذي يجعل سدادها مستحيلاً.
هكذا كان الوضع في أزمنة الإدارات الاستعمارية الأوروبية. وعندما تسلّم الأميركيون زمام الإدارة بعد الحرب العالمية الثانية تطلّعوا إلى كنس جيوش المستعمرين الأوروبيين بل وجودهم برمّته من المستعمرات، لأنّ وجودهم يعيق الأسلوب الأميركي الجديد المتطور في إدارة عمليات السلب والنهب، الذي يقوم على استعباد الأمم بوساطة هيئة الأمم وتفرعاتها، وبوساطة المصارف والقروض والمستشارين والاستخبارات، وأيضاً بوساطة الأوساط المحلية الرسمية وغير الرسمية التي يربطونها بهم بحبال لا تنفصم والتي تخدمهم أفضل من جيوشهم.
لقد سارت الأمور على هذا المنوال بنجاح حتى الأمس القريب، غير أنّ التطورات العالمية كمّاً ونوعاً، البشرية والمادية، بلغت مستوى لم يعد ممكناً معه استمرار الأوضاع على ما هي عليه بإدارة الأميركيين، حيث يهلك مئات الملايين من البشر كلّ عام بسبب الجوع والمرض في بلدان معدمة ترزح تحت ثقل ديون يبدو سدادها مستحيلاً، وحيث تتعرّض موارد الأرض الأساسية بمجملها لخطر النضوب والعجز عن تلبية احتياجات الناس الأولية الضرورية كمياه الشرب، بل يتعرّض كوكب الأرض لخطر الدمار الشامل، فأصبحت الأزمة المصيرية عامة شاملة تهدّد المظلومين والظالمين والفقراء والأثرياء وبلدان العالم جميعها دون استثناء، ويتحدّث عنها المفكّرون الأميركيون والأوروبيون والإسرائيليون مثلما يتحدّث عنها المفكّرون في البلدان المظلومة.
قبل خمسة قرون كان العالم يمتلك احتياطيات هائلة كامنة غير مكتشفة، قارات بأكملها مثل أميركا وأستراليا، وثروات عملاقة جبّارة ثورية كامنة وغير مكتشفة، مثل النفط والغاز، أمّا اليوم فلم يعد ثمة ما هو غير مكتشف وغير مطروح للتداول.
وقبل حوالي قرن من الزمان كانت الولايات المتحدة هي الاحتياطي الهائل، المادي والمعنوي والسياسي والعسكري، للعصر الأوروبي الأميركي الصهيوني ونظامه الربوي العالمي، أمّا اليوم فهي على ثرائها وجبروتها مدينة بمئات المليارات للدول الأخرى، ولم يعد ثمّة احتياطي آخر، فالإمبريالية الأميركية هي ذروة صعود هذا العصر التي لا صعود بعدها، والتي لا يليها سوى الانحدار.
ولذلك لم يعد من الجائز، خاصة بعد عملية احتلال العراق الفاشلة، الحديث عن الولايات المتحدة وحلفائها وأتباعها كما كان الحال قبل هذه العملية، فالأزمة التاريخية المصيرية التي اقتصرت على المظلومين حتى الأمس القريب تشمل اليوم الظالمين المفلسين فكرياً وسياسياً، وروحياً وأخلاقياً ومنطقياً، الذين أصبحوا عاجزين عن فرض إرادتهم لأنهم لم يعودوا على ثقة مسبقة من أنً النتائج سوف تكون في صالحهم، كما كان حالهم بالأمس، والذين صاروا يتعثّرون بقواهم المادية الحربية العملاقة الجبّارة، فتربكهم وتشلّ حركتهم وتستنزف قواهم بدلاً من العكس. نصر شمالي ns_shamali@yahoo.com