ما وراء الأسباب المعلنة لظاهرة القتل في السعودية

بقلم: محمد الشيوخ

غالب الظن أن شريحة واسعة من المجتمع السعودي تفتقر إلى الخيارات السلمية حين معالجتها لأبسط المشاكل اليومية التي تحدث. يتضح ذلك من خلال المعالجات المتكررة التي يلجأ لها البعض حين حدوث مشكلة ما لا يستدعي فيها منطق القوة، أو أي ممارسة عنفية حتى بمقدار الانفعال أو الإساءة اللفظية.
على سبيل المثال وليس الحصر، ما نلحظه وبشكل يومي تقريبا، من تصرف عدد غير قليل من سائقي المركبات السعوديين، وخصوصا من فئة الشباب، الذين لا يحسنون إلا استخدام لغة العنف، فيما بينهم بمجرد وقوع حادث سير أو تجاوز أحدهما الآخر بطريقة خاطئة، أو ما نسمعه من حالات قتل متزايدة في مدن المملكة ومحافظاتها بين من تربطهم علاقات أولية، وهي رابطة من العلاقات يفترض أن تكون لها حصانة وقدسية أكثر من غيرها، لا لشيء سوى لبروز بعض الخلافات الطفيفة أو التباينات في الآراء والمواقف، التي تحدث في وسط كل أشكال العلاقات البشرية.
لجوء نسبة كبيرة من أفراد المجتمع إلى المعالجات العنفية والوسائل الخطرة كخيار وحيد ونهائي لحل مشاكلهم اليومية، ينبئ بوجود خلل كبير في المنظومة الفكرية والثقافية والأخلاقية لهذا المجتمع. وهذه المنظومة بحاجة إلى إعادة صياغة أو معالجة جذرية كي لا تتفاقم نتائجها بصورة أكثر فظاعة مما هي عليه حاليا.
إقدام شاب جامعي عشريني على قتل أبيه طعنا بالسكين بسبب خلافات عائلية، بحسب نقل الصحف المحلية (وهي بالمناسبة حالة متكررة في المملكة وإن جاءت بصور مختلفة بعض الشيء) يفترض أن تثير هذه الواقعة ومثيلاتها الكثير من الأسئلة الجدية ذات الأبعاد المختلفة على المستويين الشعبي والرسمي لعلها تقودنا إلى وضع أيدينا على المسببات والمحركات الحقيقية التي تقف وراء هذه الجرائم. فهي تنبئ بعدم قدرة شريحة واسعة من أبناء المجتمع السعودي من ضبط انفعالاتهم والتحكم بسلوكياتهم، ما يؤدي بدوره إلى المزيد من حالات العنف والقتل في المملكة.
الظواهر الاجتماعية، ومن بينها ظاهرة القتل، لها تفسيران: الأول، ظاهري وهو التفسير السطحي للوقائع والذي يقف عند حدود المسببات البارزة والمعلنة ولا يتعداها غالبا.
والثاني، هو التفسير الباطني وهو الذي يكشف الدوافع المحركة للأسباب الظاهرة والمعلنة.
فعلى سبيل المثال، فحادثة القتل التي وقعت مؤخرا في مدينة سيهات بمحافظة القطيف، كانت نتيجة خلافات عائلية. الأب طلق والدة الابن، وباع منزل العائلة، حينها لجأ الابن لقتل أبيه طعنا بالسكين.
هذا تفسير ظاهري للحادثة. وهو تفسير قاصر بوقوفه عند هذا الحد من التعليل. الأسباب التي لم تشر لها الصحافة ونقلها بعض أصدقاء القاتل عبر بعض المواقع والمنتديات كانت من قبيل أن الأب كان يعامل إبنه معاملة قاسية عبر احتجازه وضربه وتوبيخه الدائم. الأسباب الأخيرة هي جزء من الأسباب الباطنة، بغض النظر عن صحتها، وهي عادة ما تعطي صورة أوضح عن الواقعة محل الدراسة والتحليل.
ما ينبغي التأكيد عليه هنا، أننا لسنا بصدد البحث في تفصيلات حادثة سيهات بعينها ومناقشة أسبابها المعلنة، وإنما مناقشة الأسباب التي تقف وراء حالات الانفعال السريع والشديد لدى شريحة واسعة من المجتمع السعودي، ما يؤدي بدوره إلى عدم القدرة على ضبط السلوك، ومن ثم اللجوء للعنف كخيار وحيد ونهائي حتى وأن أدى ذلك الى القتل.
في ظننا أن المجتمع السعودي، وهو جزء من عالمنا العربي والإسلامي، يعاني من مشاكل كثيرة ترتبط بعوامل عديدة ومتداخلة ومعقدة أيضا يتصل بعضها بالمنهج التربوي الخاطئ، وأخرى بطبيعة النظام السياسي، وأخرى مرتبط بالمنظومة الفكرية والثقافية.
هذه العوامل مجتمعة ساهمت، بشكل أو آخر، سلبا، في إضعاف قدرة شريحة واسعة عن ضبط سلوكها وانفعالاتها وأصبحت عاجزة عن البحث في خيارات سلمية لمعالجة مشاكلها اليومية، وجعلت منها أشبه بمادة سريعة الحساسية وشديدة الانفجار، ولأتفه الأسباب وابسطها أيضا.
ولكن هذا لا يعني أننا نبرر لتلك الشريحة سلوكياتها.
صحيح أنه لا توجد في المملكة حالات رصد أو إحصاءات دقيقة تبين كم هي مثلا نسبة المتشاجرين مع بعضهم البعض لأسباب تافهة والذي ينتهي عراكهم إلى ما لا تحمد عقباه غالبا، أو كم هي نسبة من لا يستطيعون التحكم في انفعالاتهم عند حدوث بعض المشاكل البسيطة أو التعرض لمواقف فيها نوع من الصعوبة، أو ما هو مستوى الانفعال والتطرف لدى تلك الشريحة. لكنها أي الشريحة المجتمعية، وكما يخيل لي، تمثل نسبة كبيرة جدا. ولا نبالغ أذا قلنا أنها تكاد أن تمثل ثلث المجتمع أو أكثر، وخصوصا من جيل الشباب.
يمكن قياس ما سبق على نتائج بعض الدراسات التي أجريت في المملكة عن مواضيع ذات صلة مباشرة بالمشكلة المشار إليها.
فمثلا الدراسة الميدانية التي أعدها الدكتور علي الزهراني بكلية الطب في جامعة الطائف، واستغرقت ثلاثة أشهر، كشفت أن 38.7 في المائة من الأطفال بالمملكة يتعرضون للإساءة إلى مشاعرهم من خلال أوصاف نابية مثل: غبي، وكسلان، وقبيح. وأوضحت الدراسة إن الآباء يحلون في المرتبة الأولى من حيث الإساءة إلى الأطفال، في حين يأتي في الأخوة الذكور الكبار في المرتبة الثانية، يليهما الأقارب، ثم الأمهات، وبعد ذلك المعلمون والزملاء.
وأشار الزهراني إلى أن أخطر ما يتعرض له الأطفال من جراء هذه الكلمات، هو الاضطرابات النفسية والتي تبقى مع الطفل حتى الكبر، والتي عادة ما يكون الآباء في غفلة عنها، ومنها انخفاض تقدير الذات والاندفاعية والعدوانية والقلق والاكتئاب.
ويرى الدكتور جمال سالم الطويرقي، استشاري الأطفال والمراهقين في مستشفى الحرس الوطني بالرياض، أن تكرار الألفاظ مثل: قبيح أو مغفل أو كسلان، يصيب الطفل بالإحباط، ويحيطه بعقد اجتماعية تجعله عازفا عن الاختلاط.
في حديث ثنائي مع زميل مختص بتدريس مادة علم النفس في أحدى جامعات المملكة عن انعكاسات ظاهرة سرعة وشدة الانفعال الذي يعيشها قطاع كبير وواسع من المجتمع السعودي، وأثرها على عدم قدرة الشخص في التحكم بسلوكه وانفعالاته، قال: إذا كان الشعب السعودي كذلك، فان الشعب المصري يعيش في حالة غليان، لهذا لا تكاد أن تجد شارعا أو زقاقا أو محلا تجاريا يخلوا من حالة عراك وشجار بين طرفين أو أكثر، وبشكل يومي، حتى كاد أن يكون تبادل الصراخ والشتائم أحد أهم سمات قطاع واسع من الشعب المصري.
ويرى الدكتور المصري أن السبب في ذلك مجمل ضغوط الحياة المتزايدة.
يبدو لي أن التضخم السكاني، قلة الموارد، وجود حالات متزايدة من الفقر، وقلة فرص العمل في أي مجتمع من المجتمعات، تؤثر سلبا على أفراد المجتمع باعتبارها جزءا من ضغوطات الحياة، ولكنها ليست شرطا أساسيا لان تفقد شريحة واسعة من أبناء المجتمع قدرتها على ضبط انفعالاتها، وبالتالي تلجأ لمعالجة مشاكلها اليومية بوسائل عنفية قاتلة، بدليل أن هناك شعوبا متضخمة سكانيا وتعاني من مشاكل اقتصادية كبيرة ولا تخلو من مظاهر الفقر، ولكنها في المقابل تتمتع بقدر عال من الهدوء وضبط الأعصاب والرقي في تعاملاتها.
ربما يعد الشعب الصيني واحدا من هذه النماذج، بحسب وصف ونقل أحد الزملاء الذي باشر عملية التدريس في أحدى جامعات الصين، حيث كان يتحدث عن صفات هذا المجتمع بذهول لما يتمتع به من هدوء وضبط للأعصاب وطيبة قلة نظيرها بين بني البشر.
من هذا نستنتج بان الضغوط الاقتصادية والظروف المعيشية السيئة وحدها لا تفرز مجتمعا متهورا فاقدا لأعصابه، ولكن السياسات التعليمية والمنظومة الفكرية والاجتماعية وطبيعة النظم السياسية القائمة التي تتضمن إساءات واستفزازات وإهانات لإفراد المجتمع سواء بقصد أو بدون قصد، هي التي تنتج أفرادا متهورين ومتطرفين ونرجسيين وانفعاليين فوق الحد. وتتضاعف المشكلة أكثر حينما يرافق كل ذلك المزيد من الضغوط الاقتصادية والظروف المعيشية السيئة.
ومن غير المستبعد أن الكثير من الجرائم التي تحدث في مجتمعاتنا العربية قاطبة ترجع في جذورها إلى تلك الأسباب المغفل عنها. وهي الأسباب التي ينبغي استحضارها حين يجري الحديث عن الظواهر الاجتماعية ذات الطبيعة العنفية المأساوية، ليكون تفسيرنا واقعيا أو أقرب للواقع، وبالتالي لتكون معالجاتنا جذرية وناجعة أيضا.
محمد الشيوخ، باحث سعودي m_shayook@hotmail.com