سولجنيتسن وأميركا و18 عاما من 'سوء الفهم'

الغرب يفتقد الشجاعة

واشنطن - غادر الكسندر سولجنيتسن الذي توفي الاحد عن 89 عاما غابات فرمونت في الولايات المتحدة في ايار/مايو 1994 ليعود الى بلاده روسيا تاركا خلفه بلدا آواه 18 عاما بدون ان يفهمه حقا وبدون ان يسعى فعلا هو نفسه لفهمه.
وسرعان ما ظهر التنافر بين الاميركيين الفخورين بديموقراطية يعتبرونها قدوة للعالم باسره، وكاتب "ارخبيل الغولاغ".
وظهر الخلاف الى العلن في الثامن من حزيران/يونيو 1978 بعد سنتين على انتقال سولجنيتسن من سويسرا الى قرية كافنديش الصغيرة البالغ عدد سكانها 1300 نسمة في شمال شرق الولايات المتحدة.
ففي ذاك اليوم أبى الكاتب الناجي من معسكرات الاعتقال الستالينية ان يشيد بالديموقراطية الاميركية امام طلاب جامعة هارفرد المرموقة بل وجه اليهم انتقادات لاذعة قائلا "لا، لا يسعني ان اوصي بمجتمعكم بوضعه الحالي كمثال اعلى لتحول مجتمعنا".
ووزع انتقاداته شرقا وغربا موازيا بين "طغيان الحزب في الشرق" و"طغيان التجارة في الغرب" وندد بـ"فقدان الشجاعة" في الغرب.
كما دافع عن صوابية حرب فيتنام معتبرا ان "الطبقة المثقفة الاميركية فقدت اعصابها" وانتقد الصحافة فوصفها بانها "الموقع الذي تتجلى فيه تلك العجلة وتلك السطحية اللتين تشكلان المرض العقلي الملازم للقرن العشرين".
وبات سولجنيتسن مصدر ارباك للجميع ولا سيما البيت الابيض الذي لم يستقبله مرة. وفي وقت كانت الدبلوماسية الاميركية تعطي الاولوية للتوصل الى اتفاقات مع الاتحاد السوفياتي لضبط الاسلحة، كان سولجنيتسن من جهته يحذر من مخاطر "الانفراج" مع نظام يعتبره مجرما.
وفي 1975 اوصى وزير الخارجية هنري كيسنجر الرئيس جيرالد فورد بعدم استقبال الكاتب لتجنب "اثارة استياء السوفيات".
ومع قدوم رونالد ريغان الى البيت الابيض "تبدل الموقف الرسمي" حيال سولجنيتسن كما اوضح بنفسه في مقابلة اجرتها معه شبكة سي بي اس. وفي ايار/مايو 1982 دعا الرئيس الجديد المندد بـ"امبراطورية الشر" الكاتب الى مأدبة غداء لكن الاخير اعتذر عن الحضور.
واوضح الكاتب خلال المقابلة مع سي بي اس انه "على استعداد للخوض في حديث معمق" مع ريغان لكن "لا وقت لدي للقيام باشارات رمزية".
وحين سئلت زوجته ناتاليا سولجنيتسن في مجلة نيويوركر ان كان زوجها سيلقي كلمة قبل عودته الى روسيا في ايار/مايو 1994 اجابت "من سيطلب منه الكلام في اميركا؟ من يريد الاستماع اليه في اميركا؟"
غير ان الكاتب قال في مقابلة نشرتها نيويوركر في شباط/فبراير 1994 "ان السنوات الـ18 التي امضيتها في فرمونت كانت الاكثر سعادة في حياتي بالنسبة لعملي. كانت الفترة الاكثر ثراء في عملي الابداعي".
غير انه لم يكن مقيما في اميركا بقدر ما كان مقيما في "قطعة من روسيا" وجدها في تلك القرية في فرمونت. وان كان سولجنيتسن يقرأ الانكليزية، الا انه بالكاد يتكلمها. وقال للمجلة "انني غارق باستمرار في اللغة الروسية" واضاف مشيرا الى مشهد التلال المكسوة بالثلج "لدينا فعلا قطعة من روسيا هنا".
وكان الكاتب يقر بانه لم يبذل جهودا كبيرة لملاقاة اميركا وقال للمجلة "اعتقد انه كان بوسعي ابداء بعض الود بين الحين والاخر للغرب" موضحا ان "المشكلة الوحيدة هي ان ذلك كان يتطلب مني التخلي عن نمط عيشي وعن عملي".
والواقع ان سولجنيتسن فكر في فترة ما في اكتساب الجنسية الاميركية وفي 1985 قدم طلبا رسميا بهذا الصدد لكن عند حلول الموعد المحدد، وحدها زوجته ناتاليا ادت اليمين واصبحت اميركية. اما الكسندر سولجنيتسن، فكان في ذاك اليوم "متوعكا".