تراجع الدور السعودي واستباحة المشرق العربي

بقلم: عبد الخالق ياسين

استثارني مقال لكاتب اسمه "محمد العراقي" بعنوان "تآكل الدور السعودي في الشرق الأوسط" في وقت تأتي فيه التطورات في العراق ولبنان والخليج، لتقدم انطباعات سلبية وخطيرة عن الرؤية السعودية لما يحدث على مسرح الشرق الأوسط.
ففي العراق واجه العراقيون على اختلاف انتماءاتهم مآسي كبيرة نتيجة التغلغل الإيراني المفضوح في الشأن العراقي من الشمال إلى الجنوب، دون أنْ يتحرك الحكم السعودي لتصحيح الخلل الذي شهدته الساحة العراقية المجاورة منذ أكثر من خمس سنوات.
إنّ بعضاً مما يجري في العراق يمس الأمن الوطني السعودي في الصميم، دون أنْ تظهر ردود فعل مناسبة من قبل الجانب السعودي. ويمكن الإشارة إلى المحاولات المكشوفة من قبل مؤيدي طهران لاقتطاع جزء من محافظة الأنبار وإلحاقها بمحافظة كربلاء لكي تكون الحدود العراقية ـ السعودية تحت سيطرة حلفاء إيران.
ألا تشعر الأوساط السعودية بخطورة ما يجري بناؤه من هيكليات طائفية سرية لإثارة شيعة السعودية؟ ففيلق القدس التابع لحرس الثورة الإيراني موجود في جميع المحافظات المحاذية للسعودية لإغواء قصيري النظر منهم بأنّ قوات ولاية الفقيه قد تجاوزت حدود العراق وهي تقف على حدود المملكة لدعم الذين يثورون على الحكم في السعودية.
والشيء المحزن هو طبيعة الرد السعودي على محاولات التسلسل عبر الحدود بإنشاء سياج مكهرب يمتد لأكثر من 700 كيلومترا، ونحن نعيش في عصر العولمة التي شهدت تحطم الحدود، بعد ظهور استحالة حصر حركة الأفكار والأفراد داخل حدود معينة، فهل يعيدنا السعوديون إلى القرن التاسع عشر، وهل من الحكمة أنْ ينـزوي الجبروت السعودي خلف الحدود، وخلف وهم الحماية الألكترونية. ألا يقرأ حكام السعودية التاريخ؟ ألا يعي مستشاروهم دروس التاريخ؟ هل تستطيع الأسيجة الأسمنتية أو المكهربة أنْ تمنع انتقال الأفكار والعقائد والنزعات الهدامة. أي هدر لموارد الأمة! أي قصور في الفكر والتوجه! أي ضحالة هذه التي يفكر بها هؤلاء الحكام!
ليتذكر صناع القرار السعودي، بأنّ قسماً كبيراً من أهل العراق وخصوصاً من أبناء العشائر العربية، وفي مقدمتهم سنّة العراق، متهمون بأنهم يحمون المصالح السعودية، وأنهم عملاء للسعودية، وهم ليسوا كذلك. وهم في حقيقة الأمر، يدافعون عن مصالحهم وانتماءاتهم الدينية والوطنية والقومية واعتزازهم بامتداداتهم الأخوية العربية والإسلامية مع دول الجوار. وربما لا يتسع المجال هنا للخوض في تفاصيل الجهود المضنية التي بذلها وجهاء العشائر الشيعية العربية في وسط وجنوب العراق، والزيارات التي قامت بها وفودهم للدول العربية تشرح فيها معاناتها للأشقاء العرب. ولكن لا مجيب.
وبالرغم من كل ما تقدم. لم يقدم السعوديون للمرابطين من أهل العراق ما يساعدهم في مواجهة الهجمة الطائفية الشرسة العابرة لحدودهم الشرقية، والتي تمت تحت سمع ونظر حلفائهم من قوات الاحتلال الأميركي ـ البريطاني، حيث جرت أنهار الدم الحرام في شوارع ومساجد ومنازل مختلف المدن العراقية، بعد أنْ تم ذبح مئات الآلاف من الأبرياء، واستبيحت الحرمات، وهدمت المساجد، وهُجّر الملايين من الأبرياء دون أنْ يرف لهم جفن.
الوطنيون العراقيون على اختلاف انتماءاتهم يتساءلون بألم: هل تحول الأسد السعودي إلى فأر يختبئ في جحور صحاري الجزيرة العربية أو في الربع الخالي؟ هل يليق هذا التقهقر بالتاريخ السعودي والدور الإقليمي المحوري للسعودية؟ مجرد سؤال بحاجة إلى ردود فعلية عاجلة.
رحم الله الملك فيصل آل سعود. رحم الله السلف. كم ضيّع من بعده الخلف؟ عبد الخالق ياسين، باحث في الشؤون السعودية