قاعدة الهرم الإقتصادي

بقلم: د.إيمان بيبرس

اعتاد الكثيرون مني أن أتناول في مقالاتي القضايا المختلفة التي تفرض نفسها على الساحة ولاسيما المسائل التي تتعلق بالمجتمع بشكل مباشر، ولكن هذه المرة أتعرض لمسألة اقتصادية بحتة. ويرجع هذا إلى أن الموضوع الذي أتناوله اليوم أمر جدير بالدراسة والاهتمام، حيث أنه سوف يعود بالنفع على الشركات المنتجة الكبرى من ناحية، كما يعود بالفائدة على المستهلكين من ناحية أخرى، وخاصة الفقراء منهم وهي الفئة التي يطلق عليها رجال الاقتصاد اسم "قاعدة الهرم".
وتتكون قاعدة الهرم الاقتصادي من أربعة بلايين شخص، يشكلون ما يقرب من ثلثي سكان العالم، وهو الأمر الذي يعني أن الوصول إليهم ليس صعبا. وتشير الدراسات الاقتصادية أن لسوق الهرم طبيعتها وخصائصها المميزة ومنها أن هناك فرصة لجني المال في قاعدة الهرم، فالصين والهند والبرازيل والمكسيك وروسيا وإندونيسيا وتركيا وجنوب أفريقيا وتايلاند تملك ناتجا محليا مقداره 12.5 تريليون دولار، وهو ما يفوق إجمالي الناتج المحلي لليابان وألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا مجتمعة، أي أنها تشكل سوقا لا ينبغي تجاهلها.
ولتوضيح كيفية الاستثمار مع الفقراء، وبعيدا عن المصطلحات الاقتصادية الجافة، سأبدأ بمثال بسيط، حيث وجدت إحدى الشركات الكبرى المنتجة للشامبو أنه ليس هناك إقبال كبير على منتجهم من عبوات الشامبو كبيرة الحجم والتي يبلغ سعرها أربعين جنيها، وهنا فكر مسؤولو التسويق في طريقة لجذب الفقراء لهذه السوق باعتبارهم فئة اقتصادية هامة وكبيرة العدد، حيث قامت الشركة بإنتاج عبوات صغيرة من الشامبو بسعر العبوة جنيه واحد، وما كان من هذه الشركة إلا أن وجدت إقبالا كبيرا من المستهلكين، كما اتسعت دائرة مستهلكيها لتشمل فئة جديدة لم تكن مدرجة من قبل في قائمة عملائها.
وهذه التجربة تم تطبيقها أيضا مع السلع الاستراتيجية مثل الأسمنت والذي لاحظنا في الفترة الأخيرة، أنه يتم عادة اتهام منتجي الأسمنت بالاحتكار والتربح الكبير، لكن إذا ما نظرنا إلى حقيقة الأمر، نجد أن هذه السلعة تمر بمراحل كثيرة حتى تصل إلى يد المستهلك، بدءا من تاجر الجملة والموزع إلى تاجر التجزئة، وكل طرف من هذه الأطراف، يحصل على هامش ربح، مما يرفع في النهاية سعر السلعة لدى وصولها إلى المستهلك.
وفي محاولة للتغلب على هذه المشكلة، قامت مؤسسة "أشوكا" الدولية بإقناع شركة صناعية كبرى لإنتاج الأسمنت في المكسيك، بابتكار طريقة جديدة للدخول إلى سوق الفقراء أو كما يسميه رجال الاقتصاد سوق قاعدة الهرم، حيث قامت الشركة من ناحية بإنتاج عبوات صغيرة من الأسمنت. ومن ناحية أخرى، قامت الشركة بالتعاون مع المنظمات الأهلية في الدولة حتى قامت ببيع هذا المنتج بشكل مباشر ودون وسيط.
وكانت نتائج هذه التجربة مثمرة للغاية، حيث انخفض سعر الأسمنت حيث أنه لم يمر بعدد من الوسطاء كالموزعين وتجار الجملة وتجار التجزئة، مما جعل سعره في النهاية في متناول الجميع.
ونستخلص من هذه التجارب أنه لا يجب الاستهانة بسوق قاعدة الهرم، حيث يمكن تحقيق الكثير من المكاسب من خلال هذه السوق، كما سيعود ذلك بالنفع على المستوى المعيشي للفقراء. وأنتهز هذه الفرصة، لدعوة الشركات الكبرى والمنتجين لمخاطبة المستهلكين بطريقة مختلفة، مثل عرض السلع بأحجام صغيرة وأسعار مناسبة، وعرض العبوات التي تستخدم لمرة واحدة، وكذلك البيع بالتقسيط.
كما أدعو إلى قيام شراكة بين الشركات المنتجة الكبرى للسلع المختلفة والقطاع الأهلي، حيث يمكنه توصيل المنتجات إلى المستهلكين بسعر البيع الأصلي، أو على الأقل يطلع هذه الفئة على الأسعار الحقيقية للمنتجات، حتى لا يتعرضون للاستغلال. كما أدعو هذه الشركات إلى إجراء تغييرات في نظمها وعملياتها الداخلية لاكتساب الفرص في هذه الأسواق، حيث أنها أسواق كبيرة وجذابة في نفس الوقت.
د.إيمان بيبرس، رئيسة مجلس إدارة جمعية نهوض وتنمية المرأة، الخبيرة الإقليمية بقضايا النوع والتنمية