فرادة الواقع العربي والواقعية الفريدة لكوندليزا رايس

بقلم: د.علاء الدين شماع

الرأسمالية الغربية في منحاها الليبرالي الجديد، ومن خلال بعديها السياسي والاقتصادي، فرضت أنموذجاً عولمياً فجاً غير قابل للازدراد والتمثل عند كثير من الأمم والشعوب، وهي تقوم في أساسها على المصالح السَيالة باتجاه واحد، إلى الغرب القوي، ما اقتضاها بالإلزام فلسفة للقوة، أفرزت نهاية للتاريخ وفق هوى وتصور مجموعة من الساسة اللاهوتيين "المحافظين الجدد".
فأمام تهاوي مفاهيم الحداثة الغربية وقيم العولمة التي تحاول تنميط الثقافات والسلوكيات، كانت "الواقعية الفريدة" هو المصطلح الذي استخدمته وزير الخارجية ألاميركية كوندليزا رايس في تبرير هذا التهاوي وهي تصف إصرار إدارة الرئيس جورج بوش على دمج مشروع نشر الديمقراطية ورعاية حقوق الإنسان كمكون أساس للسياسة الخارجية الأميركية، وبالتالي تسويغ تلك السياسة، ومن ثم تهيبها من الإقرار بفشل مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي بشرت به إبان حرب تموز/يوليو 2006.
إن مفهوم الديمقراطية عند بوش في الشرق الأوسط على الأخص، انعكس في واقع الأمر، من خلال العمل على نشر ديمقراطيات كاذبة وتكريس حكم الدكتاتوريات الموالية مع غض الطرف عنها إلى حين، والاستعمال المفرط للقوة بحق من لا يمتثل، وهو التجسيد العملي لمبدأ "من ليس معنا فهو ضدنا" وبالتالي القولبة الأيديولوجية الذكية لفكرة الحروب الاستباقية على الإرهاب، من خلال الكذب تجاه الداخل والخارج الأميركي على حد سواء. وهذا ما حصل في تبرير الحرب على العراق وما يحصل في الصومال وما يمكن أن يحصل من صوملة للسودان، ولكن هذه المرة بوساطة مؤسسات المجتمع الدولي، مثل المحكمة الجنائية الدولية.
ذلك أن فشل تكريس الوصاية الأميركية على العالم باعتبارها القطب الأوحد القادر على إدارة شؤونه، بات ملموساَ منذ أوائل هذا العام، ولعله في رصد مسار الملفات الساخنة في منطقتنا وحقيقة الربح والخسارة للسياسة الأميركية فيها، ما يمكننا من تلمس ملمحين مهمين لهذا الفشل، وهو تقاعس أميركا في الدفاع عن حلفائها، وإحباطها في مواجهة التطرف الإسلامي، خاصة الحركات الراديكالية المقاومة.
إن "إعادة التفكير في المصلحة القومية من خلال واقعية أميركية جديدة لعالم جديد" عنوان مقال رايس في فصلية "شؤون خارجية" عدد تموز/يوليو 2008 لا يخلق حافزاً لرئيس أميركي منتظر والذي تأمله أن يكون جمهورياً وحسب، وإنما تستبطن في ثنايا مقالها أملاً مفعماً في تدارك الفشل وتقديم النصح للرئيس الأميركي القادم، والذي فاتها إدراكه وهي ترسم خطوط السياسة الأميركية الخارجية، حيث أنها تكشف أن العمل على دمقرطة المنطقة يخدم المصالح الأميركية أكثر بكثير من دعم الأنظمة المستبدة! وهو ما يؤشر حتما، إلى نوع آخر من الديمقراطيات التي عملت على تسويقها وأثبتت عدم جدواها.
لم تكن الساركوزية في تطلعاتها إلى الاتحاد من أجل المتوسط بأحسن حال، وهي تنطلق من الضرورة بمكان ضبط فراغ وتخلخلات فشل الإستراتيجية الأميركية، ولكن هذه المرة في إطار إقليمي تلعب فيه أوروبا العجوز دوراً أساس. حيث أتى الطموح الجامح للرئيس الفرنسي صيغة تجزيئية لمثال أميركي في حصد الفشل، وهو يكمل أدواره ويسد ثغرة مجازفاته، وليس من المهم لشعوب المنطقة، العربية منها بشكل خاص، إن كان هذا الاتحاد شكلاً تكميليا أو أنه يحمل معنى تنسيقياً في الأدوار بين المتوسط والأطلسي، لأن بذرة فشله تلازمه منذ انطلاقته، وهو إن أتى على خلفية التفاهم التام بين أعضائه الأوروبيين وضمن مؤسسات تسيرها قواعد وضوابط، فانه أتى من الجانب العربي على أساس أهواء حكامه المطلين على المتوسط.
واذا كانت الواقعية الفريدة تمثل وقفة مع الذات وجردة حساب لفشل مستقر في ذهنية كونداليزا رايس وهي تستقرئ حصاد سياسة إدارتها الشرق أوسطية، فانه من المستغرب بمكان أن نلحظ في الجانب العربي ما يمكن أن نسميه فرادة واقعية النظام الرسمي العربي، ذلك أنه أمام هذا الظرف الدولي السانح لتقارب عربي ييسر أمر الالتقاء على حد أدنى من التصورات التي يمكن أن تخدم القضايا العربية، نرى نفوراَ مستحكماً، خاصة بين أقطاب الأوزان الفاعلة على الساحة العربية (السعودية سوريا ومصر).
ان هذه الفرادة الواقعية في سماجتها، عملت على خلق انزياحات في ثوابت مدعاة، وليس أدل على هذا، من تتبع ذلك التحول، في مواقف تلك الأطراف إن كان في صفتها المعتدلة أو الممانعة، وهي أوصاف لازمتها إلى حين وعن طيب خاطر أقطاب حكمها. وهو ما يفرض خلق تصانيف أخرى تمكننا من الإشارة إليها، وهي: عرب أميركي وعرب فرنسي وعرب ثالث ِمنسي، فإذا كان للأول مغادرة اعتداله وانغماسه في التطبيع، فان الثاني أضحى حالة من الممايعة أو قل حالة سائلة، والخوف كل الخوف على ذلك العربي المنسي، والذي نجده في مثال السودان والصومال واليمن. وذنب هؤلاء انكشافهم الجغرافي في عدم إطلالتهم على خليج عربي أو بحر متوسطي يلملم عورهم ويقيهم غائلة الفتنة وشر المحاكم الدولية. د.علاء الدين الشماع yarubi11@yahoo.com