كركوك راية العراق ورمز لوحدة أرضه وشعبه

بقلم: أمير المفرجي

كانت قضية التصويت على قانون انتخابات مجالس المحافظات وما أسفرت عنه من نتائج، عاملا مهما فضح وكشف حقيقة تطلعات الأنفصاليين الكرد المطالبين بضم مدينة كركوك العراقية إلى حكومتهم الانفصالية المرتبطة بدوائر الغرب الإمبريالية والصهيونية. هذه الدوائر التي كان لها الدور في توظيف الانقسامات الطائفيّة والمذهبيّة لهذه المدينة بصورة خاصة، والعراق بصورة عامة، عن طريق مؤامرة تغيير خارطة الوطن من الداخل. لأن عراق ما بعد الاحتلال بدولته الجديدة يتم بناؤه من منطق التفتيت واللامركزية. ولا زال الاحتلال يصر على إعطاء المناطق صلاحيات طائفية وعرقية. وهكذا أصبحت مدن الشمال مركزاَ للبيشمركة الكردية، وذلك حسب فكرة المركزية الإدارية لكل قبيلة وطائفة وحقها في التمتع بفوضى الاحتلال وغياب الاداره المركزية المسؤولة عن وحده العراق أرضا وعلما ودولة وشعبا .
ولم تكن قضية التصويت هذه وما سيترتب عليه من نتائج خطيرة، مفاجأة لكل ذي بصيرة بعد أن أبدل الاحتلال بقوة وجوده، الانتماء والولاء للوطن بمبدأ المحاصصة الطائفي والعرقي، وتم وضع الحكومة العراقية "المنتخبة" بديموقراطية القوة العسكرية وفي ظل الدبابة والسلاح الأميركي وتم الإعلان زورا عن ولادة بوادر الوحدة ألوطنيه بميلاد "البرلمان العراقي". وبمعنى آخر إيجاد طريقة مصطنعة أساسها المحاصصة لتكوين سمات وحدة وطنية أقرب الى الخيال منها الى الحقيقة. هذه المصالح الطائفية تُترجم اليوم بتصريحات البارزاني والطالباني الانفصالية الرافضة للولاء للوطن والتمسك بعراقية مدينة كركوك التاريخية.
لم يعد خافيا على أحد بأن قيام دولة كردية مستقلة هو أحد أجزاء المخطط الإمبريالي، ويعتمد على استطاعة البارزاني والطالباني من السيطرة على كركوك وحقولها النفطية والغازية.
إن إنزال العلم العراقي من المباني في الشمال لم يكن عملا اعتباطيا حيث اُنيط للسيدين البارزاني والطالباني، حلفاء الظرف الأميركي برغم العداوة القديمة، مهمة ضم مدينه كركوك والبدء بالتنقيب عن النفط في المناطق الأخرى من شمال الوطن، بالاضافة إلى "تنظيفها" عنصريا من الأقوام العراقية الأخرى كالعرب والتركمان، وهو مما يغيظ العرب والتركمان العراقيين، فضلا عن تركيا.
لا أحد ينكر الوجود الكردي في هذه المدينة ولكن من غير المعقول عدم إعطاء الأهمية لتركمان العراق وتهميش نسبتهم التي هي الاغلبية. لا أحد ينكر انه بعد رفض الملا البرزاني الأب الاعتراف بعراقية كركوك ان رد فعل الحكومة العراقية إتسم بتهجير بعض الكرد وجلب المزارعين من الجنوب. ولا أحد ينكر أهمية إعطاء الخصوصية لحكم ذاتي للشعب الكردي ولكن ليس على حساب العراق وحقوق العراقيين من عرب وتركمان وما يملكونه بإسم الوطن، من ثروات نفطية في كركوك، لأن العراق، علما ودولة، أغلى بكثير من النفط.
ولكن النية الكردية الانفصالية للسطو والهيمنة على هذه المدينة قد تدفع بالمزيد من الويلات للعراق وشعبه خصوصا من بعض الدول الطامعة تاريخيا كتركيا عن طريق التدخل في شوؤن العراق الداخلية بحجة الدفاع عن مصالحها القديمة التي أكل عليها الدهر وشرب، تحت غطاء "حماية التركمان من الهيمنة الكردية" كما تفعله اليوم إيران بوجودها وجرائمها في بغداد ومدن الجنوب العراقية. أن توقعات قيام تركيا في تدخل عسكري لحماية التركمان من السطوة والهيمنة الكردية بتجهيز الأحزاب التركمانية بمعدات وأسلحة تمكنها من مواجهة اية تحركات كردية والقيام بإنزال مظلي في كركوك لاستعادة السيطرة على المدينة وطرد المليشيات الكردية هو شيء وارد ولكن لا يمكن قبوله ووجب اعتباره جريمة واحتلالا ثالثا تتحمل نتائجه القيادات الانفصالية الكردية.
إن حالة العراق الاستثنائية وضعفه الحالي في هذا الظرف الحرج من تاريخه الحديث تجعله يبدو واقعا في جوار دولتين مسلمتين (إيران وتركيا) تمارسان سياسات قومية ومطامع احتلالية أمبراطورية. الأولى تدافع عن التاريخ الفارسي (الصفوي)، والثانية تتصل بتاريخ الإمبراطورية العثمانية. وسجلات هيمنتها المعروفة في التاريخ قد تكون العامل الخطير في اندثار العراق وإختفاء دوره المهم في منطقة الشرق الأوسط على المدى القريب والمتوسط.
لا فرق بين إيران وتركيا وأميريكا إذ دنس جنود هذه الدول أرض العراق. لم يكن الشعب العراقي راضياً بالاستعمار الاميركي والإيراني خصوصا بعد كشف حقيقة الدور الإيراني في العراق ومشروع تقاسمه وموازنته للنفوذ الأميركي لهذ البلد، وبرغم محاولة حكام قم وطهران من تغليف وجودهم بجلباب الدين الإسلامي والعمائم السوداء. في نفس الوقت سوف لن يكون الشعب العراقي راضيا باحتلال تركي ثالث بعد الاحتلالين (الاميركي ـ الايراني) لكركوك المدينة العراقية بحجة الدفاع عن تركمان العراق. إن بقاء وتزايد التوترات العرقية بين العراقيين عربا وتركمانا وكردا هو ما لا يتمناه كل الوطنيين والشرفاء، أيا كان موقعهم ومكانتهم على الأرض العراقية. إن كركوك هي بحد ذاتها راية العراق العالية بكردها وعربها وتركمانها ويجب الدفاع عنها ضد كل المطامع الاجنبية والمحافظة عليها بروح وطنية وإنسانية لا تمس قيد شعره عراقية العراق ووحدة شعبه. أمير المفرجي