الدعوة السلفية.. تغيير حقيقي أم مظاهر خادعة؟

بقلم: إسلام عبد التواب

شهدت الدعوة السلفية في مصر خلال السنوات الثلاث الأخيرة زخمًا شديدًا، وحِراكًا واسعًا لم يحدث لها منذ بداياتها في المجتمع المصري على أيدي جماعة أنصار السنة في نهاية الثلث الأول من القرن العشرين، وقد ظلَّت تلك الدعوة نخبوية الطابع، ومنحصرة في إطار المشايخ السلفيين وتلاميذهم الذين يتلقون دروسهم في المساجد الخاصة بهم، حتى بدأ المجتمع يتعرف عليهم خلال السنوات القلائل الماضية كما ذكرنا.
ويعود هذا الزخم – كما يرى الكثيرون - إلى انتشار الفضائيات الخاصة، وبزوغ الفضائيات سلفية الاتجاه كقناة الناس وباقة القنوات التابعة لها كالبركة والخليجية، أو التي يرأسها شيوخ من المحسوبين كرموز للتيار السلفي من أمثال الشيخ محمد حسان وقناة الرحمة، والشيخ أببي إسحاق الحويني وقناة الحكمة، وغيرهما.
كما يعود ذلك الظهور – في رأي البعض الآخر – إلى تغاضي الدولة والأجهزة الأمنية فيها خاصة عن النشاط السلفي، بل وتشجيعه لمواجهة النشاط الإخواني، في حين تمنع بروز أية فضائية للإخوان. وكلا السببين أراه صحيحًا.
وقد استطاع التيار السلفي أن يتمدد في سلوكيات بعض فئات الشعب المصري من خلال عدة مظاهر يعتبرها أنصار هذا التيار أساسية كالنقاب واللحية.
ولكن يبرز سؤال مهم لمن يريد دراسة التيار السلفي، أو الدعوة السلفية كما يسميها المنتسبون إليها، وهذا السؤال هو: هل استطاعت الدعوة السلفية ورموزها من العلماء والوعاظ أن يغيروا في سلوكيات المجتمع المصري تغييرًا يمتد إلى القيم والاختيارات الحياتية الخاصة؟
وهل يُعتَبَر الخيار السلفي هو الحل بالنسبة للشعب المصري للخروج من أزماته؟
وهل حب الكثيرين من فئات الشعب لمشاهدة القنوات السلفية، ومتابعة شيوخ السلفية يعني انحيازهم للفهم السلفي للإسلام في مواجهة الأفهام الأخرى؟
بداية، وقبل الإجابة عن الأسئلة الماضية لابد من الإقرار بأن طبيعة الدعوة السلفية منذ نشأتها وحتى الآن طبيعة فقهية نخبوية، على عكس الظاهر، ورغم نفي السلفيين قاطبة، شيوخًا وتلاميذ، لفكرة التنظيم القائم على الانتقاء من أساسها، إلا أن طبيعة ممارسات هذا الاتجاه نخبوية؛ فهي تنتقي من الناس، ولا تنزل إليهم، ويتعصب شيوخها وأتباعها لاختياراتهم الفقهية؛ وتعتبر فهمها هو الفهم الصحيح للإسلام دون أدنى مساحة للاعتراف للأفهام الأخرى بقدر من الصحة، ودون تقدير للاجتهادات المعاصرة، بل هناك الإنكار الدائم والمستمر لكل ما يخالف فهمها للإسلام، تحت مسمى البدعة؛ ومن هنا دخلت الدعوة السلفية في صدامات وعداوات شديدة مع كافة التيارات والجماعات الإسلامية.
فإذا أتينا إلى الإجابة على الأسئلة السابقة وجدنا أن الإجابة بالنفي هي الأقرب إلى الصواب والصدق في الحالة المصرية؛ فالواقع يشهد أن عادات وتقاليد المجتمع فالأمور الخاصة بحياته بعيدة كل البعد عن قواعد المنهج السلفي، وعن المنهج الإسلامي بكل اتجاهاته عامة؛ ونستطيع أن نأخذ تقاليد الزواج، ومراحله نموذجًا واضحًا لذلك؛ بحكم أن الزواج أمر مصيري تنهار أمامه كل الأقنعة والادعاءات؛ فيمكنك الحكم على التزام الشاب والفتاة وأولياء الأمور من خلال أسلوب تفكيرهم في هذا الأمر، مهما كان ما يدَّعونه من التزام نظري بقواعد الإسلام في اختيار الزوج والزوجة التي وردت في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم من قَبيل "فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ"، و"إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ".
فتقاليد الزواج مثلاً لم تراوح مكانها، وما زالت الصعوبات المادية الخاصة بالزواج تحيط بالشباب والفتيات دون محاولة للتيسير سواء من الفتيات الراغبات في الزواج والمتأخرات عنه، أو من أولياء أمورهنَّ، وأكثر من ذلك أنه ظهر بين الشباب الملتزم، والذي يتبنى المنهج السلفي اتجاه للبحث عن الزوجة الجميلة الفاتنة المشابهة لمغنيات الفضائيات، دون التعويل على التدين كثيرًا في واقع الأمر، وقد لمست ذلك بنفسي من خلال إدارتي لأحد مكاتب التزويج.
كما أن اتجاه الفتيات الملتزمات بالمنهج السلفي وأولياء الأمور السلفيين كذلك أصبح يشابه ويماثل – في كثير من الأحيان – اختيار الفتيات غير الملتزمات لزوج المستقبل؛ حيث تعلو قيمة المال كعامل أساسي وحاكم في اختيار ذلك الزوج؛ بحيث يتم تفضيل الثري قليل الدين على المتدين قليل المال.
كما أنه من نافلة القول أن تعدد الزوجات ما زال نادرًا في مصر،و محل رفض من النساء عامة، والملتزمات أيضًا إلا الندرة الشديدة؛ وذلك رغم دعوة شيوخ السلفية إلى التعدد على شاشات الفضائيات ليل نهار.
لماذا ضَعُف التأثير السلفي؟
ويمكننا قياس ضعف التأثير السلفي في أخلاقيات المجتمع واختياراته في أمور شتى، بعيدًا عن بعض المظاهر التي لا تعبر عن الحقيقة؛ كاللحية والنقاب، إلا أن أهم ما يشغلنا في هذا المقال هو البحث عن أساب ذلك الضعف غير المتوقع رغم طول فترة وجود السلفية في مصر، ورغم اتساع المنافذ الإعلامية أمامها، وندرة التضييق الأمني عليها، بل الترحيب الأمني بها في كثير من الأحيان، وأهم ما نرى من أسباب لذلك الضعف ما يلي:
أولاً: جزئية الدعوة السلفية وعدم شمولها:
لا نستطيع اعتبار المنهج السلفي كما يعرضه أصحابه منهج حياة شامل؛ إذ إنه مرتبط منذ زمن بعيد بجزئية واحدة هي دراسة العلوم الشرعية، وخاصة الفقه وحده، ومن ثَمَّ نجد مشايخ هذا الاتجاه على قنوات الفضائيات لا يتحدثون إلا في مسائل لحلال والحرام من خلال الفتاوى، أو دراسة علوم الحديث، أو الوعظ وهو الغالب عليهم، ولا يمكننا أن نقدِّم شخصية واحدة كرمز يدعو لأسلوب حياة قائم على قواعد وأسس ممنهجة؛ ولذا قلَّ عدد الأتباع والمناصِرون؛ إذ الناس مختلفو الأهواء والمشارب يحب كل منهم أن يجد بغيته في الاتجاه الذي سينضم إليه ويعمل للإسلام من خلاله؛ فإن لم يكن من أهل التخصص في العلوم الشرعية؛ فلن يكون من أنصار الدعوة السلفية.
فعلى السلفيين أن يهتموا بجميع جوانب الإسلام، وعليهم أن يدفعوا فاتورة ذلك من تضييق، وإيذاء؛ فهذا هو منهج الرسول صلى الله عليه وسلم الذي لم يجزِّئ الإسلام، كما يجب عليهم الاهتمام بالعلوم الحياتية، وتقدير أهلها من الملتزمين، وإعطائهم مكانتهم؛ فغن الخلفية المجتمعية عن السلفية أنها تحقِّر من شأن العلوم الحياتية، وتسفِّه من مكانتها؛ لذا كان نهج الطلاب السلفيين - إذا اضطروا لدراسة العلوم الحياتية في الجامعات – أن يهملوا دراستهم، ويتفرغوا للدراسة الشرعية على شيوخهم، بل شاع في بعض السنينعن بعض علمائهم إباحة الغش في امتحانات الدراسة النظامية في المدارس والجامعات، وتحريم ذلك في العلوم الشرعية، ورغم تأكدنا من عدم صدور ذلك من الشيخ إلا أن هذا المثل يوضح مكانة لعلوم الحياتية عند السلفيين؛ مما يعطل استفادتهم من قوى كثيرة معطلة، وواجهات محترمة تحسن شكل ذلك الفكر بين عوام الناس ونخبهم على السواء.
ثانيًا: رفض فكرة الجماعة والتنظيم:
يرى السلفيون أن الانتظام في جماعة من قبيل البدع؛ ةهم بذلك قد حرموا أنفسهم من قوة كبيرة يمكن أن تدفع بأفكارهم إلى المجتمع؛ فالعمل الجماعي أفضل بالتأكيد من الجهود الفردية المتناثرة التي لا يجمع شتاتها أحد، وربما تضارب بعضها مع بعض، بحسب اختلاف التفكير والمزاج، وربما كان رفض السلفيين للتنظيم رد فعل لموقف الإخوان المسلمين الذين يعاديهم السلفيون، أو رغبة في تحاشي غضبة أجهزة الأمن، ويدها الباطشة، إلا أن على السلفيين إن أرادوا لأفكارهم انتشارًا، وتغلغلاً أن يعتمدوا تلك الفكرة، خاصة وأنها موجودة بشكل ما في تحلق كل مجموعة حول أحد الشيوخ يستقون منه، ويتحركون بأفكاره، وإن لم يُسَمُّوا ذلك تنظيمًا، كما ظهرت بشكل أوضح في أواخر التسعينيات فيما سُمِّي وقتها بالسلفية الجهادية التي تعرضت لبطش الأمن.
خلاصة القول في هذا الأمر أن على السلفيين إعادة النظر في فكرة عدم مشروعية التنظيم؛ لأنها فكرة مخالفة لمنهج الإسلام بصفة عامة، ولما ورد عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، كما أن عدم وجود تنظيم مخالف لأسلوب العمل المؤثر، وبعثرة لجهود كثيرة تحتاج من يجمعها في إطار واحد، ويوجهها وجهة واحدة، ولكن عليهم أن يتفادوا الأخطاء التي وقعت فيها التنظيمات الأخرى من تقديم مصلحة التنظيم على الدعوة في بعض الأحيان، أو جعل المراكز التنظيمية مغنمًا، أو السمع والطاعة العمياء، أو تيبس مفاصل التنظيم عند تضخمه، وما إلى ذلك من أخطاء.
ثالثًا: عدم وجود منظمات مجتمعية سلفية:
وأقصد بالمنظمات هنا مؤسسات العمل المدني من جمعيات أهلية خيرية، أو نوادٍ يتحركون من خلالها، بل لم يُعرَف عن السلفيين عمومًا اهتمامًا بالعمل الخيري والإنساني، ولا حتى تنظيم الحج والعمرة، ومعلوم ما جُبِل عليه الإنسان من حب لمن يسدي له معروفًا، وكذلك يتحل العمل الخيري إلى بطاقة تعارف ما بين الفرد والاتجاه الذي يقوم بالعمل الخيري؛ ومن ثَمَّ ظلَّ ذلك المجال مقصورًا على الإخوان المسلمين من جهة، وعلى جهود الأفراد المتطوعين في المجتمع من جهة أخرى.
رابعًا: غِلْظَة دعاة السلفية بوجه عام:
يتسم دعاة السلفية بوجه عام بالشدة والغِلْظة، وفي أمور الحلال والحرام تجد التحريم أقرب إلى أحكامهم، ما دامت تلك الأمور تخالف الرأي الذي يأخذونه عن شيوخهم، ولا يوسعون فيما وسَّع الله فيه؛ لذا فبصفة عامة هم محل نفور من عوام المسلمين، ولو كان ما يقولونه صحيحًا في بعض الأحيان، وهذا ما يستبعد وجود أثر واقعي لأفكارهم في سلوكيات المجتمع.
إن الدعوة السلفية رافد مهم وأساسي من روافد الدعوة الإسلامية في العصر الحديث، ويجب أن يكون له مكان في تكوين العقل المسلم، ولكن لا بد لوجود هذا الدور من أن يطوِّر دعاة السلفية من أنفسهم، ويغيروا ما يحتاج لتغيير من سلوكياتهم وأفكارهم، لتتبوأ تلك الدعوة مكانها في النهضة الإسلامية، والصحوة المرجوة، هذا ما نصبو إليه، ونسعى من أجله، أسأل الله عزَّ وجلَّ ان يسدد قولنا، ويوفقنا لقول الحق، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

إسلام عبد التواب، باحث إسلامي