يهود العراق..عندما يحطَّم الناي ويبقى لحنه إلى الأبد

بقلم: سرى العميدي

قبل ان يولد الانسان تولد له جذور في الارض التي سيعيش عليها وعندما يولد تنمو تلك الشجره التي تكونت جذورها منذ وقت سحيق وان قطعت تلك الشجرة يوماً فجذورها ستبقى شاهده على انها كانت يوماً في ذلك المكان.
وفي رواية اخرى يحكى ان النبي سليمان في احد الايام طلب من احد صقوره ان يذهب ويجد مكاناً جميلاً يقضون به بعض الوقت للراحة والسكينة.
وعندما ذهب الصقر وبحث عن ذلك المكان عاد للنبي سليمان ليأخذه لذلك المكان وعندما وصل النبي سليمان لم يجد سوى صحراء قاحلة، فقال للصقر "ماهذا المكان؟" فقال له الصقر "انه المكان الذي ولدت فيه فهو بالنسبة لي اروع جنان الارض".

وفي الحقيقة احترت كيف اعبر عن موضوعي هذا هل اتكلم عن طائفة مظلومة من ابناء شعبي ـ وهذه هي الحقيقه المغيبة ـ ام اتكلم عن اعداء وكفرة؟ ـ وهذا ما نشأنا عليه ولانزال متمسكين به ـ.
فما معنى ان يصبح لك في ليلة وضحاها وطن آخر ليست لك فيه جذور تتمسك بها ولا تاريخ لك فيه يجعلك حريصاً على حبه والشعور بالانتماء له وتجبر ان تنسى وطنك الأم وتبقى اسيراً لذكريات لا ترحم؟
يهود العراق طائفة وجزء لا يتجزأ من العراق عاشت منذ زمن بعيد جنباً مع بقية الطوائف العراقية متآلفة متحابَّة متجانسة.
ولم يروَ يوماً ان مسلماً او يهودياً او مسيحياً او صابئياً او ازيدياً تخاصموا من اجل الاختلاف في الدين؛ ففي كل حي تجد المسيحي شريكاً مع اليهودي في العمل والازيدي جار الصابئي والمسلم يتبادل التحية مع اليهودي "السلام عليكم - شالوم".
لم تكن أي من بوادر الفرقة موجودة حينذاك، ولا تجد الناس يعيرون لها أي اهتمام اضافة الى ان هنالك العديد من الشخصيات اليهودية التي اغنت الحياة العراقية بمختلف المجالات، حيث كان أول وزير مالية للحكومة العراقية عام 1921 يهودياً ويدعى حسقيل ساسون وكذلك مناحيم دانيال كان عضواً في مجلس الأعيان في العهد الملكي وابنه عزرا مناحيم وعوفاديا يوسف حاخام اليهود الشرقيين في اسرائيل والزعيم الروحي لحزب شاس لليهود الارثوذوكس وهو من مواليد 1920 بالبصرة في العراق.

كذلك كان لليهود دور عظيم بالنسبه للموسيقى العراقية بسبب النظرة الاسلامية حينذاك للموسيقى.
فقد كانت هنالك اسماء لامعه يهودية قادت الموسيقى العراقية، أمثال صالح يعقوب عزرا المشهور بـ"صالح الكويتي" وهو الاخ الاكبر للموسيقي داوود يعقوب عزرا المشهور بـ"داوود الكويتي" اللذين يعتبران من كبار الموسيقيين العراقيين.
وكذلك ساسون الكمنجاتي، وكذلك يوسف زعرور الكبير (عازف القانون) ويوسف زعرور الصغير (ابن عم يوسف زعرور الكبير) وايضاً عازف السنطور حوكي بتو وعازف الايقاع يهودا شماس وكذلك قارئ المقام سليم شبث وفلفل كرجي والفنانة العراقية سليمة مراد (زوجة الفنان الكبير ناظم الغزالي) وعازف الناي البير الياس.
كذلك قام التجار اليهود الاغنياء بتأسيس استوديو بغداد السينمائي الذي انتج افلاماً ناجحة منها عالية وعصام.
ومن اليهود الذين اشتهروا في مجال علم الاقتصاد الاستاذ مير بصري الذي ألف كتباً عديدة في هذا المجال.
هذه بعض الشخصيات اليهودية التي عاشت في ذلك الوقت في العراق، وهذا ما كان عليه يهود العراق قبل التغيير الذي لحق بحياتهم وحولهم الى من يهود عرب الى يهود اسرائيليين، وما من نقطة تفاهم بين هاتين الجملتين؛ فالوطن الحالي هو عدو الوطن الأم السابق.
وبعد اعلان الصهيونية وتأسيس دولة اسرائيل تغير الوضع الذي كان يعيش فيه اليهود وتعرضوا الى الكثير من المضايقات من اجل اجبارهم على ترك العراق والذهاب الى اسرائيل ارض الميعاد (بالنسبه لليهود).
ولم تكن استجابة يهود العراق بصورة خاصة ويهود العرب بصورة عامه سريعة لمثل هذا القرار لانهم لم يكونوا مضطهدين من قبل العرب حينذاك ولا تجمعهم مع العرب سوى علاقات الود والتفاهم بعكس يهود الغرب.
وبعد هذا الرفض القاطع ليهود العراق في الهجرة الى اسرائيل تعرضوا لعملية "الفرهود" وهي عملية قامت بها المخابرات الصهيونية بالتعاون مع الحكومة العراقية لتعجيل هجرة يهود العراق الى اسرائيل بمختلف الطرق.
حيث تم تفجير دور العبادة اليهودية واسقطت عنهم الجنسية العراقية مما ادى الى نشر الرعب والهلع في قلوبهم.
لذلك اجبروا بالقوة والقسوة ولم يعد خيار آخر غير الرحيل راوغ الكثير منهم واختبأ العديد لكن سرعان ما اكتشف أمرهم وأرسلوا الى اسرائيل.

انضموا الى اسراب النوارس المهاجره وفي أعينهم دموع توحي انها الوداع الاخير، ينظرون الى موطن الصبا بحسرة وألم وليس باليد حيلة.
يعلمون انهم سيشتاقون الى دجلة، الى ضفافه التي لعبوا فيها عندما كانوا صغاراً؛ سيشتاقون الى كل شيء يذكِّر بالعراق.
كانوا يوقنون انهم وان اقتلعوا من العراق جبراً فان جذورهم لا يمكن قلعها ابداً رحلوا وهم ما يزالون عراقيين من خلال عاداتهم تقاليدهم ولغتهم العراقية الاصيلة، والأهم من ذلك جذورهم التي ما تزال مغروسة في وطن الآباء والاجداد العراق.

مرت السنين على تلك الايام الاليمة التي عاشها يهود العراق ولا يزال الحنين عند البعض ينبض الى الآن الى ذلك الوطن الذي ولدوا فيه وترعرعوا فيه او الوطن الذي لم يره البعض منهم سوى عادات وتقاليد ورثوها من آبائهم (الجيل الذي عاش في العراق).
ومن خلال بحثي في المواقع الالكترونية قرأت العديد من الرسائل التي نشرها اليهود العراقيون في الانترنت والعديد من المقابلات الصحفية التي اجريت معهم.
ويظهر في احدى تلك المقابلات شخص كبير في السن يجلس في مقهى ويروي ذكرياته عن العراق بلهجة عراقية بحتة تكاد تكون قريبة من اللهجة الموصلية وهذه هي اللهجة الذي عرف بها اليهود يقول ذلك الرجل "اعرف ابو نؤاس، شارع السعدون، كل شبر في العراق اعرفه، انا أعود الى العراق واي سعر يطلبونه مني سأدفعه".
وفي التقرير نفسه يظهر شخص يغني اغنيه ميحانة بكل طلاقة ولهجة عراقية لا تقبل الشك.

"اننا عراقيون رغم كل الظروف ورغم الزمن وهنالك ما هو اكثر اهمية من الاوراق؛ ان عراقيتنا مطبوعة في اجسامنا، في جيناتنا، والاوراق لا تغير الحقيقة والحقيقة لا يمكن ان تمحى".
هذا ما قاله سمير النقاش اليهودي العراقي الذي لم يعش في العراق سوى 13 سنة وماتبقى من عمره عاش يتمنى ان يعود الى العراق.
الا ان ذلك الحلم تبدد بعد ان فارق سمير نقاش الحياة ولم يرَ محبوبته بغداد التي اصبحت غصة في صدره طول فترة اغترابه.

ومن خلال قراءتنا لقصيدة الرحيل لشمؤيل موريه الاديب والباحث اليهودي من اصل عراقي الذي ولد في بغداد عام 1932 يترجم من خلالها معاناته واضطهاده خلال تلك الفتره واهداها الى جميع اخوته العراقيين حيث يقول في بدايه القصيدة:
قالت لي أمي: "ظلمونا في العراق، وضاقَ المُقامُ بنا يا ولدي...
فما لنا و"للصبر الجميل"؟ فهيا بنا للرحيل!" وعندما بلغنا الوصيدا.

ثم يطغى بعد ذلك الحنين على اجواء القصيدة حيث يقول:
ورَحلنا...وقبلَ رَحيلِها الأخيرْ، قالتْ لي أمّي، والقلبُ كسيرْ...
"أحنّ إلى العراق يا ولدي، أحنّ إلى نسيمِ دِجلة يوشوِشُ للنخيلِ...
إلى طينها المِعطار إلى ذيّاك الخميلِ...
بالله يا ولدي، إذا ما زُرتَ العراقْ بعدَ طولِ الفراقْ...
قبّلِ الأعتابْ وسلم على الأحبابْ وحيّ الديار وانسَ ما كانَ منهم ومنّا".

وفي مقابلة مع "بي بي سي" يقول يعقوب ريوفيني الذي هاجر مع عائلته عام 1951 كنا نشارك المسلمين في مسيرات عاشوراء ونضرب صدورنا تذكراً لمعركة كربلاء.
ويضيف يعقوب انه لا يزال يتذكر السمك المسكوف في مدينه العمارة وزيارة اماكن اللهو في تلك المدينة.
ويقول ايضاً "كنا نأكل ونشرب وننام معاً ونذهب الى نفس المدارس لم يخطر في بال احد اين العربي واين اليهودي لكن هذا كله تغير بعد 1948 عندها اصبح الناس ينظرون الينا نظرة مختلفة وكذلك يجد يعقوب ان اللغة العربية هي الافضل في التعبير عن افكاره من اللغة العبرية".

ويقول ايلي مزراحي صاحب مقهى مزراحي "معظمنا لايزال يشعر بالانتماء الى الدول التي جاء منها آباؤنا..آباؤنا واجدادنا لا يزالون يذكرون الكثير عن موطنهم الاصلي وهذا مايجلبهم الى المقهى المأكولات والموسيقى واللغة".

"شاهدت بغداد وهي تقصف يوما تلو آخر، واحسست وانا في بيتي بحيفا، انهم يلحقون الدمار والخراب في المدينة التي ولدت وعشت فيها ايام صباي".
هذا ما شعر به سامي ميخائيل اثناء الغزو الاميركي على العراق، حيث يقول ايضاً:
"احلامي عراقية ولا تدور الا في العراق رغم انني غادرته منذ ستة عقود ومفرداتها هي شوارع بغداد ومحلاتها وبيوتها ونخيلها ونهرها وجسورها وبيتنا القديم واصدقائي القدامى".
ويذكر ان سامي ميخائيل هرب من العراق الى طهران عام 1946 مطارداً بتهمة الشيوعية، وبعد عامين حيث يئس من العودةٍ الى بغداد حيث عائلته وشعبه فاضطر الى اللجوء الى اسرائيل الذي ترك فيللاه الواسعة في الكرادة وسكن في مخيمات في اسرائيل واعطوه فأساً لاقتلاع العشب على جنبات الطرق والشوارع.

ويعتبر فيلم "انسوا بغداد" من الافلام القليلة التي وثقت حياة اليهود العراقيين والمعاناة التي واجهوها عند التوجه الى اسرائيل وهو من انتاج 2002 وحصل على افضل جائزة في مهرجان لوكاربو بسويسرا.
واخرج الفيلم السويسري من اصل عراقي "سمير"، وهو مسلم هاجر مع عائلته منذ ان كان عمره 10 سنين.
ويبدأ ابطال الفيلم وهم شمعون بلاص، وموسى حوري، سمير النقاش، سامي ميخائيل وجميعهم كانوا الجيل الأول من ـ اليهود الشرقيين ـ أما البطلة الخامسة فهي إيليا الشحات وتمثل الجيل الثاني وقد هاجرت حاليا إلى أميركا، يبدأ كل شخص بسرد ذكرياته في العراق حيث ايام طفولته وصباه وبلهجة عراقية واضحة.
وعمد المخرج الى تقريب الصورة ليبين وجه كل شخص منهم بشكل كامل على الشاشة في اشارة الى الملامح العربية الخالصة الذي يتمتع بها كل منهم.
وبعدها يصوِّر الابطال معاناتهم عندما وصلوا الى اسرائيل، حيث استقبلوا بمبيدات الحشرات في المطار لانهم قادمون من ارض العرب وعوملوا معاملة الطبقة الثانية في المجتمع وعاشوا حينها في مخيمات وافتقدوا الى ابسط وسائل الراحة.
ثم ينتقل الفيلم بعد ذلك الى جانب عاطفي حيث تملأ عيون الأبطال الذكور الدموع ويتمنون خلالها العودة الى العراق ويروون كم هم مشتاقون الى نهر دجلة وقد انعكس عليه ضوء القمر.
ويقول احدهم "لو أن الزمن رجع إلى الوراء لاخترت المكوث بالعراق وما فكرت فى الهجرة مطلقاً".
اما الروائي سمير نقاش المعروف بحبه العميق للعراق والذي استمر بالكتابة باللغة العربية فيقول "إسرائيل ظلمتني، ظلمت أهلي، أخاف أن تظلم أولادي، هذه البلاد ليست بلادي".

اما ياير دلال عازف العود والكمان يهودي الدين عراقي الاصل الذي هاجرت عائلته من بغداد الى اسرائيل في الخمسينات وولد في اسرائيل عام 1955 فلا يزال أثر الموسيقى العراقية اليهودية الكلاسيكية غالباً على موسيقاه.
ويعتبر دلال من الموسيقيين العراقيين الذين يحفظون ويصونون التراث الموسيقي البابلي. وغنى للسلام والمحبة، وموسيقاه تبدد الموانع لان الموسيقى هي اداة لتوحيد الشعوب.
واستطاع في احد حفلاته ان يجمع اطفال اسرائيل واطفال العرب لينشدوا للسلام.
وحصل على جائزة نوبل للموسيقى عام 1994 في اوسلو ويغني بثلاث لغات عربية، عبرية، وآرامية.
وعندما سألت جدتي عن هذا الموضوع بصفتها قد عاصرت تلك الفترة كانت اجابتها تعكس حالة التعايش والتجانس بين مكونات الشعب العراقي، حيث قالت:
"كان هنالك العديد من اليهود الذين يسكننون جنبا الى جنب مع المسلمين والمسيحيين ومختلف الاديان، لم يكن هنالك فرق بيننا. وكان هنالك العديد من الصاغة اليهود".
وتبتسم وتقول "عندما كنا نريد ان نصلح خاتماً عند يهودي يقول لنا 'ونبينا موسى الباجر تعالي تلاقينو كامل'".
وقبل ان انهي موضوعي بادرني سؤال: ايهما افضل اليهودي الذي ترك وطنه ولا يزال يخلص في حبه ويتمنى العودة اليه ام المسلم المتطرف الذي يقتل ابناء بلده ويستبيح دماءهم بغير شرع او دين؟
لا اعلم ان كانت هنالك عودة لليهود من جديد الى الوطن الأم وربما اصبحت هذه العوده بعيدة جداً؛ لان الجيل الذي ولد في العراق حينذاك أصبح الآن في سن الخمسينات او الستينات والعديد منهم توفوا.
اما الجيل الجديد الذي ولد في اسرائيل فقد ولد اسرائيلياً وليس عراقياً وان كان هنالك امل ضعيف في العودة فالجواب يكون عند الجيل الجديد ان كان يحتفظ بعراقيته الى الآن.
ولا اعرف بعد كل هذه التغيرات التي عصفت بالحياة العراقية كيف سيتقبل المسلم اليهودي خاصة اننا ولدنا وتربينا ان اليهودي هو نفسه الصهيوني الذي يغتصب ويتاجر بمصائر الناس ولم نحترم اليهود كدين واجب علينا احترامه.
وفي النهاية العراقي معروف اينما ذهب بانتمائه الشديد الى وطنه وحبه وحنينه مهما طال اغترابه فكيف بالشخص الذي يعاني منذ سنين من غربه مؤبَّدة؟