لبنان: الحلول ـ المشاكل، والحياد المستحيل

مراجعة: د.ابتسام بدران
لا غالب ولا مغلوب: على اللبنانيين قبول واقع سئموه

من غرائب المفارقات في الواقع اللبناني قدرة اللبنانيين على ابتداع واجتراح مشاريع حلول لأزماتهم الوطنية هي عينها تصبح مادة خلافية بل سبباً لتأجيج صراعات أخرى أشد هولاً وقسوة عما سبقها.
وليس بغريب القول أن ثمة تلازماً بين تاريخ لبنان القديم كما المعاصر وصراعات محلية وإقليمية ودولية جرت فيه وعليه، امتزجت فيها الأسباب الطائفية والمذهبية بالوطنية والقومية.
وفي مجمل الأحوال لم يستطع اللبنانيون تجاوز الكثير من أزماتهم الحادة إلا بعد حفلات قتال تشكل نموذجاً واضحاً لصور ابادة وجرائم حرب ضد الإنسانية، واغرب ما في ذلك دوام اللجوء إلى قاعدة لا غالب ولا مغلوب وكأن على اللبنانيين قبول واقع سئموه.
ويعالج د.خليل حسين في كتابه "الصراعات الإقليمية والدولية في لبنان: مقاربة قانونية للواقع اللبناني ونظام الحياد في القانون الدولي" هذا الواقع ويقاربه بنظام الحياد في القانون الدولي العام ومدى إمكانية انطباقه على الواقع اللبناني كمشروع حل.
ويحاول في الكتاب الصار عن دار المنهل اللبناني 2008، عرض حجج المنادين والرافضين لنظام الحياد في منهج عامي موضوعي، ورغم صعوبة مسالك الموضوع حاول تلمس أسبابه وتداعياته وآثاره وشروط نجاحه بأسلوب أكاديمي موثق.
ويعتبر حياد لبنان من المشاريع التي قدمتها بعض الاحزاب اللبنانية في معرض تصورها لإخراج لبنان من أزماته المتلاحقة ظناً منها انه يشكل البيئة المناسبة لإبعاد لبنان عن أسباب ووسائل الصراع الخارجي وتأثيراته في الواقع اللبناني، قابله رفض مطلق من أفرقاء آخرين باعتباره يُبعد لبنان عن قضايا مركزية عربية وفي طليعتها الصراع العربي الإسرائيلي.
وبصرف النظر عن قوة أو ضعف قرائن وأدلة المطالبين والرافضين لنظام الحياد، ثمة ضرورة لمقاربة معوقات وشروط نجاح هذا النظام ومدى انطباقها على الواقع اللبناني، باعتبار أن حجج القبول والرفض شيء وإمكانية التطبيق والنجاح شيء آخر.
وفي المبدأ ثمة الكثير مما يقال بشأن أسباب وخلفيات المطالبة أو الرفض لنظام الحياد، إلا أن تسليط الضوء على المعوقات وشروط النجاح تسقط الكثير من الحجج التي يتمسك بها كلا الطرفين.
ففي المعوقات ثمة ثلاث جهات دولية وإقليمية وعربية فاعلة ومؤثرة في هذا المجال؛ فحتى الماضي القريب وتحديداً الثلث الأخير من القرن الماضي برز تجاذب واضح بين واشنطن وموسكو في الشرق الأوسط تُرجم إلى حروب باردة حيناً وحارة حيناً آخر في لبنان أبرزها اجتياح إسرائيل للبنان 1982 وتداعياته، ناهيك عن التجاذب الفرنسي الأميركي حول لبنان لأسباب وخلفيات كثيرة معروفة.
ورغم زوال الاتحاد السوفيتي ظهر التجاذب مجدداً في يومنا هذا الأمر الذي يعزِّز مقولة حاجة الدول الكبرى للبنان كساحة احتراب غير مباشرة وبالتَّالي عدم وجود مصلحة لها بحياد لبنان.
والأمر إقليمياً هو نفسه دولياً؛ فإيران التي تطلعت وتجهد في إيجاد اذرع لسياساتها الخارجية لن يكون حياد لبنان متطابقا مع مصالحها.
وفي المقلب الآخر يظهر سجلُّ الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان وأطماعها المعلنة والمبطنة تجاهه يظهر معوقاً رئيساً في هذا المجال.
عربياً ثمة أوجها قانونية وواقعية تعوق حياد لبنان ومنها،الاتفاقيات التي وقعها لبنان في إطار جامعة الدول العربية كمعاهدة الدفاع المشترك والمقاطعة العربية لإسرائيل،ناهيك عن متطلبات معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق بين لبنان وسوريا والالتزامات المتبادلة وبخاصة ملفات الحرب والسلم مع إسرائيل.
فمن وجهة نظر المؤلِّف تشكِّل هذه المعوقات مانعاً لتحقيق حياد لبنان، ورغم صحة المقاربة إلا أن في الوقت نفسه تشكل داعماً قوياً لوجهة نظر المطالبين به باعتباره يؤكد جانبا رئيسا من الأسباب التي يستندون إليها، إضافة إلى ذلك إن قبول تلك الدول بحياد لبنان من الناحية العملية يشكل مدخلاً لعدم التدخل واستثمار ظروفه ووقائعه وواقعه لمصالحها الخاصة.
وعلى أية حال، إن لنجاح حياد لبنان متطليات وشروط ينبغي توفرها بنظر المؤلف، وهي إجماع اللبنانيين على تبنيه أولا، وموافقة الدول المتحيطة والمؤثرة في سياساته ثانيا، وقدرة لبنان على حماية حياده بنفسه.
واذا كانت المعوقات تشكل عاملاً حاسماً لاستبعاده كإطار أو مشروع حال، فإن التدقيق في الشروط تظهر جانباً آخر من استحالة تطبيقه.
ففي الحياة السياسية اللبنانية لم يشكل الإجماع يوماً ظاهرة مؤكدة بين اللبنانيين بل أن ندرة الإجماع إذا وجدت كانت على قضايا لا تمس جوهر السياسية الخارجية للبنان؛ بل أن التدقيق أكثر في الحياة السياسية اللبنانية تظهر وتؤكد انقسام اللبنانيين حول قضايا سياسية خارجية وبخاصة في ملفات الصراع العربي الإسرائيلي.
وعليه، إن أساس الموضوع هو إشكالية بحد ذاته وسبباً في تأجيج الانقسامات الحادة بين الفئات السياسية والطائفية اللبنانية. ولا يقتصر الأمر عند ذلك؛ فقد تطورت الانقسامات حول قضية معينة بذاتها من انقسام طائفي إلى انقسام مذهبي ضمن الطائفة عينها، وبالتالي بات إجماع اللبنانيين على نظام الحياد أمراً مستحيلاً في ظل الظروف الراهنة.
إن موافقة الدول المحيطة آو المؤثرة في الحياة السياسية اللبنانية شرط ضروري ولازم لامكانية تطبيقه ونجاحه، وبالعودة إلى مصالح هذه الدول تظهر دوام حاجاتها لأذرع قي سياساتها الخارجية.
ونظراً لأن لبنان ظل في مختلف ظروفه بيئة وساحة مناسبتين لاستثماره في مشاريع إقليمية ودولية وبخاصة من تلك الاطراف، فان امر قبولها بحياده ليس أمراً مشكوكاً به وإنما ثمة استحالة واضحة لذلك.
علاوة على ذلك إن غالبية الدول التي أخذت بنظام الحياد مسلكا لها في تعاطيها مع الآخرين، فان ركيزة انطلاقه ونجاحه كان موافقة الدول التي المحيطة بها او المؤثرة فيها.
وإذا كان الإجماع الداخلي والموافقة الخارجية شرطين ضروريين ولازمين لتطبيق نظام الحياد في لبنان، فان العامل الأهم لاستمراره هو قدرة اللبنانيين على حماية حياده بنفسه.
فهل للبنان قدرة على مواجهة قوى إقليمية ودولية ذات وزن يُعتد به حتى في السياسات الدولية ونظمها؟
انه أمر مستحيل أيضاً؛ فلو كان للبنان هذه القدرة لما كان سبب للدعوة لتبني النظام من أساسه.
ثمة علاقة بين تاريخ الدول وجغرافيتها السياسية وبخاصة الدول الصغيرة الواقعة بين دول كبيرة لها طموحات في سياساتها الإقليمية، الأمر الذي ينطبق بدقة على لبنان، وبذلك ان البحث قي مشاريع الحلول لأزماته الوطنية الحادة يستلزم بالضرورة الابتعاد عن تلك المشاريع التي تحمل في طياتها بذور التباين والخلاف إن لم نقل الصراع.
لقد ظهرت المطالبة بتحييد لبنان في ظروف الاقتتال العصيب وبخاصة عند المنعطفات الهامة لقضايا الصراع العربي الإسرائيلي، أو استعار الخلاف بين بعض المحاور العربية في كثير من محطاتها المتعددة والمتنوعة شكلاً ومضموناً وأساساً.
إن صياغة سياسة خارجية تتلاءم والواقع اللبناني كفيلة باستبعاد الخيارات المرة، ويأتي هذا المؤلف ليؤكد ذلك وليلقي الضوء على جانب ندر البحث فيه وقلت النتائج التي تم التوصل إليها.

د.ابتسام بدران: طبيبة وكاتبة لبنانية