'ميمري' يُقدم العرب الى الغرب بتوابل إسرائيلية

واشنطن
نقل إعلام العرب للغرب بين التحريف والدقة

في ضوء تزايد الحديث عن حوار الحضارات، اتجه البعض إلى محاولة كسر الفجوة بين الشرق والغرب والتقريب بينهما من خلال عرض أفكار كلا منهما للآخر، وفي هذا الإطار ظهر معهد الأبحاث الإعلامية للشرق الأوسط المعروف اختصارا بـ"ميمري" والذي يقدم صورة عن الإعلام العربي إلى صنّاع القرار في الغرب، إلا أن الخلاف ظهر حول الطريقة التي يعمل بها المعهد وهو ما جعله أحد الموضوعات المثيرة للجدل.

النشأة والبدايات العمل

طبقا لبيانات موقعه الالكتروني يعد معهد الأبحاث الإعلامية للشرق الأوسط منظمة غير ربحية وغير حزبية ولا تنتمي لأي تيارات سياسية، تعمل على رصد الصحافة الشرق أوسطية، أسسها الضابط السابق في الجيش الإسرائيلي العقيد إيجال كرمون، والدكتورة الإسرائيلية/الأميركية ميراف ورمسر.
في عام 1998، وأصبحت المنظمة أكثر بروزًا بعد أحداث 11 سبتمبر 2001؛ نتيجة لتزايد اهتمام الرأي العام الغربي بالشئون العربية والإيرانية. يوجد المقر الرئيسي للمعهد في العاصمة الأميركية واشنطن. فضلاً عن فروع أخرى في القدس، وبرلين، ولندن، وطوكيو، وروما، وبغداد، حيث قام المعهد منذ أوائل 2002 بافتتاح فروع جديدة له خارج الولايات المتحدة.

وقد حدد معهد الأبحاث الإعلامية للشرق الأوسط مهمته في موقعه الالكتروني على أنها "استكشاف الشرق الأوسط من خلال أجهزة الإعلام، وكسر الفجوة اللغوية التي توجد بين الغرب والشرق الأوسط من خلال تقديم ترجمات عربية وفارسية وتركية، بالإضافة إلى التحليلات الأصلية للاتجاهات الدينية والثقافية والاجتماعية والأيديولوجية والسياسية في الشرق الأوسط".

وتترجم المنظمة مقالات مختارة من الصحافة العربية والإيرانية، بالإضافة إلى مراقبة الخطب الدينية في المساجد والكتب المدرسية وحوالي 38 قناة تليفزيونية عربية -منها قناة العربية والمجد واقرأ والعالم والقناة السورية والمحور ودريم 2- وتترجم هذا إلى الإنكليزية ، العبرية، الألمانية، الإيطالية، الفرنسية، الأسبانية، اليابانية والصينية، وترسل هذه الترجمات مجانًا وبطريقة منتظمة ومكثفة إلى وسائل الإعلام والمعاهد والمسئولين السياسيين الغربيين وخاصة أعضاء الكونغرس الأميركي ومكتب التحقيقات الفدرالي، والبرلمان الأوربي.

القضايـا الرئيسيـة

وفقًا لموقع ميمري فإن القضايا التي تتناولها تتمثل في الآتي:

أميركا والشرق الأوسط.

نظرية مؤامرة.

الدراسات حول الجهاد والإرهاب. وفي أكتوبر 2006 تم إضافة الموقع الإسلامي والذي يركز على الأخبار والتحليلات المنشورة في مواقع الجهاد الرئيسية.

الإصلاح في العالم العربي والإسلامي.

الصراع العربي- الإسرائيلي.

مشروع توثيق معاداة السامية.

الدراسات الاقتصادية.

و تعلن المنظمة على موقعها الالكتروني أنها تُعارض الأصولية الإسلامية وليس الإسلام في حد ذاته. الدعـم المالـي

تم تسجيل المنظمة في الولايات المتحدة وفقًا للقانون على أنها لا تهدف للربح، وتعتنق ميمري سياسة عدم قبول الأموال من الحكومات، وبدلاً من ذلك تعتمد على 250 متبرع يشمل ذلك منظمات ومؤسسات أخرى، ومن بين هؤلاء المتبرعين مؤسسة لايند وهاري باردلي اليمينية (التي تقوم بتمويل المعاهد الفيدرالية والمشاريع التربوية والتعليمية)، والتي منحت ميمري في الفترة من 1999- 2004 حوالي 100 ألف دولار، ووفقًا لـ "شاريتي نافيغايتور" (والتي تقوم بتقييم الوضع المالي للمنظمات الخيرية الأميركية) فإن الدخل الإجمالي للمنظمة بلغ في عام 2006 حوالي 4.078.038 دولار، وقد منحت "شاريتي نافيغايتور" معهد الأبحاث الإعلامية للشرق الأوسط أربعة نجوم لتفوقه على المنظمات الخيرية الأخرى، وهو ما يعد تقديرًا استثنائيًا. ما مدى دقة أو خطأ الترجمات؟

بالرغم من اعتقاد صحيفة النيويورك تايمز بأنه "لا أحد يعارض ترجمات ميمري"، فإن هذه الترجمات في بعض الأحيان كانت محل انتقاد، ومن أمثلة ذلك:

الخلاف حول ترجمة ميمري للكلمة العربية "الولاية" في خطاب لأسامة بن لادن في عام 2004، حيث ترجمتها ميمري إلى US State بمعنى "ولاية أميركية" وليس Nation-State بمعنى "الدولة القومية". وقد نشرت ميمري خطاب بن لادن -في عطلة نهاية الأسبوع الذي سبق انتخابات الرئاسة الأميركية في 2004- في سياق أن "تهديد بن لادن للولايات أميركية يأتي في إطار محاولة التأثير على نتيجة الانتخابات ضد جورج بوش".

وقد اعتبر الصفي البريطاني براين ويتكر أن الأمر يُعد حركة ذكية من قسم الدعاية الانتخابية في ميمري لجعل الأميركيين يعتقدون أن بن لادن يريد منهم التصويت لصالح جون كيري. وقد استندت ميمري في دفاعها عن ترجمتها على أن المقصود من كلمة ولاية في اللغة العربية هو "محافظة أَو منطقة إدارية" ذلك أن التسمية العربية لأميركا هي "الولايات المتحدة الأميركية"، وهو ما كان بن لادن يقصده وفقًا لها.

كتب د. حليم بركات (أستاذ علم الاجتماع المتقاعد من جامعة جورج تاون مقالاً طويلاً في صحيفة "الحياة اللندنية" عنوانه "الوحش الذي خلقته الصهيونية.. الدمار الذاتي"، كان المقصود منه استخدام أسطورة موجودة ومقبولة من جانب الأدب اليهودي والعالمي، لكن ميمري ترجمت مقاطع منه فقط وهو ما سبب مشاكل كبيرة جدًا في جامعة جورج تاون، كما وضعت للمقالة -وفقًا لـ د. بركات- "عنوان تحريضي" هو: "اليهود فقدوا إنسانيتهم"، فضلاً عن ذلك فقد استبدلت كل كلمة "صهيونية" في المقال بكلمة "يهود أو يهودية"، وقد اعتبر د. بركات أن الهدف كان الإيحاء بأنه لا ينتقد السياسة الإسرائيلية وإنما ما يقوله هو عداء للسامية.

طبقاً لصحيفة لوموند الدبلوماسية الفرنسية، فإن ترجمات ميمري في بعض الأحيان تفرغ محتوى النص من مضمونه أو تضيف مصطلحات عربية لا توجد في النص الأصلي، بهدف جعل البيان يبدو أكثر جدلاً، وأوردت الصحيفة بعض الأمثلة على ذلك، كان منها: قيام المعهد بعد اعتداءات لندن في السابع من يوليو 2005، بترجمة مقاطع من برنامج "أكثر من رأي" الذي تبثه قناة الجزيرة والذي شارك فيه السيد هاني السباعي، وهو مسلم يعيش في لندن، وقال فيه متحدثًا عن الضحايا: "لا يوجد مصطلح في الفقه الإسلامي يسمى "المدنيين"، وإنما يوجد فئات من "المقاتلين" و "غير المقاتلين" والإسلام ضد قتل الأبرياء".

أما ترجمة معهد ميمري فكانت: " لا يوجد مصطلح "مدني" في الشريعة الإسلامية، فلا وجود لـ"مدني" بالمعنى الغربي العصري للكلمة، فالناس ينتمون أو لا ينتمون لدار الحرب"، وقالت الصحيفة أن إدراج عبارة "دار الحرب" -والتي لم يستعملها السباعي- أثار الجدل، فالمعنى الذي تحمله هذه الإضافة هو أن كل شيء مباح في دار الحرب. فضلاً عن ذلك فإن المعهد قد حذف من ترجمته إدانة السباعي لقتل الأبرياء. الانتقـادات

إلى جانب الاتهامات بعدم دقة الترجمة، فقد واجهت ميمري عددًا من الانتقادات الواسعة ومنها:

نشر بريان ويتكر، محرر الشرق الأوسط في صحيفة الغارديان البريطانية، مقالاً في أغسطس 2002 حول الطبيعة الانتقائية لميمري تحت عنوان "Selective MEMRI" قال فيه " أن القصص المختارة للترجمة من قِبل ميمري لها طابع مألوف فهي إما تعكس بصورة سيئة خصائص العرب أو أنها تُعزز بطريقة ما الأجندة السياسية لإسرائيل".

وصف وليام رو، السفير الأميركي السابق في الإمارات واليمن، ميمري على أنها "خدمة لا تقدم صورة متكاملة عن الإعلام العربي"، ووفقًا لرو "فإن الاقتباسات والمقالات المختارة تُصور العرب على أنهم يكرهون اليهود والغرب، ويؤيدون العنف، ويرفضون أي تسوية سلمية للقضية الفلسطينية".

طبقاً لجوان كول، أستاذ تاريخ الشرق الأوسط الحديث في جامعة مشيجان، فإن ميمري "تقوم باختيار أكثر المقالات والموضوعات تطرفًا". وهو ما أيده إبراهيم هوبير، مدير مجلس العلاقات الأميركية-الإسلامية، والذي صرح لصحيفة واشنطن تايمز أن هدف ميمري هو "أن تجد أسوأ الاقتباسات من العالم الإسلامي ومن ثم نشرها على نحو واسع بقدر الإمكان".

اتهم كين ليفنغستون، العضو السابق في البرلمان البريطاني والعمدة السابق للندن، ميمري "بالتشويه التام للحقائق". الدعم والتأييد

في الوقت الذي وجهت الانتقادات والاتهامات إلى ميمري بعدم الدقة والانتقائية في موضوعاتها، فقد قام رئيس المنظمة إيجال كورمون بالرد على هذه الاتهامات قائلاً "ليس لدينا أجندة، فكمعهد للأبحاث نهدف إلى تقديم ترجمات للأشخاص الذين يريدون أن يحصلوا على معلومات عن الشرق الأوسط، فنحن نسعى إلى تقديم الحقيقة وإذا كانت هذه الحقيقة تخدم طرفًا دون آخر فليكن ذلك"، وأضاف " نحن نعرض القضايا الأكثر موضوعية، والمعروضة على جدول الأعمال الدولي والشرق أوسطي، ونُترجم المناقشات عن القضايا الاجتماعية كتلك التي تُعرض على قناة الجزيرة، فميمري ليست بحاجة إلى الدفاع عن ترجماتها". وقد اتجه بعض السياسيين إلى تقديم الدعم والتأييد لميمري، ومن هؤلاء:

كتب عضو الكونجرس براد شيرمان، وعضو لجنة العلاقات الدولية التابعة لمجلس النواب الأميركي، وعضو اللجنة الفرعية للإرهاب ومنع الانتشار النووي، المقدمة لتقرير ميمري حول ردود الفعل العربية والإيرانية على أحداث 11 سبتمبر قائلاً: "منذ قيام MEMRI أصبح للأميركيين والغرب مصدر مهم للمعلومات عن أجهزة الإعلام العربي"، وأضاف "لقد استخدمت MEMRI لفهم الشرق الأوسط وثقافته السياسية بشكل أفضل".

كتب جاي نورديلينجر، مدير تحرير "ناشيونال رفيو"، قائلاً عن ميمري: "هذه المنظمة تساوي مائة قسم للدراسات الشرق أوسطية في الولايات المتحدة، فهي تستمع للعرب وما يكتبونه في صحفهم وهو ما يخبرنا بما لديهم".

يعتقد توماس فريدمان، صحفي سياسي بصحيفة نيويورك تايمز ، أن ميمري تساعد على "إظهار خطاب الحقد والكراهية حيثما يظهر".

فريـق العمـل

أدرجت المنظمة في موقعها الأصلي في عام 1998 سبعة أفراد، منهم ثلاثة خدموا سابقًا في الاستخبارات العسكرية في قوات الدفاع الإسرائيلية، وابتداءً من أكتوبر 2001 توقفت المنظمة عن عرض قائمة بالعاملين في الموقع نظرًا لتلقيها بعض التهديدات، إلا أنه ووفقًا لتصريحات رئيس المنظمة إيجال كرمون فإنها تضم الآن حوالي 70 فردًا من جنسيات وأديان مختلفة وبالتالي فهم يختلفون في وجهات نظرهم السياسية. وأهم الموظفين في المنظمة هم: إيجال كارمون: مؤسس ميمري ورئيسها، عمل كعقيد في قوات الدفاع الإسرائيلية فرع الاستخبارات من 1968 إلى 1988، كان رئيس الإدارة المدنية في الضفة الغربية، ومستشار الشئون العربية للإدارة المدنية في الفترة من 1977 إلى 1982. نصح رئيسي الوزراء الإسرائيليين شامير ورابين بمواجهة الإرهاب في الفترة من 1988 إلى 1993. وفي عامي 1991 و1992 كان كارمون عضو في الوفد الإسرائيلي لمفاوضات السلام مع سوريا في مدريد وواشنطن، بالإضافة إلى ذلك فهو يجيد اللغة العربية. د. ميراف ورمسر: شاركت إيجال في تأسيس ميمري، وعملت كمدير تنفيذي، إلا أنها تركتها في عام 2002 للانضمام إلى، وتم استبدالها بستافين ستالينسكي. د. نيمرود ريفيل: حصل على الدكتوراة في التخطيط و التنمية من جامعة ميتشغان، عمل في البنك الدولي، وكمستشار لصندوق النقد الدولي، وهو أميركي من أصل عراقي المولد، ولغته الأولى العربية، انضم إلى ميمري كمحلل في عام 2001. مناحم ميلسون: أستاذ في الجامعة العبرية في الأدب العربي، وعمل كرئيس قسم اللغة والأدب العربي، وأيضًا كعميد لكلية العلوم الإنسانية، قام وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق شمعون بيريز بتعيينه كمستشار للشئون العربية في الجيش الإسرائيلي في الفترة من 1976 إلى 1978، ثم عينه وزير الدفاع الإسرائيلي السابق أريل شارون كرئيس الإدارة المدنية للضفة الغربية وغزة، وظل في ذلك الموقع حتى استقال في عام 1982. (تقرير واشنطن)