أسرار الصفقة الأميركية-الإيرانية

بقلم: أحمد شهاب

تناولت الصحف العربية في الآونة الأخيرة العديد من الموضوعات المتعلقة بأمن المنطقة العربية وكانت أحد أبرز المخاوف التي تناولتها تلك الكتابات هي أبعاد التقارب الإيراني-الأميركي وأثره على مستقبل العلاقات الأميركية-العربية، والحديث المتكرر عن عقد صفقات سرية وحساسة بين الطرفين، قد تكون مؤثرة على أمن دول المنطقة، وتصب في مصلحة استلام طهران لدور أمني أكبر في المستقبل القريب.
وتؤكد تلك الكتابات على أن مؤشرات التقارب بين الدولتين أمست واضحة لكل المتابعين لتطورات ملف المفاعل النووي، ويؤكد هؤلاء أن الادعاءات الثورية في إيران ضد الولايات المتحدة، الشيطان الأكبر، ما هي إلا ستار كبير يخفي خلفه اتفاقات كبرى تستهدف تعزيز المصالح المشتركة على حساب الجانب العربي. يشير أنصار هذا الرأي تحديدا إلى الإشارات الإيجابية المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران، والداعية إلى تهدئة الأزمات بين الجانبين، والحديث الدائر في الكواليس السياسية الأميركية عن إمكانية فتح مكتب تمثيل دبلوماسي في إيران، بعد كسر حاجز الحوار وعقد مباحثات ثنائية رسمية لمناقشة الخلافات العالقة حول أبعاد المشروع النووي الإيراني، وما تلاه من انخفاض ملحوظ لأعمال العنف في العراق، وتحول صيف الشرق الأوسط، ولاسيما في الأراضي الفلسطينية وجنوب لبنان إلى صيف هادئ تكسوه التسويات، وخصوصا بعدما أغلق كل من إسرائيل وحزب الله ملف تبادل الأسرى بإطلاق سراح خمسة سجناء لبنانيين يتقدمهم عميد الأسرى سمير القنطار الذي أمضى قرابة ثلاثين سنة سجينا في الدولة العبرية.
هذا القلق له ما يبرره لدى أنصاره، لكن ما يجب الانتباه إليه أن كل هذه التسويات ومحاولات التهدئة لا تعني أن العلاقات الأميركية-الإيرانية باتت في أحسن حالاتها، أو أنها دخلت طورا جديدا إيجابيا بين الطرفين، إذ إن قراءة دقيقة لمسار العلاقات الأميركية-الإيرانية يكشف لنا، وبوضوح شديد، أن ما يحدث ليس أكثر من مساعٍ لكسب الوقت، يحتاجها الطرفان لتحقيق انتصارات إضافية على المستوى السياسي. فمن المؤكد أن الجمهورية الإسلامية تنحو بكل ثقلها وعلاقاتها للدفع نحو التهدئة والاستقرار حول كل ما يتعلق بالملف النووي، وتجنب كل صور التصعيد العسكري مع الولايات المتحدة، أو السياسي مع المجتمع الدولي.. فالإيرانيون يعلمون تماما أن كل يوم يمر دون تعرض منشآتهم لعدوان عسكري يمثل نصرا إضافيا يسجل لمصلحة إتمام طهران لبرنامجها النووي دون عوائق حقيقية تذكر.
هذه الرغبة الإيرانية في تأجيل الصراع، والاستجابة لنداءات التهدئة، لم تصل حتى الآن إلى تقليل حالة العداء المتجذرة بين الطرفين، وطالما ظلت القوات الأميركية بحجمها الحالي في الخليج، واستمر الإصرار الأميركي على مواصلة مشروع العبث بجغرافية المنطقة ومستقبلها، فإن فرص الوصول إلى تحسن نوعي في العلاقات الأميركية-الإيرانية يبقى بعيدا، وربما هذا تحديدا ما عناه مرشد الجمهورية آية الله السيد علي الخامنئي بقوله «إن الوقت لم يحن بعد لإعادة العلاقات مع الولايات المتحدة»، مؤكدا أن «عدم وجود علاقات مع أميركا هو إحدى سياساتنا الرئيسة، لكننا لم نقل قط أن تلك العلاقة يجب أن تقطع للأبد».
الرؤية الأميركية لطهران ولنظام «آيات الله» في إيران، له دور كبير في توسعة فجوة التقارب، وتقرير استحالة إدارة صفقات سرية بين الطرفين خارج حدود مسار التهدئة العام. فمن المؤكد أن الجمهورية الإسلامية في إيران، كانت ولاتزال، تمثل هاجسا عند صانع القرار الأميركي، وتتحمل في نظر الإدارة الأميركية مسؤولية إرباك المشروع الأميركي في المنطقة منذ انطلاق الجمهورية الإسلامية في العام 1979م وحتى هذه اللحظة، ويميل صُنّاع الرأي في الولايات المتحدة إلى أن قيام النظام الإسلامي الإيراني على أنقاض «النظام الشاهنشاهي» الحليف الاستراتيجي للولايات المتحدة يُمثل الضربة الأولى والقاسية في هذا المضمار، فقد فقدت الولايات المتحدة صديقا مخلصا أخذ على عاتقه تنفيذ الأجندة الأميركية بحذافيرها، واستحق عن جدارة لقب شرطي المنطقة، وحارسها الأمني. كما لعب الإعلام الإيراني، أو المدعوم من النظام الإسلامي في إيران، دورا أساسيا في كشف أهداف الأجندة الأميركية في المنطقة، ورفع حدة المعارضة في وجه الوجود الأميركي، فضلا عن نشاط الخط الثوري داخل إيران وقيامه باحتجاز الرهائن الأميركيين، وهو الحادث الذي لاتزال آثاره سارية حتى اليوم.
أضف إلى ذلك الدور الإيراني في دعم حركات المقاومة والتحرر، بخاصة داخل فلسطين وجنوب لبنان، ضد الكيان الصهيوني، والذي يعتبر حاليا من عوامل التوتر شديدة الحساسية في العلاقات بين الطرفين، نظرا للمكاسب التي استطاع رجال المقاومة تحقيقها خلال حرب تموز/يوليو الفائتة، وانتهاء بالقدرة الإيرانية على تحريك الملف العراقي بصورة أضرت بصورة حادة في نوايا ومطامح أميركا في العراق والمنطقة، ويعتبر الأميركيون الفشل في العراق بمثابة «القشة التي قصمت ظهر البعير»، فأحلامهم تبعثرت بأيدي الإيرانيين. من جهة أخرى، فإن الولايات المتحدة أخذت قرارها بالاستمرار في العمل على احتواء إيران والسعي لعزلها عن المجتمع الدولي، وعن محيطها الخليجي، وسعت إلى تشكيل حلف من الدول العربية المعتدلة في مواجهة إيران، وأغلقت الأبواب أمام إيجاد أية حلول عادلة للمشكلات المتراكمة مع الجانب الإيراني، وربما أبرز ما يشير إلى ذلك تعنتها تجاه المبادرات الإصلاحية التي أطلقها الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي، بل وتصعيدها غير المبرر ضد طهران، وتصنيفها لإيران ضمن محور الشر، في الوقت الذي كان التيار الإصلاحي يبدي استعداداته لرفع سقف الحوار مع واشنطن.
لذلك أميل إلى أن المحاولات الأميركية لإسقاط النظام الديني في إيران لن تتوقف، فصحيح أن خيارات الحرب تبدو مستبعدة تماما حتى هذه الساعة، والإقدام عليها يُمثل مغامرة خطرة على مصالح الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة، لكنها يمكن أن تلجأ إلى محاولة استيعاب النظام الإيراني في المرحلة الأولى، ومحاولة التخفيف من مخاطره ثانيا، ومن ثم العمل على تهميشه وضربه تاليا، وهي سياسة النفس الطويل التي تفسح في المجال أمام الولايات المتحدة لاستعادة أنفاسها بعد فشلها السياسي والأمني الذريع في كل من العراق ولبنان.
لكن من المؤكد أن الأميركيين لم يثبتوا أن نفسهم طويل بما فيه الكفاية، في الوقت الذي أثبت حائكو السجاد أن نفسهم طويل جدا.. لذا فكما أن القوة تصب في مصلحة الأميركيين، فإن الجغرافيا ومعركة النفس الطويل تصب في مصلحة الإيرانيين.
وأعتقد أن المعركة السياسية والأيديولوجية سوف تستمر بين الطرفين، ولا عزاء للتقارب، حتى ولو أبدى النظام الإيراني مرونة أكبر في التعاون مع المجتمع الدولي بحسب المقاييس الأميركية، «فعقلية الكابوي» أو «اليانكي»، لا تعرف سوى لغة الانتقام والإجهاز على الخصم، ولو بعد حين، ولن تكتفي الإدارة الأميركية بتقليص النفوذ الإيراني في المنطقة، أو بتعطيل برنامجها النووي، لكنها سوف تستمر في السعي لتصفية ثاراتها القديمة. احمد شهاب، كاتب كويتي ahmed.shehab@awan.com