تونس: حزب التجديد والشباب والثورة

بقلم: علي الصراف

جددت حركة التغيير شبابها بتجديد حزبها؛ بتحويله الى حزب تحديات أرقى، وبانتقاله الى ضفة المستقبل.
هذا ما يوجز أربعة أيام، بلياليها، من أعمال المؤتمر الخامس للتجمع الدستوري الديمقراطي، الحزب الحاكم في تونس التي اختتمت السبت بانتخاب قيادة جديدة. وهذا ما يوجز أشغالا إنخرط فيها عشرات الآلاف من إطارات الحزب وقياداته على مدى يناهز ستة أشهر من العمل المتواصل، أختتمت بانتخاب رؤى وتطلعات جديدة.
الثمرة كانت أكثر من مدهشة. وهي ستفاجئ كل الذين لا يعرفون أن هذا البلد يبني صروحا غير مسبوقة للمستقبل. إنما، من فوق صروح ما يزال الوصول اليها، بالنسبة للعالم النامي، ضربا من ضروب المستقبل.
القصة في تونس، مختلفة قليلا.
فـ"جمهورية الغد"، كلمتان قد لا تُفهم بوضوح خارج البلد، إلا انها هنا تعني شيئا شديد الإرتباط بالحياة اليومية؛ شديد الصلة بمشاغل الجيل الجديد؛ جيل المستقبل الذي تقول الإحصائيات انه يشكل 55% من مجموع السكان.
لم تكن تونس هكذا عام 1987. ومشاغلها لم تعد كما كانت. على ضفاف ذلك العام، كادت تونس أن تضيع أو تغرق في لجة إنهيارات وفوضى وتحديات من نوع آخر.. سلبية، بل وتدميرية ربما، إذا نُظر اليها من زاوية المخاطر التي غرقت فيها بعض دول الجوار.
اليوم تبدو تونس، كما لو أنها طوت الصفحة.
الماضي صار "ماضيا تاما" للمرة الأولى، ليبيت، وللمرة الأولى أيضا، على إنجاز، وليمضي على مكسب.
وهو مكسب لم تركنه تونس إلا من اجل أن تبني فوقه غيره.
هائل وشاهق ما كان حتى الآن. ولكنه لم يعد يكفي النسور، التي إذا حلّقت، فأنها تحلق عاليا عادة.
ما يشغل تونس وحزبها الطليعي ليس ما فعلت، لتفتخر فيه، وهو حقها، وإنما ما ستفعل، لتستعد له.
والبلد كله صار مثل قائده، ينظر الى الأمام.
أصاب الرئيس بن علي بلده بعدوى الإستشراف والتخطيط من اجل الإنطلاق من قاعدة ما الى قاعدة أفضل؛ من أسس إقتصادية وإجتماعية ودستورية كانت بحد ذاتها جهدا مضنيا، الى عالم أرحب. ومن أجل أن تلتحق تونس، بإمكانياتها المحدودة بالذات، بصفوف الدول المتقدمة.
حزبها الحاكم يخوض حوارات وطنية من أقصى الجهات الى أقصاها بشأن ما يمكن، او ما يجب عمله لمواجهة "تحديات المستقبل".
أحجيةٌ، هذه "التحديات" أحيانا. ولكنها هنا شيء من وقائع وحقائق وأرقام ومعرفة بما يجري من متغيرات محلية وإقليمية ودولية. وتونس لا تملك، ولا تريد أن تملك، "رفاهية" تجاهل ما تعنيه هذه المتغيرات على مجرى حياتها.
المؤتمر انعقد تحت شعار "التحدي".
تحدي ماذا؟ تساءل كل الذين لم يعطف عليهم التاريخ بنسمة من هواء تونس.
أتحدي وحوش الغابة (بما أننا في أفريقيا)؟ أتحدي الإمبريالية (بما أننا في الشرق الأوسط)؟ أتحدي العولمة (بما أننا جزء من عالم مفتوح)؟ أم تحدي الفقر والجهل والمرض (بما أننا دول ما تزال نامية)؟
لا تصارع تونس أحدا لتتحداه. ولا توجد وحوش في الغابة. تونس تتحدى نفسها أولا، وذلك بإقتحام غمار خيارات إقتصادية وإجتماعية وسياسية جديدة. تواصل ما سبق، ولكنها تبني فوقه مستقبلا.
ثم أنها، مثلما تحدت قبل عشرين عاما وضعيتها بين صفوف الدول النامية التي تقف على حافة الهاوية، فانها تتحدى اليوم وضعيتها بين صفوف الدول الصاعدة التي تقف على حافة الرخاء. وتريد ان تتحدى وضعيتها كدولة ذات موارد طبيعية محدودة، في بيئة إقتصادية عالمية مضطربة.
هذه هي كل القصة.
ولكن يا لها من قصة.
وكم كنا بحاجة الى قصة مماثلة، نحن الذين بقينا نردد "قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل"، حول مشاريع إستقلال خسرت. وخطط تنمية انتحرت. ومشاريع أيديولوجية تبخترت، وتبخرت، قبل أن نجد أنفسنا ضائعين "بسقط اللوا بين الدخول فحومل".
أما "لوا تونس" فقد ظل يرفرف عاليا. ولكن ليس مجانا. وليس من دون جهد وتضحية.
لم تنج تونس بإعجوبة ولا بمعجزة من سنوات الركود العالمي بين عامي 2001 و2004. ولكنها نجت بالإستعداد وبفتح آفاق جديدة للإستثمار والبناء والعمل. تراجع مستوى النمو في تلك السنوات قليلا إلا ان المعدل ظل في نحو 5% سنويا.
اليوم توجد قصة مختلفة. النمو مستمر ونحن على مشارف ركود عالمي أخطر، وإرتفاع غير مسبوق لأسعار النفط والمواد الأساسية.
أليس هذا تحديا؟
وبماذا نواجهه؟
اليكم بعض ما حصل.
× × ×
بمقدار ما يتعلق الأمر بالأيام الأربعة التي استغرقتها أعمال "مؤتمر التحدي"، فقد بدأ الأمر بسلسلة جلسات وهيئات أعدت لائحة توصيات.
ولكن ثمة ما كان قد تم قبل إنعقاد المؤتمر، وثمة ما إستغرقت معرفة نتائجه البقاء حتى الرابعة فجرا سبقت صبيحة الإختتام.
في الطريق الى المؤتمر، كانت إطارات التجمع وقياداته ما تزال تواصل أعمال الحوار الوطني، مع الشباب خاصة، حول ما يمكن عمله لمواجهة تحديات الركود العالمي وإرتفاع أسعار المواد الأساسية والمحروقات.
الوجه الآخر للحوار كان الإقتراب من تطلعات الشباب أنفسهم.
التشغيل، كان بطبيعة الحال، هو العنصر الأهم في المعادلة. والرئيس بن علي لم يترك مناسبة إلا وأعتبر تشغيل الشباب أولوية من أبرز أولياته.
ولكن كيف والبلد يُخرّج 60 ألف متخرج سنويا؟ ثم، كيف والقطاع الخاص هو الذي يوفر 90 في المائة من فرص العمل؟ ثم، كيف وأكثر من نصف التونسيين شباب أصلا؟
صحيح ان القدرة الشرائية للتونسي تضاعفت منذ تغيير السابع من نوفمبر 1987 ثمان مرات لتصل الى أكثر من 8300 دولارا سنويا، إلا ان الرئيس بن علي يعتبر ان اللحاق بمصاف الدول المتقدمة يتطلب مضاعفة الدخل مرتين في أفق عام 2016. ومن ثم، يجب أن ترتفع نسب التعليم والخدمات والضمان الإجتماعي الى مستوى مواز.
ثمة نوع من "التقدم" في بعض العالم العربي، لا يتطلب تقدما ولا إحصاء لشيء. فقط مزاعم. والمزاعم قد تكفي لتوفير عشاء لوحوش التطرف والتخلف إلا انها لا تكفي لإقناع شباب غالبيته يصل الى التعليم الجامعي.
النتيجة كانت بأن ذهب التجمع الى الشباب ليتعرف على مشاغلهم، فانتهى الى أن أصبح هو نفسه حزب شباب، وثلث قيادته الجديدة من النساء.
التقدم في تونس ليس مسألة إعتبارات ثقافية أو قيمية أو نظرية مجردة. انه مسألة دخل وخدمات وإمتيازات حياتية أيضا.
وعندما سخنت الإختبارات الإنتخابية، تقدم الجيل الجديد ليحتل مواقعه في أقرب مكان الى الرئيس بن علي.
نعم، يقود الرئيس التونسي حركة تغيير وتحديث متواصلة، أثمرت كل ما أثمرت. ولكن مَنْ قال أن هذه الحركة لا تتطلب تجديدا؟ ومن قال انه، بعد 20 عاما من بدء مسيرة الإصلاح، أن هذه الحركة لا تتطلب إصلاحا يزيل عن كاهلها أعباء تلك السنوات؟ وإذا نظرت الى تونس انطلاقا من أفق عام 2050، فمَنْ، غير شباب اليوم، سيقود البلد في حدود ذلك الأفق؟
المرأة، في المعركة من أجل المستقبل، تحتل مكانا مركزيا. حريتها ومساواتها التي كانت تنطوي على قيمة إنسانية وأخلاقية، صارت تنطوي على قيمة إقتصادية أيضا. ولكنها صارت تنطوي على قيمة سياسية جبارة أيضا وأيضا.
قوى التخلف التي تريد إعادة المرأة الى كهوف الظلام لن تجد في المرأة التونسية إلا عدوا. ولئن تكفي المساواة، في القانون وميادين العمل، بمفردها لطرد أشباح وشرور العصر الحجري، فان حضور المرأة الفاعل في الحياة العامة يشكل مصدرا يوميا لتحدي ومواجهة ثقافة التحجر.
ومن داخل المؤتمر وفي خارجه كانت كل إمرأة هناك شعلة وهاجة للمشاركة في العمل. يركضن، ويتابعن، ويقدمن المساعدة، ويتصببن عرقا. ولا شيء في كل ذلك، بالنسبة لهن، جديدا. تلك هي طبيعة الأمور في ثنايا هذه القصة.
وفي الرابعة فجرا، جاءت المفاجأة: ثلثا اللجنة المركزية للحزب الحاكم تغيّر. جيل جديد جاء، وجيل آخر خرج، ولكن مشكورا ومعززا ومكرما.
أما الدرس، فكان يقول: حزب التغيير الحقيقي لا يعفي نفسه من التغيير. والمصلحون الحقيقيون لا ينسون، في غمرة التجديد، أن يصلحوا أنفسهم أيضا.
هكذا فقط تستطيع حركة التغيير أن تحافظ على شبابها، وعلى قوة الدفع الكامنة فيها.
الذين لم يعرفوا الرئيس بن علي قائدا ثوريا، فانهم لن ينصفوا إصلاحيته الهادئة أبدا.
وتونس تعرفه جيدا جدا. تعرف من أي معدن ضد الفقر والتخلف هو. وتعرف من أي معدن ضد الترهل والتباطؤ في فهم المتغيرات هو. وتعرف أي صانع للمستقبل هو.
هذه هي كل القصة.
ولكن يا له من رجل تحديات،
ويا لها من قصة؟
ولم يكن الرئيس بن علي بحاجة الى أن يقول الكثير أيضا.
ترك دولاب التحديث يدور، فكان كافيا تماما ليجعل من حزب التغيير حزبا للثورة، يستعد، تحت الإجماع على قيادته، الى الإنتقال الى ضفاف دولة المستقبل، التي لا تستثني من ثمار التنمية أحدا.
أليست هذه، في نهاية المطاف، هي كل القصة؟