التجمع الدستوري الديمقراطي يضع تونس على عتبة الإستعداد للمستقبل

تونس
التنمية والحياة الكريمة لا تستثني أحدا

اختتم التجمع الدستوري الديمقراطي، الحزب الحاكم في تونس، أعمال مؤتمره الخامس بإصدار سلسلة من التوصيات والقرارات التي تدفع في إتجاه تعزيز مسيرة الإصلاح والتنمية الشاملة وتعزيز مكانة الشباب والمرأة في الحياة السياسية.
الحدثان الأكثر أهمية لأعمال المؤتمر كانا، أولا، قبول الرئيس زين العابدين بن علي لدعوة الحزب بالترشيح للانتخابات الرئاسية لعام 2009، وهو ما أضفى قدرا كبيرا من الطمأنينة بين أوساط المؤتمر على ان مسارات الإصلاح والتحديث سوف تتواصل بوتيرة تتلاءم مع حجم التحديات الإقتصادية والإجتماعية التي تنتظر تونس في السنوات المقبلة.
ومنح هذا القبول دفعا قويا للمؤتمر، وجعل الإنخراط بأعماله من جانب المندوبين يتسم بالحماس والفاعلية، بالنظر الى انه حسم واحدة من أهم القضايا التي تتعلق بمستقبل التوجهات التي تسلكها البلاد.
ويرى أعضاء المؤتمر أن معترك التنمية والتحديات التي تفرضها الظروف الإقتصادية الدولية تتطلب قيادة مجربة تستطيع توفير أجواء من الثقة في الداخل والخارج حول طبيعة المسارات الإنمائية المستقبلية.
وعبر المؤتمر، كما ورد في لائحته العامة، "عن عظيم فخره وكبير اعتزازه باللحظة التاريخية الكبرى التي استجاب فيها الرئيس زين العابدين بن علي لنداء كافة أبناء شعبه بالداخل والخارج وفي مقدمتهم مناضلو التجمع ومناضلاته بقبول الترشح للانتخابات الرئاسية لسنة 2009".
اما الحدث الثاني، فقد تجسد في نسبة التجديد العالية في عضوية الهيئة القيادية للتجمع.
وكان من الطبيعي لهذه النسبة ان تكون واحدة من أكثر الموضوعات الملفتة للإهتمام. فمن مجموع 350 عضوا في اللجنة، بلغت نسبة الأعضاء الجدد 77.4% أي أكثر قليلا من ثلاثة أرباع الهيئة القيادية العليا، الأمر الذي يعكس حجم التغييرات التي تنتظرها البلاد على أعتاب الإنتخابات الرئاسية والبرلمانية المقررة عام 2009، والبلدية المقررة عام 2010.
وكان من الواضح ان الدعوة التي أطلقها الرئيس زين العابدين بن علي لتعزيز نسبة حضور الشباب والمرأة قد لعبت دورا حاسما في جعل نسبة التجديد لعضوية اللجنة المركزية تبلغ هذا المصاف المرتفع.
ويتفق الكثير من المراقبين المحليين والأجانب الذين راقبوا أعمال المؤتمر على أن هذه النتيجة كانت، في الواقع، ثمرة حركة كبيرة داخل الهيئات القاعدية للحزب الحاكم إستهدفت ليس تجديد دماء إطاراته القيادية فحسب، ولكنها ركزت على إجراء الترشيحات التمهيدية، في أجواء وصفت بأنها مثالية، لضمان وصول مرشحين جدد يتسمون بالكفاءة والحيوية اللازمة لمواجهة تحديات المرحلة المقبلة.
وفي إشارة على مستوى حركة التجديد داخل الحزب الحاكم، تقول بعض المعلومات التي أمكن التقاطها من تصريحات مندوبي المؤتمر انه بينما قامت هيئات التجمع في بعض الجهات بانتخاب هيئات قيادية يمتزج فيها الجديد بالقديم، فان بعضها الآخر انتخب هيئات قيادية جديدة كليا، وأرسل ممثلين الى المؤتمر الخامس لم يسبق أن شاركوا في أعمال مؤتمرات سابقة.
وشملت التجديدات داخل اللجنة المركزية، احتلال النساء 37.4% من مجموع مقاعدها، إرتفاعا من نسبة 22.7%، بينما أصبح الشباب (دون سن الثلاثين) يحتلون نحو ربع مقاعد اللجنة، وذلك بنسبة 25.9%. وهاتان النسبتان هما الأعلى ليس في مجمل تاريخ التجمع الدستوري، ولكنها الأعلى أيضا في أي حزب سياسي في العالمين العربي والإسلامي على الإطلاق، بل وفي نطاق الكثير من الدول المتقدمة أيضا.
اما بالنسبة الى المستوى التعليمي للهيئة القيادية للحزب الحاكم، فتشير إحصائيات المؤتمر الى أن عدد أعضاء اللجنة من ذوي التأهيل الجامعي يبلغ 84.4% بينما يبلغ الأعضاء من ذوي التأهيل الثانوي 15.6%، وصفر للمستوى الإبتدائي، وهو ما يعكس، بدرجة كبيرة من الوضوح، النتائج التي بلغتها سياسات التعليم الإلزامي والمجاني والمستوى المتقدم للإهتمام بالتعليم في تونس الحديثة.
وبحسب المعلومات التي وردت من داخل اجتماعات المؤتمر، فقد جرت إنتخابات اللجنة المركزية في أجواء من الشفافية التامة، حيث أتيح لأفواج المرشحين التجول على مراكز فرز الأصوات ومراقبتها.
وتواصلت عمليات الفرز والتدقيق في النتائج حتى الساعة الرابعة فجر السبت، وهو اليوم الذي اختتمت فيه أعمال المؤتمر.
وبدا من الجلي خلال أعمال المؤتمر أن التجمع، الذي يتمتع بنفوذ شعبي كاسح، حيث يصل عدد منتسبيه الى 2.3 مليون عضو، بدأ يتخلى عن فلسفة الحزب الواحد الذي يهيمن بمفرده على كل مفاصل الحياة العامة ليتبنى مقاربة تقول انه "حزب الأغلبية" تاركا بذلك حيزا مقبولا للمشاركة السياسية من جانب أحزاب المعارضة.
ويناهز عدد سكان تونس 12 مليون نسمة، 55% منهم تحت سن الثلاثين.
ومن المعروف، فإن حجم التصويت في الانتخابات العامة لعام 2004 كان قد منح أحزاب المعارضة نحو 5% من مجموع أصوات الناخبين، إلا ان هذه الأحزاب تحتل 37 مقعدا من مجموع مقاعد البرلمان البالغ عددها 189، أي نحو 20%.
ومن المنتظر، فوق ذلك، ان تحتل أحزاب المعارضة حصة تبلغ 30% من مقاعد البرلمان المقبل. وهو ما يُنظر اليه على انه تأكيد من جانب القيادة التونسية على التمسك بخيار التعددية وتوفير المزيد من الضمانات لتعزيز ثقة هذه الأحزاب بأهلية المؤسسة الديمقراطية التونسية على إستيعاب الصوت الآخر وعلى التعاطي معه كشريك وطني. ولكنه يعبر أيضا عن توجه ضمني، شديد المستقبلية، على دفع أحزاب المعارضة للعب دور أكبر في الحياة العامة، وعلى خوض السباق التعددي من موقع اكثر قوة.
وحسب بعض المندوبين، فمما لا جدال فيه أيضا، ان التجمع الدستوري يعتبر إن مفاهيم التعددية وتداول السلطة، إذا كانت لا تعني تخليا عن التنافس النزيه بين القوى السياسية المختلفة، فمن الحق والطبيعي، والحال هذه، أن يدافع الحزب الحاكم عن مواقعه ونفوذه بين الناخبين بالمستوى نفسه من الحرص على الفوز.
وردما للهوة بين واقع أحزاب المعارضة والطموح بجعلها قوة مشاركة سياسية فعالة، فقد أصبح الإنفتاح على الأحزاب السياسية الوطنية المعارضة وتنمية علاقات التعاون فيما بينها واحدا من أهم الأسس التي يعتمدها التجمع الدستوري لتدعيم المسار التعددي.
وفي هذا الصدد، ذكرت اللائحة العامة (التوصيات) للمؤتمر "أنه من مقومات الديمقراطية ومن أخلاقيات المنافسة السياسية التعبير عن الاراء والمواقف بطريقة سلمية في اطار الثوابت الوطنية وعلى أساس واجب احترام القانون الذى يتساوى الجميع أمامه، مثمنين الدور الريادي الذي يضطلع به التجمع في تكريس الخيارات الوطنية والانتصار لقيم الحداثة".
وفي إشارة الى طبيعة التحديات المستقبلية التي تواجه التجمع، ذكرت اللائحة العامة "ان المؤتمرين إذ يدركون دقة الظرف الذي ينعقد فيه المؤتمر وما يتميز به من تقلبات عالمية من أبرز سماتها الازمة المالية العالمية واحتدام المنافسة في ضوء عولمة الاقتصاد وتحرير التجارة الدولية والارتفاع غير المسبوق لاسعار المحروقات والمواد الاساسية في الاسواق العالمية، فانهم يؤكدون بكل قوة واصرار عزم المناضلين والمناضلات على بذل قصارى الجهد وتعبئة الطاقات من أجل رفع التحديات المطروحة وكسب الرهانات القائمة مستلهمين من ارادة رئيس التجمع وحكمته ما يغذى فيهم روح المغالبة والتحدي".
وبعد أن ذكرت بالأهداف الاستراتيجية التي رسمها الرئيس بن علي للارتقاء بتونس الى مصاف الدول المتقدمة، والمتمثلة بالخصوص في التقليص من نسبة البطالة بأربع نقاط ومضاعفة الدخل الفردي مرتين في أفق 2016، اعتبرت اللائحة العامة "أن تحقيق هذه الاهداف يستوجب رفع عدة تحديات، أولها التشغيل بما يقتضي مواصلة تصويب كل السياسات من أجل كسب هذا الرهان الجوهري".
وفي ختام المؤتمر ألقى الرئيس بن علي خطابا أكد فيه "ان قطار التنمية الشاملة المستديمة بتونس قد أنطلق ولن يتوقف. وسنحرص على أن لا يتخلف عن هذا الركب أي فرد أو فئة أو جهة أو جيل".
وأضاف الرئيس بن علي "ان محدودية الإمكانيات الطبيعية لبلادنا لن تثنينا أبدا عن تحقيق الرفاه والإزدهار لشعبنا، ذلك أن التونسي ينشد دائما الحياة الكريمة، وهو طاقة مشحونة بإرادة الفعل والإنجاز".
وقال "سنواصل السهر على أن يعيش كل تونسي حرا عزيزا كريما في بلد حقوق الإنسان والديمقراطية والتعددية، بلد القانون والمؤسسات والمساواة، بلد الوسطية والإعتدال والتسامح، بلد الحوار والوفاق والتضامن".
وذكر الناطق الرسمي بإسم المؤتمر وزير الخارجية عبدالوهاب عبدالله في ندوة صحفية عقدت عقب اختتام أعمال المؤتمر، ان المؤتمر إتسم بالنجاح على كل المستويات بفضل حسن الإعداد والتوصيات الرئاسية التي أكدت التمسك بالمشروع الحضاري التونسي.
وقال عبدالله ان حزب التجمع "أثبت انه مدرسة للديمقراطية في النص والممارسة، وتجسد ذلك في عملية الإنتخاب التي تميزت بأنها شفافة وسارت في كنف الإلتزام بثوابت الحزب وبمبادئ الديمقراطية".