العراق سلاح ذو حدين أمام ماكين واوباما

واشنطن ـ من إبراهيم غالي
العراق سيثبّت فرص الفوز

ثمة شبه إجماع داخل الأوساط الأميركية المختلفة على أن قضيتي معالجة الوضع الأميركي بالعراق وتحسين الاقتصاد الأميركي ستكونان المحور الأساس الذي تدور حوله مواقف الناخب الأميركي حيال المرشحين للانتخابات الرئاسية المقبلة الديمقراطي باراك أوباما والجمهوري جون ماكين.

وأظهر استطلاع حديث للرأي أجرته صحيفة واشنطن بوست بالتعاون مع شبكة ايه بي سي مطلع يوليو/تموز، أن 36% من المستطلع آرائهم يعتقدون أن الاقتصاد يُمثل القضية المركزية في الانتخابات المقبلة، وذكر 6% أن الرعاية الصحية هي القضية الأهم، فيما اعتبر نحو 25% أن قضايا الأمن القومي وأبرزها معالجة الوضع الأميركي في العراق والحرب على الإرهاب هي الأكثر أولوية.

ويعتقد بعض المراقبين الأميركيين مثل الكاتب بيري باكون من أسرة واشنطن بوست في تقرير نشرته الصحيفة في 8 يونيو/حزيران تحت عنوان "العراق وليس الاقتصاد محور المناظرة الرئاسية" أن ارتفاع معدل البطالة وغلاء أسعار المحروقات وتراجع مؤشرات أسواق المال كلها أمور تجعل الوضع الاقتصادي والقضايا المعيشية محل الاهتمام الأكبر بالنسبة للناخب الأميركي، لكن ذلك لا يمنع من التأكيد على أن المناظرة بين المرشحين حول كيفية معالجة الوضع في العراق ستشكل السياق الذي سيجري في إطاره تثبيت وضعية أي منهما كرئيس أميركي محتمل.

ومعروف أنه عشية كل انتخابات رئاسية يعمل كل من الحزبين الكبيرين على تحديد أي من القضايا ستصب في صالح مرشحه الرئاسي. وفي هذه الانتخابات، وكما يرى ويليام غالسون المستشار السابق للرئيس بيل كلينتون للشؤون الداخلية، فإن ثمة اتفاق داخل الحزبين على أن السياسات الخارجية والدفاع هي القضية الأكثر إثارة وفي القلب منها يقع موقف المرشحين من العراق.

العراق وإعادة تقييم المواقف

ويبدو الاختلاف بشأن الحرب على العراق على أشده بين المرشحين في هذه المرحلة. ففيما يقول سيناتور إلينوي بأن رئاسة ماكين ستكون بمثابة فترة رئاسية ثالثة للرئيس الحالي بوش، فإن سيناتور أريزونا يقول بأن أوباما لا يملك الخبرة الكافية عسكريا لتحديد الطريقة المثلى لمعالجة الوضع بالعراق.

وكذلك فقد تبادل مسؤولو حملتيهما الانتخابية الانتقادات مبكرا. تقول سوزان رايس مستشارة المرشح أوباما لشؤون السياسة الخارجية ان "الأمن القومي سيكون مناظرة أوباما المفضلة" وتضيف "ماكين يُعد الطفل المقلد لإدارة بوش الفاشلة في السياسة الخارجية". بينما يقول توكر بوندز المتحدث باسم المرشح ماكين ان "معارضة أوباما للحرب دليل على ضعفه وسوء تقديره وعدم استعداده لأن يعمل كرئيس أركان".

وفيما بقي أوباما تقريبا على ذات مواقفه من العراق والتي اتخذها ضد هيلاري كلينتون أثناء الانتخابات التمهيدية، فإن ماكين استبق الحملة الانتخابية بتوجيه انتقادات لمواقف أوباما، سواء ما يتعلق منها بتحديد جدول زمني لانسحاب القوات من العراق أو لمعارضته زيادة حجم القوات سابقا.
كما أن ماكين أراد أن يُوضح ضمنيا عدم اهتمام أوباما الكافي بمعالجة الوضع في العراق، فذكر أنه لم يقم بزيارة العراق منذ يناير/كانون الثاني 2006 ولم يعقد اجتماعا واحدا مع قائد القوات الأميركية في العراق الجنرال ديفيد بترايوس.

أما أوباما، فانتقد ماكين بشدة بسبب رغبته استمرار وجود القوات في العراق قائلا "هناك رؤية واحدة: ماكين-بوش لشؤون السياسة الخارجية" أي لا اختلاف بين الرجلين. وذلك في إطار محاولة أوباما الاستفادة من مواقف الرأي العام الأميركي ضد إدارة بوش بسبب سوء وضع القوات الأميركية بالعراق.

وفي هذا السياق ووفقا لاستطلاع أجرته مؤسسة غالوب لاستطلاعات الرأي العام في الفترة من 15 إلى 19 يونيو/حزيران ونشرته صحيفة يو إس توداي في 23 يونيو، فإن سبعة أشخاص من بين كل عشرة يعتقدون أن سياسات ماكين ستشبه سياسات بوش، بينما يعتقد 50% أن أوباما سيسير باتجاه إحداث تغييرات كبرى على هذه السياسات.

ورأت الأغلبية أن أوباما هو المرشح الأقدر على تفهم احتياجات الناس ومصالحهم الخاصة، فيما اعتبرت الأغلبية أن ماكين هو الأقدر على معالجة قضايا الأمن القومي لأنه القائد الأقوى ذو الخبرة العسكرية.

تبدل المواقف حيال العراق ولأن السجال حول العراق سيشكل مجال التجاذب الأكبر بين المرشحين، فقد بدأ كلاهما في تعديل بعض مواقفه السابقة تجاه كيفية العمل في العراق.

بالنسبة لأوباما فقد وضع رؤيته للوضع العراقي أثناء الانتخابات التمهيدية وتتمثل في سحب معظم القوات الأميركية خلال الـ16 شهرا الأولى لرئاسته، بحيث يعود للوطن كل شهر واحد أو اثنين من الألوية الخمسة عشر الأميركية الموجودة الآن بالعراق. ويرى ضرورة بقاء بعض القوات هناك لحماية السفارة الأميركية ولتكون بمثابة قوة خاصة لتنفيذ مهمات مضادة للإرهاب، وإن كان أوباما لم يوضح تفصيلا حجم القوات التي قد تستطيع تنفيذ هذه المهمات.

وعلى النقيض، عارض ماكين بحزم تحديد أي جدول زمني لسحب القوات تحت ذريعة أن هذا الانسحاب يعتمد أولا على أمن أميركا القومي، وثانيا لأن تحديد جدول زمني سيضعف من فاعلية جهود القوات هناك وهي التي أحرزت تقدما ملحوظا في العام الأخير.

على أنه بعد نهاية الانتخابات التمهيدية وفي ظل محاولة كسب الرأي العام، بدأ كل من المرشحين في محاولة إدخال بعض التعديلات الإجرائية على رؤيته لمعالجة الوضع العراقي. فماكين يحاول اجتذاب شريحة كبيرة من الناخبين يرونه الرجل الأقوى لمعالجة الوضع في العراق من خلال عدم إقفال الباب أمام تحديد موعد لسحب القوات.
ولهذا ذكر ماكين في خطاب حديث له أن "مهمتي الأولى لدى الوصول للرئاسة هي تحديد تاريخ للانسحاب" قائلا "نريد وجود أقل حجم ممكن من القوات بالعراق حتى عام 2013".

وفي مقابلة مع شبكة سي أن أن في 5 يونيو، ربط أوباما بين تحقيق الانسحاب وبين بعض الأولويات، مؤكدا على أنه "ينوي سحب القوات الأميركية من العراق لكن هذا الأمر سيتم بالاتفاق مع القادة العسكريين على الأرض". ووضع أوباما ملامح رؤيته في بعض النقاط، وهي:

- أن الإجراء الأفضل هو وضع جدول زمني واضح للانسحاب وإبلاغ الحكومة العراقية بذلك.

- أن همه الأول هو ضمان أمن الجنود الأميركيين خلال عملية الانسحاب لأن سحب الجنود عملية معقدة للغاية وليس سهلا إعادة آلاف الجنود والتجهيزات من العراق.

- يجب أن يوازى الانسحاب تعزيز دور الأمم المتحدة والوكالات الإنسانية في العراق للحيلولة دون حصول عمليات تطهير عرقي.

- أنه ما يزال أمام الجنود الأميركيين الكثير الذي يجب القيام به في العراق كما أنه يتوجب على العراقيين تسوية المسائل الصعبة لأن جنودنا لن يبقوا هناك إلى الأبد.

وتدل هذه الأمور على أن رؤية أوباما للوضع العراقي لا تزال في طور التشكل خاصة وأنه أكد لوزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري في 16 يونيو بأنه لن يتخذ قرارات عاجلة بخصوص الوجود العسكري الأميركي في العراق، وأنه إذا أصبح رئيسا فإن "إدارته لن تقدم على خطوات تؤدي إلى تقويض النجاحات الأمنية والعسكرية الحالية وسوف تتشاور مع الحكومة العراقية والقادة الميدانيين للبت في مستقبل القوات الأميركية في العراق".

الرأي العام.. ارتباك شديد

وإزاء هذا الاختلاف بين رؤية الرجلين وتفاوت قدرة كل منهما على تحقيق أداء جيد في العراق، فإن ثمة ارتباك شديد يسود أوساط الناخبين الأميركيين توضحه معظم استطلاعات الرأي التي أجريت خلال شهر يوليو/تموز.

وتشير معظم هذه الاستطلاعات إلى حقيقة تفوق ماكين على أوباما في معالجة القضايا الأمنية وعلى رأسها الوضع في العراق والحرب على الإرهاب، فيما يتفوق أوباما في قضايا الاقتصاد والرعاية الصحية وشؤون السياسات الداخلية الأخرى.

ووفقا للاستطلاع الذي أجرته صحيفة واشنطن بوست وشبكة أي بي سي، فقد ذكر 71% أنهم سيختارون ماكين باعتباره الرجل الأكثر خبرة بينما اختار 18% فقط أوباما. وأوضح الاستطلاع تفوق ماكين على أوباما بنسبة 41% في معرفة شؤون السياسة الخارجية.

المعضلة العراقية تبدو واضحة بجلاء وهي تحدث ارتباكا شديدا لدى الناخب الأميركي، إذ على الرغم من معارضة غالبية الأميركيين للحرب على العراق واعتبارها حربا في المكان الخطأ ومعرفتهم مواقف ماكين الواضحة من الحرب منذ البداية وحتى رفضه وضع جدول زمني لانسحاب القوات الأميركية، فإنهم لا يرون في المرشح الديمقراطي أوباما الخيار الأمثل لتنفيذ سياسات ناجحة في العراق بل على النقيض يرون المرشح الجمهوري هو الأقدر على معالجة الوضع الأميركي بالعراق وعلى محاربة الإرهاب.

وقد نشرت وكالة أسوشيتدبرس في 25 يونيو نتائج استطلاع للرأي أجرته بالاشتراك مع موقع ياهو الإلكتروني، يوضح هذه المفارقة.
ولدى سؤال المستطلعة آراؤهم حول أي المرشحين أكثر قدرة على القيام بأداء ملائم وفعال بالعراق، تفوق ماكين على أوباما بهامش يتراوح بين 33% و39%، فهناك واحد من بين كل ثلاثة أشخاص يرونه القائد الأكثر قدرة وفاعلية على معالجة الوضع في العراق، في حين يوجد واحد من بين كل عشرة أشخاص يرى أن أوباما الذي لم يخدم في القوات المسلحة هو الأفضل لأداء هذه المهمة.
وبالنسبة للحرب على الإرهاب، فقد اعتقد أكثر من ثلثي المستطلعة آراؤهم أن ماكين هو الأفضل واعتبروه مرشح الأمن القومي، وهو الدور التقليدي للجمهوريين. والغريب أيضا هو ارتفاع نسبة من يرون ماكين هو الأقدر على إدارة هذين الملفين حتى بين أوساط الناخبين الديمقراطيين وكذلك الناخبين المستقلين.

وتوضح هذه النتائج ارتفاع نسبة مؤيدي ماكين في رؤيته لمعالجة هذه القضايا بين الفئات الثلاث، كما توضح ارتفاع نسبة الناخبين الديمقراطيين المؤيدين لماكين عن نظيرتها لدى أوساط الناخبين الجمهوريين المؤيدين لأوباما، وهو ما يضع علامات استفهام كثيرة حول مدى تفوق أوباما على ماكين في مقاربة التأزم الأميركي بالعراق وسائر قضايا الأمن القومي.

ورغم ذلك يرى بعض المراقبين الأميركيين أن ذلك ربما لا يؤثر على أوباما كثيرا، اذ تشير نتائج نفس الاستطلاع إلى وجود تعقيد كبير يخص ماكين. فرغم تعريفه من غالبية الناخبين بـ"الرجل الأقوى" إلا أنهم قد لا يصوتون لصالحه في الانتخابات، فمن بين كل خمسة أشخاص يعارضون الحرب على العراق يوجد شخص واحد يؤيد وصوله للرئاسة.

ومن جانب آخر يرى البعض أن فرص أوباما تعد الأفضل إذا ما قرر غالبية الناخبين اعتبار الاقتصاد هو الهاجس الأميركي الأكبر. ويرجعون ذلك إلى اختلاف بيئة الانتخابات هذه المرة عن انتخابات 2004 حينما سيطرت قضايا الأمن القومي والحرب ضد الإرهاب على الناخب الأميركي، لكن في 2008 تبرز قضايا ارتفاع أسعار الطاقة وباقي المشكلات الاقتصادية لتكون لها الأولوية الأولى وهو ما يعزز فرص أوباما في الوصول للبيت الأبيض.

لكن قضية الأولويات القابلة للتغيير لا تمنع من تأكيد بعض المحللين الأميركيين على أن قدرة ماكين والحزب الجمهوري على تصعيد قضايا الأمن القومي خلال الآونة المقبلة سوف تعزز ولا شك من فرصه هو الآخر حتى وإن رآه أغلب الأميركيين يسير على نهج إدارة بوش التي أثبتت فشلها على صعيد معظم ملفات السياسة الخارجية. (تقرير واشنطن)