عقيدة رقص: هل باتت الرواية ديوانا جديدا للعرب؟

بيروت
الشعر يتزوج القصة

عند قراءة عدد من الاعمال الروائية التي قد يكون من اواخرها عمل الكاتبة الكويتية ميس خالد العثمان "عقيدة رقص"، قد تعود الى النفس اسئلة درجت على ان تطل برأسها في مجالات عديدة في الحقبة الاخيرة.

من الاسئلة -او التساؤلات- واحد يتعلق في ما غدا شبه مسلّمة عند عدد كبير من النقاد ودارسي الادب وقد عبروا عنه بما معناه ان الرواية في العالم العربي ازاحت الشعر وحلت محله او ان عهد الشعر انصرم فحلت محله الرواية وتحولت الى "ديوان العرب" الجديد.

وهذا التساؤل لا يغفل عن امر هو ان الشعر -وعلى رغم سيطرة ما سمي بالاتجاه المغرق في الواقعية بسماته الالية التي تطبع كثيرا من اعمال هذه الايام- كان ولا يزال "يسكن" كثيرا من الكتابات الروائية ويعطيها حياة وايحاء شرط ان يغني الكتابة القصصية. الكتابة القصصية الشعرية اذن ليست امرا طارئا بل هي عريقة في الحياة الادبية.

لكن ربما بدا لقارئ عدد من الاعمال الروائية العربية في هذه الحقبة ان الشعر "معبود العرب" التاريخي الذي كان قد تربع لزمن طويل على عرش الادب العربي والذي قيل ان عهده افل وحلت الرواية محله قد عاد في شكل اخر. لقد عاد وتلبّس كثيرا من الاعمال القصصية العربية.

والشعر في هذه الحال وعلى عكس ما ألفناه في "الرواية الشعرية" لا يشكل على رغم حرارته وتأثيره قيمة اضافية بل هو اقرب الى ما يسمى "حمولة اضافية". انه يرهق العمل الروائي ويحول كثيرا من انماطه الى شعر يتخذ شكلا قصصيا.

كأن الامر عند البعض يجسد ما يحمله المثل الانكليزي الذي يقول "العادات القديمة يصعب ان تزول". ونستطيع في هذه الحال ان نقرأه كما يلي "الحب القديم يصعب ان يموت".

اما الاحتمال الاخر فربما كان اشد "ايذاء" اذ يظهر عددا من الكتاب العرب في حال تشبه العجز عن فهم العمل القصصي وانهم -على عكس نخبة كبيرة من الروائيين- في حاجة الى مزيد من الزمن والتخمر والممارسة.

وقد يشعر القارئ الناقد ان ما يقال اليوم عن تداخل الاجناس الادبية وزوال الحدود بين مختلف الانماط لا ينفع في تبرير اعمال من هذا القبيل. ولا بد من القول ان في كثير من هذه الاعمال نتاجا شعريا جميلا ونصوصا قصصية موفقة لكن المأخذ يبقى على تلك "الكيمياء" التي سعت الى المزج بين الاثنين ولم تدرك ما قد يؤخذ على العمل في مثل هذه الحال.

رواية ميس خالد العثمان شكلت مناسبة تذكرنا بهذا الامر. ولا شك في ان هناك ظلما كبيرا للكاتبة وللكتاب اذا تصورنا هذا الكلام وصفا لعملها المؤثر في كثير من المجالات او حتى تعليقا عليه. انه نافذة تذكرنا -ربما لانها فيها قدرا كبيرا مما يؤثر- بهذا الاتجاه.

ورواية ميس خالد العثمان الكاتبة والصحافية التي جاءت في 145 صفحة متوسطة القطع صدرت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر. والرواية "عراقية" مسرحا وأحداثا ومشاعر.

تبدأ الكاتبة بكلام تحت عنوان "اضاءة" تنقل فيه عن قاموس المورد للدكتور روحي البعلبكي عن معنى "رقص". نقرأ بعد ذلك كلاما من رواية "زوربا" لليوناني نيكوس كازانتزاكي هو "لدي اشياء كثيرة اقولها لك لكن لساني قاصر عن ذلك.اذن سأرقصها لك".

وتحت عنوان هو "ما قبل الاهداء" كلمات من "اوشو" عن الموسيقى وان يعيش المرء الحياة كرقصة. بعد ذلك وفي مسك ختام قبل الاهداء صفحة من الشعر لشاعر من الكويت هو محمد هشام المغربي. ومن قوله "بغداد يا وطني.. السراب.. الغائب.. المغروس في لحمي.. محال ان يفسر موقفي احد" وينتهي بالقول "سنعود يا ارضي نقبل تربة عيّت خضوعا.. خلّفتنا ها هنا رغم المنافي شامخين".

وتحت عنوان "تستدير الى الابد" تبدأ الرواية شعريا وبجمال معرّفة بالبداية فتقول "قمرنا كان هلالا تتدلى منه نجمة متأرجحة تتوارى بطفولة وراءه. بقيت ابحلق به لانني كنت اظن بان القمر غادر سمانا.. غادرنا.. ترك دجلة وحكايات الناس التي كانت تذكي ضوءه كلما ند سر جديد من افواههم.. كنت على يقين ان القمر قد تركنا فعلا فاسحا المجال لهرطقات الشيوخ على المقاهي ولعب الطاولة وثرثرات النساء ومرح الاطفال".

"في ايلول (سبتمبر) 1989 في اخر ليلة من بلد اللاقمر قالت تلك العجوز التي زارتنا كالمصادفة الثقيلة وتفننت في تمزيق ساعاتنا الاخيرة: مع اسرتي كنا نفترش حبنا ونلوك كل الحكايات التي ترسبت في ذاكرة اعطبتها الحروب.. الالم.. الخوف.. السجن والهرب المتواصل".

"قلت: الغيم يتوالد.. والقمر يندس ليختفي مجددا. قالت العجوز: القمر غادرنا منذ زمن.. الى هناك رحل ينظر الينا بعين منكسرة.. فضل تلك الارض التي تحييه كل مساء بالقران والنور والصلوات".

بعد نضال ودخول السجن قررت البطلة ان تهرب من العراق. تقول "كنت جاهزة كي اولد بعد ساعات من رحم ارض اخرى". تقول عن امها الباكية ولها "كنت اشاطرها البكاء دون ان احدد سببا واضحا لله لكنني كنت اتمنى لو اصرخ بكل ما اوتيت من شباب بأنني لا احبكم وبأنني سأدفن نفسي في رمل غريب لانني مختلفة ولانني ورثت التمرد عن ابي".

تركب السيارة التي سيسير بها سائقها جنوبا. تضع الكاتبة بعد كل بضع صفحات عناوين شعرية منها مثلا "كل شيء مكبل.. من يستطيع منعك من استذكار اجمل ايامك؟.. من يحشر نفسه بينك وبين شاعرية الاشياء؟".

تتحدث مع السائق الذي سألها عن سبب مغادرتها العراق بعد انتهاء الحرب فتقول "اصارحه بان هذا الوطن اللعين لم يمنحني سببا واحدا لاحبه بجنون. لا تصدقني.. ربما كل ما حدث ويحدث لي لانني احبه بطريقتي الخاصة جدا تلك التي لم يفهمها حتى اقرب الناس الى روحي".

في الرواية تراكم عن الالام والماسي التي تنتج عن الحرب في العراق ولبنان وغيرهما من خلال ضحايا لها جمعتهم زمالة عمل وصداقة في الكويت. الا ان هذه القصص المفجعة والرهيبة لا تضيف كثيرا الى العمل الروائي وتكاد تكون نفس الصور التي تحفل بها اعمال اخرى فاشكال الموت العديدة لم تعد غريبة على الانسان العربي في شكل خاص. المهم هو الرؤية التي تستخدم فيها هذه القصص لتوصل الى غاية فنية او انسانية معينة فلا يقتصر وقعها على مجرد اثارة التفجع.

في الفصل الاخير من الرواية تبرز سمات العمل كلها او جلها وتصوير لنهايات تبقى حزينة في كل الوانها. عنوان الفصل هو "ملطخ بالتوت" وهو يبدأ على الشكل التالي: "انتفاخ هل تمضي الحياة هكذا.. علامات حمراء.. يومان اقل.. خمسة اكثر.. اقلب حزن اجندتي.. لتتقافز نقاطي القانية بايام تظل تتباعد وتقترب من دون كلل. وحدها مزاجية الايام تتشابه بينما يتنامى على جلدي مؤشر الاحساس بالالم الى درجة لا يغفرها جسدي".

ميس خالد العثمان كاتبة شاعرة تترك اثرا في النفس دون شك. لكن قد يكوّن القارئ انطباعا بأنها لو كتبت النص الشعري منفصلا ليأتي ابنا للتجربة الشعورية الخاصة به لجاءت بشعر جميل ولجاءت نصوصها القصصية اكثر تحررا ورسوخا بدلا من سقوط الحمولة الزائدة عن الشعر والرواية كليهما.