سوريا وإيران وحزب الله يستنجدون بإسرائيل!

بقلم: عبدالله العجمي

يبدو أننا نشهد نهاية مأساوية حقيقية لمحور الصمود والممانعة هذه الأيام. فدول وأحزاب هذا المحور تُقدِّم الآن لقوى الاستكبار والهيمنة والإمبريالية أضعاف ما تُقدِّمه دول محور الاعتدال، التي كانت وحتى وقت قريب توصف من لدن دعاة محور الصمود والممانعة بالخونة والعملاء وأذناب الإمبريالية والاستسلاميين!
في غضون شهر واحد تداعت قطع دومينو الصمود والممانعة واحدةً وراء الأخرى، و انكسرت سلسلة الحلقات المشدودة، ورأينا أطراف هذه السلسلة يتسابقون فيما بينهم على خطب الود الإسرائيلي.
في شهر واحد عقد النظام السوري في ظل وساطة تركية سلسلة من المفاوضات غير المباشرة مع الإسرائيليين، وستتحول قريباً لتكون مفاوضات مباشرة!
في ذات الشهر الواحد بدأنا نرى غزلاً "عفيفاً" لم نعهده من قبل بين الأميركيين والإيرانيين بعد أن ظننا أن الحرب آتية لا ريب فيها، فسمعنا قبولاً إيرانياً بفتح مكتب يدير المصالح الأميركية ويكون نواة لافتتاح سفارة في المستقبل بعد أن كان الإيرانيون يصفون هذه المكاتب بمكاتب الجاسوسية!
وأيضاً في ذات الشهر الواحد رأينا حزب الله يتصل بالإسرائيليين من خلال وسيط ألماني لإتمام صفقة تبادل للأسرى طال انتظارها!
حتى نفهم الذي أصاب سفينة الصمود والممانعة كي تهرب فئرانها هذا الهروب المريع، علينا أولاً أن نقرأ المشهد الدولي ونرى موقع سوريا وإيران وحزب الله من هذا المشهد:
سوريا حتى قبل هذا الشهر كانت تقع تحت ضغط دولي وعربي هائل، فمحكمة قتلة الحريري سائرة في طريقها وقد تطال رأس هرم النظام. والغرب بمعية أميركا وإسرائيل غير راضين عما أشيع من عمل سوري دؤوب بمساعدة إيرانية وكورية شمالية لعمل مفاعل نووي عسكري، الأمر الذي دفع إسرائيل لضربه قبل شهور. والدول العربية الكبرى كمصر والسعودية غير راضين عن التغلغل الإيراني في الشأن العربي من البوابة السورية، وهو ما جعل القرار السوري عملياً في يد الولي الفقيه الإيراني.
في ظل ظروف كهذه فضَّلت سوريا الهروب إلى الأمام والاستنجاد بإسرائيل لفك عزلتها الدولية عوضاً عن الاستنجاد بالعرب حفاظاً على كبريائها ! وسوريا حين تعمل ذلك هي تدرك جيداً أن حليفتها إيران كنت لتفعل الشيء نفسه، وكذلك حليفها اللبناني حزب الله. كما أن سوريا قبل أي أحد آخر تدرك أن علاقتها بإيران وحزب الله هي علاقة تكتيكية تفرضها موازين القوى الحالية وليست علاقة استراتيجية طويلة الأمد. وإسرائيل تدرك أيضاً أنها لن تجد نظاماً مثل النظام الحاكم في سوريا تطير طائراتها فوق سمائه وتخترق أجوائه وتُحلِّق فوق قصره الرئاسي ثم لا يطلق رصاصة واحدة. زد على ذلك أن جبهة الجولان هي الجبهة الأهدأ في العالم منذ ثلاثين سنة. ولذا فإسرائيل لا ترضى بديلاً عن هذا النظام، وبدلاء هذا النظام هم إما جماعة إعلان دمشق أو الإخوان المسلمين تحديداً وهما مرفوضان إسرائيلياً وبشدة. ولذا رأينا في مرات كثيرة أنَّه كلما زادت الضغوط الأميركية على سوريا وبدأ نظامها يهتز، تدَّخلت إسرائيل ونفَّست على النظام قليلاً. ولقد رأينا في الأيام القليلة الماضية كيف أعطت إسرائيل شهادة حسن سيرة وسلوك للنظام السوري سمحت له بالانفتاح على فرنسا وعلى غيرها بالرغم من مجزرة سجن صيدنايا التي لو حدثت في وقت آخر لعُلَّقت الحكومة السورية من عرقوبها!

قد لا يعجب هذا الكلام بعض السوريين لكنها الحقيقة الفاقعة: إسرائيل معنيِّة ببقاء هذا النظام.
أما على الجانب الإيراني فكلنا شاهدنا قبل حوالي الأسبوعين كيف لحس الإيرانيون الذين اعتدنا صراخاتهم وتهديداتهم وجعجعتهم دون طحنهم، رأينا كيف لحسوا كل ما قالوه، وذلك حين شعروا أن الضربة الأميركية قادمة هذه المرة لا ريب فيها. خصوصاً بعد أن رأى الجميع الضعف الكبير الذي تشكو منه منظومة إطلاق الصواريخ الإيرانية والتي حاول الإيرانيون التعمية عليه من خلال برنامج الفوتوشوب. زد على ذلك أن الغرب قد فاض كيله من جراء التعنت والمماطلة الإيرانية حول عمليات التخصيب النووي. إضافة إلى أن الدول العربية باتت حازمة جداً تجاه الدور الذي تلعبه إيران في إثارة الأقليات الشيعية ودعمها في أماكن كثيرة من العالم العربي كما في لبنان وسوريا والبحرين والكويت واليمن والسعودية. والأهم من هذا كله هو أنَّ الحلفاء السوريين كانوا أكثر ذكاءً مما يظنه الإيرانيون فقد عزموا أمرهم على التضحية بإيران قبل أن تضحي بهم، فالوقت مهم جداً هنا. لأن الإيرانيين لو لم يسبقهم السوريون في مد الجسور مع إسرائيل لاستخدموا الموقف السوري كورقة لتحسين شروطهم التفاوضية على حساب حليفهم السوري ! لذا فحين شعر الإيرانيون بأنَّهم لوحدهم وأنَّ الأمر جُدٌّ وليس مجرد شعارات، تحوَّل الخطاب الإيراني الخارجي - الداخلي هو خطاب تجييش عاطفي لا وزن له - ليكون هادئاً وحليماً وودوداً حتى أنَّه ولأول مرة بعد الثورة الشيعية الخمينية يُصرَّح أنَّه بات من الممكن فتح مكتب لإدارة المصالح الأميركية. وقرأنا تصريح نائب الرئيس الإيراني بأن لا عداء لإيران مع الشعب الإسرائيلي، وهو ما دفع أحد الظرفاء للقول : يبدو أن نجاد يخطط لصنع قنبلة نوعية تمحو الحكومة والجيش الإسرائيليين فقط دون المساس بالشعب الإسرائيلي الصديق. في إشارة إلى تصريح سابق يناقض ما قاله نائب الرئيس حيث صرَّح نجاد وقادته العسكريين في السابق بأنَّهم سيمحون إسرائيل من الوجود. الشعب الإسرائيلي اليوم هو شعب صديق لإيران، والمشكلة اليوم هي مجرد عداء لحكومة أولمرت فقط ! يا له من تحوَّل نوعي..
أما حزب الله أو حزب ولاية الفقيه كما يحلو للبعض تسميته فلن يجد صديقاً وعدواً في ذات الوقت أفضل من إسرائيل. قد لا يكون هناك تواطؤ بين الطرفين، لكن هناك ولا ريب مصالح مشتركة تتحرك في إطارها العام وفق الرؤية الإيرانية – الإسرائيلية. وكلما وقع حزب الله في أزمة تداعى إلى الإسرائيليين إما بصنع حرب صغيرة أو صفقة ما كي "تُنفِّس" مرجل الأزمة الداخلية التي يمر بها. قبل يوليو/تموز 2006 كان حزب الله في أزمة الحوار الداخلي وكان سلاحه على طاولة المفاوضات، حيث لم يعد لوجوده مسوغ قانوني بعد تحرير الشريط الحدودي، ولا رافعة سياسية بعد خروج السوريين. وكان أغلب الفرقاء يريدون حسم موضوع السلاح، وأن لا يكون هناك سلاح خارج إطار الدولة، وهو ما كان يرفضه الإيرانيون الذي يريدون أن يكون هذا السلاح - كما كانت سوريا - ورقة لتحسين شروطهم التفاوضية مع الأميركان. لذا وجدت إيران أن أفضل حل لخلط الأوراق هو الحرب مع إسرائيل وحصل ما يعرفه الجميع من حرب مدمرة أعادت لبنان 30 عاماً إلى الوراء (أي قبل مجيء الثورة الشيعية الخمينية لإيران بخطوة)! وكلنا رأينا تداعيات هذه الحرب على اللبنانيين على كافة الأطر والمستويات. ورغم ذلك ظلَّ حزب الله وأتباعه ومؤيدوه يتعاملون مع الحرب التي انتهت بتوقيع حزب الله ورقة القرار 1701 التي تٌصفي الوجود المسلح للحزب، وكأنَّه الانتصار الإلهي! وهو الانتصار الذي ظل الحزب يعزف على وتره طويلاً، ويفرض من خلاله أجندته السياسية على الفرقاء الآخرين، وكل من لا يوافق كان خائناً وعميلاً وصهيونياً ! حتى ملَّ الشعب اللبناني هذه الأسطوانة، وبدا واضحاً أن المزاج الشعبي اللبناني في غالبيته الساحقة آخذٌ بالتغيِّر فلقد كان يظن أن المقاومة والتحرير أمران مؤقتان وليسا دائمان، وخاضعان للمصلحة اللبنانية وليس للإيرانية أو السورية.ولذا وجد حزب الله نفسه في مأزق جديد، والسلاح دائماً ما يضع أصحابه في مآزق ويكون عبأً عليهم إن لم يستخدموه ! فاستخدمه الحزب، ولكن على أهالي بيروت، حيث احتل في 7 مايو/آيار 2008 عاصمة لبنان في خطأ فادح لم يظن أكثر كارهي الحزب أنَّه يجرؤ عليه! لكنها ولاية الفقيه الإيرانية التي أعلن الأمين العام لحزب الله وبما لا يدع مجالاً للشك في ولائه أنه عضوٌ فيها يفتخر بانتمائه إليها!
بعد أحداث آيار تهاوت شعبية الحزب في لبنان وفي العالم العربي إلى أدنى مستوياتها، وبات واضحاً على المستوى الشعبي أن شعارات المقاومة والتحرير والاستقلال والقدس وفلسطين ليست سوى أقنعة للترويج للحزب ومن ورائه إيران ومصلحتها. ولذا كان الحزب في حاجة لإسرائيل كي تعيد له شعبيته المفقودة، فكانت عملية الأسرى وجثامين الشهداء. ولا أدري ما الذي حلَّ في جثامين 1200 لبناني قتلتهم حرب يوليو/تموز 2006. يبدو أنهم لا يوفرون للحزب التغطية الدعائية التي يريدها!
ثم سمعنا بمهزلة الاتصالات والرسائل التلفونية التي تصل للبنانيين من أشخاص إسرائيليين يحذرونهم فيها من دعم حزب الله ! وهي حركة بائخة يُراد بها دعم حزب الله وليس التحذير منه، فالجميع يعرفون اليوم أن الصهاينة والأميركان إذا أرادوا دعم أي مرشح في لبنان أو إيران هاجموه وحذروا منه. وكلنا رأينا جورج بوش يدعو الإيرانيين لعدم ترشيح المحافظين وقبل ذلك دعا لعدم اختيار أحمدي نجاد، فهل يظن بوش أو أي عاقل آخر أن الشعب سيستجيب لنصائحه أم أنَّه بفعل عاطفته الجياشة الساذجة سيختار أعداء بوش وخصومه ؟! إن من مصلحة الأميركان وجود يميني متطرف كأحمدي نجاد، ومن مصلحة نجَّاد وجود حكومة يمينية أميركية. فالأميركان والإيرانيون في حاجة دائمة إلى وجود عدو خارجي كي يحشدوا المجتمع وموارده ورأيه العام خلفهم.
في لبنان هناك مصلحة لإسرائيل في وجود حزب الله قوي، كي تُدمِّر لبنان كلما شعرت أن لبنان نهض من كبوته وبات قادراً على أن يجعل من نفسه منارة ديموقراطية سياسية وتجارية وفكرية وثقافية وسياحية عالمية، وستجد ألف مبرر ومبرر والبركة في حزب الله ! وحزب الله من مصلحته ومصلحة إيران أن يكون قوياً فيمنع تحضَّر لبنان واستقلاله وسيادته وحريته، مثله مثل إسرائيل، كي يبقى لبنان رهيناً للمصالح الإيرانية.
لم يبق لهذه المقالة سوى أن تطرح سؤالين كبيرين في ظل ما يجري:
الأول: ما الذي ستُقدِّمه سوريا وإيران وحزب الله لإسرائيل، وليس ما تُقدِّمه إسرائيل، لأن إسرائيل اليوم هي الطرف القوي وهي الوكيل الحصري للانفتاح على العالم الخارجي اليوم؟
الثاني: على حساب منْ سيكون التقارب الإسرائيلي الأميركي - الإيراني السوري؟ وما الذي بالإمكان فعله لمنع وقوع المصالح العربية الاستراتيجية في قبضة هذين المحورين المتقاربين؟

عبدالله العجمي