طريق النفط معبد الى 200 دولار للبرميل

إعداد: م.م.م. (مركز معلومات ميدل إيست اونلاين)
برميل النفط يتجه الى سقف الـ 200 دولار

سجل برميل النفط في لندن صباح الخميس سعرا قياسيا جديدا بلغ اكثر من 146 دولارا ممهدا الطريق الى بلوغ الخط السحري الأول البالغ 150 دولارا، قبل ان يشق طريقه، حسب توقعات بعض المحللين، ليبلغ أعتاب 200 دولار للبرميل. بل ان الكسي ميلر مدير عام عملاق الغاز الروسي غازبروم توقع الخميس ان يتجاوز سعر برميل النفط "قريبا" ال250 دولارا، ومتوقعا ارتفاعا مماثلا لاسعار الغاز. كما توقع ميلر ان يصل سعر الغاز الذي تبيعه غازبروم في اوروبا الغربية الى 500 دولار لالف متر مكعب في نهاية 2008 في مقابل 370 دولارا في اذار/مارس.
ويقول محللون ان هناك ثلاثة عوامل رئيسية على الأقل ستدفع بأسعار النفط الى تجاوز عتبة الـ 150 دولار وصولا الى عتبة الـ 200 دولار.
الأول، هو إستمرار حاجة الولايات المتحدة الى خفض قيمة عملتها وذلك لخفض قيمة الديون التي تصل الى 9 تريليون دولار، وخفض قيمة العجز التجاري الذي يرجح ان يصل في نهاية هذا العام الى نحو 8500 مليار دولار. الأمر الذي يؤدي تلقائيا الى الدفع بأسعار النفط الى المزيد من الإرتفاع.
والثاني، ان العديد من الدول كانت التي تمول هذا العجز بشراء سندات الخزانة، مثل الصين واليابان، بدأت بالتخلص من أعباء هذه السندات التي تتضاءل قيمتها بإستمرار بشراء المزيد من النفط لأغراض التخزين وذلك طالما ان غالبية الدول المصدرة للنفط ما تزال تقيم نفطها بالدولار.
والثالث، هو ان القيمة الوظيفية للنفط كمصدر للطاقة ما تزال رخيصة قياسا بمصادر الطاقة الأخرى.
ومن حيث المبدأ فان إرتفاع أسعار النفط، وإن كان يلحق ضررا جسيما بالغالبية العظمى من دول العالم، لأسباب ليس أقلها إرتفاع أسعار المواد الغذائية وإرتفاع معدلات التضخم، إلا ان هذا الإرتفاع ما يزال يعود بالفائدة على شركات النفط الأميركية التيس تجني عوائد ضخمة من عمليات الإستخراج والتصفية.
والواقع، فان تجاوز برميل النفط لقيمة 150 دولار سيجعل من الاحتياطات الضخمة للقار (الثقيل جدا) في الولايات المتحدة مثمرة من الناحية التجارية. مما يتيح لشركات النفط الأميركية فرصا إستثمارية محلية كبيرة.
وكانت توقعات "وكالة الطاقة الدولية" ترى أن إجمالي العرض العالمي من النفط - متضمنا النفط غير التقليدي ومن أمثلته سوائل الغاز الطبيعي وفوائض التكرير - يمكن أن يكون في حالة عجز مؤكدة بحلول 2010 عن مواجهة الطلب العالمي المتزايد، وأن العالم يمكن أن يواجه بحلول العام المذكور عجزا يقدر اكثر من 20 مليون برميل يوميا، وهو ما سيعمل على محافظة على مسيرة الارتفاع في الاسعار لتقترب من حاجز 200 دولاراً.
وكان العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز قال في مقابلة صحافية مؤخرا ان سعر النفط ما يزال رخيصا، وشدد على أن إرتفاع السعر لا علاقة له بحجم النفط المعروض من النفط، وانما بالمضاربات التي تراهن على إستمرار الإرتفاع.
الى ذلك، فان الزيادة المتوقعة في الطلب المستقبلي على النفط تستند الى حقيقة ان إستهلاك الصين البالغ نحو 7 ملايين برميل يوميا (لـ1.3 مليار نسمة) ما يزال محدودا للغاية مقارنة بالولايات المتحدة التي تستهلك 24 مليون برميل يوميا (لعدد سكان لا يتجاوز 300 مليون نسمة).
وفي احصاءات دولية نُشرت عن الاستهلاك العالمي تبين ان استهلاك الصين من النفط تضاعف الى المثلين بين 1994 و2003 وسيتضاعف مرتين السنة 2010.
وتعتقد وكالة الطاقة الدولية بان الاستهلاك الدولي من النفط سيكون اعلى بنسبة 50 في المئة في السنة 2030.
ويعتقد انه اذا اتجهت الصين والهند (2.5 بليون نسمة) الى السماح لسكانهما بامتلاك سيارات وفق الاسلوب الاميركي في استهلاك الطاقة فان العالم سيواجه مشكلة لن يستطيع مواجهتها على الاطلاق. وعلى سبيل المثال لا يملك سوى 10 اشخاص من كل الف صيني سيارات، مقابل 480 سيارة لكل الف في الولايات المتحدة.
وهذا يعني ان سوق النفط يجب ان توفر كميات من النفط لا تستطيع وسائل الإستخراج الحالية تلبيتها على الإطلاق.
وتقول مؤسسات أبحاث غربية أن الإرتفاع المستمر في أسعار النفط، يعود الى عوامل إضافية لا تقل أهمية. فهناك كميات ضخمة من الإحتياطات إلا أن الإستثمارات في عمليات التكرير والتصفية والتي تكلف نحو 50 من قيمة الإنتاج ما تزال محدودة، بالنظر الى أن عمر النفط في بعض البلدان، ومنها البلدان الخليجية، (يتراوح بين 20 و40 عاما) لا يشجع على تكريس أموال طائلة قد لا تستوفي قيمتها.
ويشير تقرير لمؤسسة (Merrill Lynch) إلى أن كلفة العثور على النفط وتنميته ارتفعت منذ منتصف التسعينيات بمعدل 10% سنويا في المتوسط. الأمر الذي يجعل من الضروري تشجيع الاستثمار في صناعة النفط. وذكر التقرير أن أحد السبل الى ذلك يمكن ان يتحقق بالحفاظ على سعر لبرميل النفط يوفر عائدا مقبولا لهذه الصناعة.
وتاريخيا، فقد ظلت اسعار النفط ثابتة من حيث قيمتها الاسمية عند 1.80 دولار للبرميل على امتداد ربع القرن السابق حتى حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، كما لم يتجاوز نصيب الدول المصدرة للنفط 85 سنتا للبرميل في ظل سيطرة الشركات العالمية على الموارد النفطية في العالم.
ولما استردت الدول المصدرة للنفط، في ظل تلك الحرب، حريتها في تحديد الإنتاج والأسعار، ارتفع السعر من 3 إلى 12 دولارا وبلغ ذروته عام 1980 عند 32.50 دولارا، وإن كان لم يتجاوز في ذلك العام 15.50 دولارا بدولارات عام 1973 نتيجة لموجة التضخم العارمة وتدهور قيمة الدولار الذي يستخدم لتسعير النفط.
غير أن أسعار النفط الاسمية لم تلبث أن أخذت في التآكل خلال النصف الأول من الثمانينات ثم انهارت إلى 13 دولارا عام 1986 لتستقر حول 17-18 دولارا خلال الفترة 1987/2000، وهو ما يعادل من حيث القيمة الحقيقية (Price in real terms) نحو خمسة دولارات بدولارات عام 1973.
وجاءت الزيادة الكبيرة في الطلب العالمي على النفط خلال عامي 2003 و2004 وما اقترن بها من العوامل الجيوسياسية العنيفة في الشرق الأوسط؛ كصدمة مفاجئة لأسواق النفط، فارتفع السعر معبرا عنه بمتوسط سعر سلة أوبك (OPEC Reference Basket ORB)، من 25 دولارا خلال الأعوام 2000/2002 إلى 28 عام 2003 وإلى 36 عام 2004، وإلى نحو 49 دولارا خلال العام المنتهي بنهاية أغسطس/آب 2005.
وسيواجه العالم ابتداء من 2010 تقريبا حقيقة أن الباقي من النفط في جوف الأرض أقل جودة وأصعب استخراجا، وسيبدأ ضخ النفط بالتناقص، وسيبلغ الإنتاج العالمي من الغاز الطبيعي أوجه في حدود 2020، أما الفحم فقد بدأ بالفعل يدخل في مرحلة التناقص، بالإضافة الى ان مضاره البيئية كبيرة للغاية.
أما الطاقة المتجددة المستمدة من الرياح والشمس فهي لا تشكل سوى جزء يسير لا يذكر من الطاقة التي يحصل العالم عليها. ومع أن هناك مصادر أخرى كثيرة للطاقة، مثل الطاقة النووية والنفط الثقيل والرمال النفطية، ولكنها مكلفة استخراجا ومعالجة. وفي حالة التحول إلى مصادر بديلة للطاقة فإن المجتمعات الصناعية بحاجة إلى إعادة صياغة وتصميم، وسيحتاج ذلك إلى استثمارات هائلة.
ويتداول المحللون عدة تصورات لخفض الإستهلاك، من قبيل الحد من قيادة السيارات، او خفض قيمة الضرائب المفروضة على البنزين والغاز، إلا ان هذه التصورات تبدو غير عملية وغير ناضجة. وأكثر من ذلك، متأخرة جدا حيال ضغوط الطلب المستقبلي المتزايد. وهكذا، فقد لا ينتهي عام 2010 إلا وسعر برميل النفط قد بلغ عتبة الـ 200 دولار.

مركز معلومات ميدل إيست اونلاين