مصر تكافح للحد من النمو السكاني

القاهرة
عدد السكان في مصر سيصل الى 160 مليون نسمة بحلول عام 2050

لافتات باللونين الاحمر والابيض انتشرت على امتداد جسور نهر النيل وشوارع القاهرة هذا الشهر هي أحدث الجهود التي تبذلها مصر لكبح جماح مشكلة ملحة بشكل متزايد الا وهي نمو السكان بمعدل أسرع مما يستطيع الاقتصاد أن يدعمه.
ومنذ تولي الرئيس محمد حسني مبارك رئاسة البلاد عام 1981 تضاعف عدد السكان تقريبا. لكن معظم سكان البلاد البالغ عددهم 76 مليونا مكدسون في مناطق حضرية قرب نهر النيل في منطقة تعادل مساحتها مساحة سويسرا تقريبا والتي يسكنها 7.5 مليون نسمة فحسب.
"قبل ما نزيد مولود نتأكد ان حقه علينا موجود" شعار انتشر ليضاف الى سلسلة من الحملات التي نظمت على مدار 30 عاما لتشجيع تنظيم الاسرة. وقال مبارك امام مؤتمر للسكان عقد برعاية الحكومة ان هناك حاجة ماسة الى خفض النمو السكاني.
وفي ضوء أن نحو خمس السكان يعيشون على دخل يقل عن دولار في اليوم ومع رفع أسعار الغذاء والوقود للتضخم ليسجل مستوى قياسيا خلال 19 عاما تزداد حدة الاستياء. لكن بعيدا عن المخاوف الداخلية قد تصبح مصر نموذجا لاتجاه عالمي.
فوفقا لمنظمة الامم المتحدة من المنتظر أن تتزايد أعداد الفقراء اكثر واكثر بحلول عام 2050 وسيعيش كثيرون في البلدات حيث سيقفز اجمالي عدد سكان العالم الى 9.2 مليار نسمة. وسيكون معظم النمو في الاساس في الدول الاقل تقدما.
وتوضح مصر -حيث الهوة بين الاثرياء والفقراء شاسعة وحيث مقاومة تحديد النسل المستهدف مسألة شائعة- كيف يمكن أن يحدث هذا.
"مستحيل" هذا ما قاله محمد احمد وهو سائق سيارة أجرة بالقاهرة واب لخمسة ابناء وهو يلوح بسيجارة في الهواء تأكيدا لكلامه حين سئل عن نداء مبارك بالابطاء من معدل النمو السكاني مضيفا أن هذا "بأمر الله وحده".
ويشير البنك الدولي أن نحو 38 في المئة من المصريين أعمارهم أقل من 15 عاما وأن النساء يمثلن نحو 22 في المئة فقط من قوة العمل لهذا فان الحافز لتحديد النسل ضعيف.
وظل معدل النمو السكاني مرتفعا بشكل عنيد بنسبة نحو اثنين في المئة على مدار العقد الماضي فيما استقر معدل الخصوبة عند نحو 3.1 أطفال لكل امرأة مقابل 2.1 في الولايات المتحدة.
ومع افتقار مصر لاحتياطيات النفط التي تتمتع بها شقيقاتها من دول الخليج العربية لتمويل الاستثمار فان النمو الاقتصادي الذي شهدته مؤخرا وبلغت نسبته نحو سبعة في المئة لم يكن ثابتا بما فيه الكفاية لبناء طبقة متوسطة يعول عليها.
وقال ميلاد حنا عضو البرلمان السابق والكاتب في صحيفة الاهرام "الانفجار السكاني أزمة لا تعلم الحكومة كيف تعالجها".
وفي حين تشكو الحكومة من الضغوط على مصادر البلاد المحدودة خاصة المياه والارض الخصبة اذ ينعدم سقوط الامطار تقريبا فانها تجنبت استخدام الحوافز أو السياسات التأديبية لتعديل السلوكيات.
ويقول حنا ان اتخاذ اجراءات صارمة مثل الحد من المزايا للامهات بالنسبة لمن لديهم أسر كبيرة العدد والتي ساعدت ايران في الابطاء من معدل نموها السكاني بشدة خلال التسعينات ينطوي على خطورة سياسية في مصر حيث ثارت احتجاجات بالفعل على نقص الغذاء.
ومصر ليست بصدد اباحة الاجهاض وهو الامر الذي ساعد تونس على خفض مستويات الخصوبة بها كما ان عمليات تعقيم الرجال التي تجري في ايران نادرا ما يسمع بها في مصر.
وينظر المصريون خاصة في الريف الى الاسر الكبيرة العدد على أنها مصدر للقوة الاقتصادية. ويستمر كثيرون في الانجاب الى أن يرزقوا بصبي.
وأضاف حنا أن السكان سيستمرون في النمو والحكومة لا تملك الا توجيه نداء.
ويقول مسؤولون مصريون ومسؤولون بالامم المتحدة ان مستقبل مصر والمنطقة سيكون قاتما اذا استمرت اكبر دولة عربية من حيث عدد السكان في النمو بالمعدلات الحالية.
وقال ماجد عثمان رئيس مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء ان "العواقب ستكون تدهورا حقيقيا في نوعية الحياة وفي مساحة الارض الزراعية المتاحة لكل فرد".
وأضاف "نعتمد بشدة على السلع الغذائية المستوردة وهذا سيزيد".
ويقول مبارك انه اذا لم تتباطأ معدلات النمو فمن الممكن أن يتضاعف تعداد سكان مصر ليصل الى 160 مليون نسمة بحلول عام 2050. لكن الحكومة المصرية تأمل في أن يستقر العدد عند 100 مليون نسمة ويقول عثمان ان "اكثر من هذا سيكون صعبا".
وفي غياب سقوط الامطار بكمية كبيرة فان العامل المقيد الاكبر هو اعتماد مصر على مياه النيل التي يتعين أن تتنافس عليها في مواجهة منافسيها أعلى النهر.
وتستخدم مصر بالفعل اكثر من حصتها من مياه النيل والتي تبلغ 55.5 مليار متر مكعب في العام وقد تضطر الى خفض استهلاكها اذا استخدم السودان مزيدا من المياه او اذا حولت دول أخرى من دول حوض النيل مثل اثيوبيا واوغندا مزيدا من المياه لانفسها.
وفي معاهدة وقعت عام 1959 اتفقت مصر والسودان على أن تحصلا على معظم مياه النيل التي تصل اليهما مستبعدتين دول حوض النيل الاخرى التي لم توافق على احترام هذا الاتفاق.
في الوقت نفسه فان الحكومة المصرية تنقل مياه النيل الى عمق الصحراء من أجل التنمية الحضرية والاراضي الزراعية المستصلحة لزراعة المزيد من الغذاء.
والخروج من وادي النيل هو الخيار الواضح لتخفيف التكدس في الاماكن المزدحمة مثل القاهرة حيث يعيش 41 الف شخص في كل كيلومتر مربع في بعض الاحياء. وبالمقارنة يعيش نحو 27 الف شخص في الكيلومتر المربع في مانهاتن.
لكن بعض الخبراء يتساءلون عما اذا كانت الخطة التي وضعتها الحكومة لاستصلاح 3.4 مليون فدان من الصحراء بتكلفة 70 مليار دولار على مدار السنوات العشر القادمة والتي ما زالت مصر ماضية قدما فيها قابلة للتحقيق بالنظر الى القيود على المياه.
ويقول زياد الرفاعي ممثل صندوق الامم المتحدة للسكان في مصر ان استمرار معدل النمو السكاني المرتفع في مصر يمكن أن يؤثر على الدول المجاورة.
وأضاف "اذا انخفضت الخدمات الاجتماعية العامة للناس عن حد معين فان هذا يؤثر على الاستقرار في المنطقة ويؤثر على الهجرة. وكلما ساءت الظروف بات ازدهار التطرف اكثر سهولة".
ويحاول عشرات الالاف من المصريين سنويا الوصول الى اوروبا وليبيا او دول الخليج بحثا عن وظائف برواتب لا يستطيعون أن يجدوها في وطنهم. ويلقى كثيرون حتفهم في البحر في طريق الهجرة غير الشرعية الى اوروبا.
ويميل مبارك الى تجنب ذكر عدد محدد للاطفال لكن الحكومة تقول انها تفضل أن يكون لكل أسرة طفلان.
ويقول علي عبد اللطيف (34 عاما) وهو حارس أمن يعول طفلين بمرتب شهري يبلغ نحو 70 دولارا انه سيكون من الخطأ اعلان عدد محدد.
وأضاف مبتسما "زوجتي تحمل بسهولة شديدة... لهذا لا بأس في استخدام وسائل منع الحمل من أجل صحتها لكن تحديد عدد للاطفال... هذا حرام".
وعلى الرغم من أن رجال الدين في البلاد التي يمثل المسلمون 90 في المئة من سكانها يبيحون استخدام وسائل منع الحمل بشكل عام فان كثيرين لا يوافقون على استهداف عدد محدد من الاطفال.
وتشير فتوى على منتدى اسلام اون لاين على شبكة الانترنت وهو منتدى يحظى بشعبية ويحتوي على فتاوى وأحكام اسلامية الى أن الاسلام يحرم تنظيم النسل خشية الفقر او منع الحمل بشكل مستديم.
وقال سليم العوا الامين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين "من وجهة نظر دينية أنا ضد دعوة الرئيس مبارك. الدولة ليست الله والدولة ليست الخالق. يجب الا نحاول الحد من عدد أطفالنا".