على قيد الكتابة...

بقلم: نهلة الجمزاوي
أنا أكتب إذا أنا أعيش

أن تظل على قيد الكتابة، تلك شجاعة تستحق عليها وسام الصبر، في ظلّ المثبطات التي تحاصر قلمك كل لحظة يقطر فيها فكرة.
سلسلة من الإحباطات التي باتت تطوق روح المبدع وتدفع به ليزجّ بنفسه ونتاجه في الظّل فلا هو مفرغ ما يركض في ذهنه، ولا هو قادر على المكوث في الصمت.
أن تحتفظ بعافية الكتابة التي تشبه شنق النفس على حدّ تعبير "همنغواي"، من أجل أن تخرج القطعة الكلامية ذات جدوى معرفية، أو متعة أدبية قادرة على التأثير، صالحة لأكثر من زمان وأكثر من مكان، أمر بات في غاية الصعوبة، يتطلب قدرا من الصمود، كي تحتفظ بأقدام ثابتة أمام المنزلقات التي تطوق مشيتك. وتجعلك في حيرة أمام ذاتك، فلا أنت مهرول خارج أسوارك ولا أنت تحظى بإمكانية التعبير عنك دون تشويش.
وإذا اعتبرنا جدلا، أنّ أحد المثبطات لإستمرار الكاتب في مهمته الشائكة تلك هي السلطة بأشكالها كما أثبت تاريخ الثقافة أزلا، نقول: ليست وحدها السلطة السياسية من تتبع خطى الكلمات وتعدّ على الكاتب أنفاسه ولا حتى السلطة الإجتماعية أو الدينية أو حتى الكيديّة، بل ثمة سلطة أمرّ وطأة، هي سلطة الجهل المعرفي من قبل القائم على تقييم النتاجات الذهنية وإظهارها بوسائل التلقّي متعددة الأشكال، ذاك الذي هو حصيلة ظروف لا شأن لها بالمنتج ولا بصاحبه ولا بأسس التقييم أو التقويم. ليكون هذا المثبط غير المرئي في أغلب الأحيان، هو الأكثر من غيره حدّا وتأثيرا في عملية إنتاج الكتابة.
القدرة على تواصل الكاتب مع وعيه بممارسة فعل الكتابة ، باتت مهمة نضالية عليه أن يتسلح من أجلها بأسلحة متعددة، أبرزها الجدّ الدائم في طلب المعرفة الرافدة لمشروعه الكتابيّ، بعد الإيمان المطلق بهذا المشروع، وتحديد ملامحه وجدواه وقدرته على التأثير والتغير، حتى لا تتحول العملية إلى تبذير ذهني لقدرات الكاتب فيخرج بمولود مشوه قاصر عن ممارسة دوره في الحياة.
ولا بد من تحرير الإمكانيات، كضرورة من أجل الإستمرارية التي تضمن الشروع بجديد لا سابق له، وليرفع الكاتب المناضل شعار "أنا أكتب إذن أنا أعيش"، بمعنى الإصرار على التواصل الحقيقي والدائم مع مفردات الحياة، ومقاومة مقوضاتها عبر فعل الكتابة الذي يشبه كائنا مضطهدا، دائم التعرض للإزالة والإزاحة أو حتى الطمس.
ولا بدّ أيضا، أن يشهر قلمه ليظلّ على قيد الكتابة حرّا طليقا يصنع مكانه في ذاكرة الثقافة كمراكم للموروث الإنساني والحضاري. كاتبة أردنية
Jimzawi1@yahoo.com