لوحات معدنية

قصة: بشرى أبوشرار
أريد لوحة أرقامك

اليوم كان موعده مع موظف البنك, ليوقع على سحب نصف مليون جنيه, ثمن سيارة تنتظر في صالة المبيعات, تلمع تحت أشعة الشمس.
ترقب تحركاته من فتحة النافذة وهو يقترب من سيارته مزهوا بذاته, يدور حولها, يتفحصها من جميع جوانبها, يلصق وجهه بزجاجها, أما سيارتها فتقف بجوار حافة الرصيف المقابل, وقد تهالكت أبوابها, تقشرت حوافها, تشقق طلاؤها الكاشف عن حديدها الصدىء.
أرقام لوحتها ثلاثة أرقام, وسيارته لم تحمل لوحة بعد، قال لها:
ـ أريد لوحة أرقامك, حددي موعدا لتذهبي لإدارة المرور, وتخلعين لوحتك, تنقلينها على أوراق سيارتي.
لم تظهر له أي رفض في أخذ لوحات سيارتها, واستبدالها بأرقام أخرى.
أخذت طريقها لإدارة المرور, الزحام في الساحات والردهات, تجاهد لأخذ مكان لها أمام الشباك, تناول أوراقها من خلف زجاج, تمر الموظفة بعينيها على الأوراق, تشير لها للاتجاه نحو الشباك المجاور, ثم المقابل, ثم إلى الطابق العلوي, وقرار فحص سيارتها من جديد, تخرج لساحة السيارات ليناظرها الموظف, يقطب حاجبيه على جدية صارمة:
ـ ما هذه السيارة؟! كيف تسير بهذه الحالة؟!
شد الأوراق من يدها, ووقع بالحبر الأحمر "إصلاح ومتانة".
عادت لذات الشباك, والعرق زاحف من أعلى جبينها, ليستقر في تجويف عينيها, ويواصل محاذيا أنفها, ترفع يدها تزيح بلالا من قطرات الملح, تحاول أن تستعيد مكانها بين الجموع أمام زجاج الشباك, تنفست الصعداء لحظة أن دفست يدها تحت القاطع الزجاجي, لتتحقق من أوراقها, رفعت الموظفة عينيها تبحث عن صاحبة الأوراق, نادت, أجابت:
ـ أنا.
بلهجة قاطعة قالت لها:
ـ لن تسيري بهذه السيارة سوى شهر واحد, هي فترة سماح, تصلحينها وتعودين إلينا مرة أخرى.
ناولتها ورقة ختم عليها, سماح لشهر واحد, أشار لها الموظف لتتبعه, حيث يرفع اللوحة القديمة.
جلس القرفصاء أمام سيارتها, يحاول شد اللوحة وتحريكها من مكان سكنت إليه لسنوات طويلة, لهب الشمس يفتح مسامات وجهه, فتنفر حبات عرق من ملح, تناول مدقة هاجعة على الأسفلت بجواره, قبض عليها بقوة, يدق بها على المسامير المثبتة, لم تطاوعه من الإنعتاق من جسد السيارة, يدق بعنف أكبر, انشطر المسمار, تدحرج جزء منه أسفلها, والجزء الآخر ترنح في ناحية أخرى وسكن بين كومة أحجار مبعثرة, تناثر الصدأ أسفل اللوحة ذات الثلاثة أرقام, تناولتها الموظفة تتهيأ لتثبيتها على سيارته الأميركية اللامعة تحت وهج الشمس. بشرى أبوشرار