بسمة النسور في مختبر السرديات المغربي

من إعداد: الزهرة صدقي
مزيدا من الكتابة مزيدا من الوحشة

في فضاء حميمي يحمل كل أصالة الطابع المغربي بالدار البيضاء، وبرفقة الفنان المغربي يوسف شناني، نظم مختبر السرديات وجمعية الكتبيين البيضاوية ونادي القلم المغربي لقاء ثقافيا مفتوحا مع القاصة الأردنية بسمة النسور، الأحد 29يونيو/حزيران 2008 بفضاء الحرية عين الشق الدار البيضاء.
ترأس أشغال هذا اللقاء الشريشي لمعاشي (رئيس نادي القلم المغربي) الذي أكد أهمية مثل هذه اللقاءات الثقافية الهادفة إلى المساهمة في تشييد منظومة ثقافية وإبداعية عربية بالأساس، وفي هذا الإطار يأتي اللقاء المفتوح لمقاربة منجز بسمة النسور الإبداعي.
ثم تناول الكلمة شعيب حليفي (رئيس مختبر السرديات) الذي رحب بالقاصة، مشيرا إلى أن ما يميز المبدعة العربية بسمة النسور هو جمال الروح في الكتابة وأيضا الدينامية التي يخلقها نصها القصصي على القارئ أو المستمع، ولعل ما جعلها تنماز بهذه المميزات هو كونها لا تكتب من أجل الكتابة وإنما تكتب جزءا حميما منها، ثم تناول الكلمة يوسف بورة (رئيس جمعية الكتبيين البيضاوية) مؤكدا أن الغاية من هذا اللقاء هو المحافظة على قيم الجمال حية فاعلة ومنفعلة في روح الإنسان أيا كانت آفاقه وانتماءاته. المبدعة والإبداع تدخل، في البداية، القاص أنيس الرافعي، منسق هذا اللقاء، بورقة تحمل عنوان "القاصة بسمة النسور اعتقال الغابة في زجاجة" معتبرا في البداية أن المبدعة العربية بسمة النسور ممن لهن حضور فاعل ومكانة رفيعة في المشهد الثقافي والقصصي العربي، ويشهد على ذلك اهتماماتها فهي محامية وكاتبة عمود صحفي ومناضلة حقوقية، ومسئولة إدارية ومؤلفة للنص المسرحي والقصصي، ناهيك عن كونها رئيسة تحرير مجلة "تايكي"، منتقلا إلى الحديث عن مجاميع بسمة النسور القصصية التي وصفها بجزالة اللفظ وقوة المعنى وحصافة أكاديمية وسمتها بالتنوع، تترفع عن النزعات التبشيرية الدعوية وهو ما عزز حضورها في مختلف المنابر الثقافية والإعلامية.
ويرى الرافعي أيضا أنه ما كان لبسمة النسور أن تعتلي هذا المقام لولا تمارين شاقة في الكتابة استطاعت معها أن تستغني عن الموهبة وأن تكسب ثقة مبدع من عيار جبرا إبراهيم جبرا في تقديمه لمجموعتها الأولى "نحو الوراء" 1991 زادها رفعة ومكانة وجعلها من المبدعات القلائل، مثل جميلة عمايرة، وسامية علوط، وسميحة خريس، وتريز حداد، ومريم عريس، ممن قدن الحركة الإبداعية والنسوية في تسعينيات القرن المنصرم إلى اليوم.
بعد أنيس الرافعي تناول الكلمة الناقد الأدبي محمد معتصم الذي قدم مداخلة تحت عنوان "نثرية ومرجعية القصة القصيرة جدا – بسمة النسور نموذجا" فأشار في البداية على أن قصص الكاتبة تسعف تحديد بعض مراجع الإحالة في هذا النوع الأدبي الجديد الذي شهد ويشهد إقبالا متزايدا في العالم العربي خاصة بعد انتشار تقنيات إلكترونية ورقمية، وقد ساعد على توسيع مساحة الاتصال وتقليص في المقابل مساحة الحوار. أي أن تقنياتها جعلت شبكة الاتصال بين المبدعين والمتلقين تتشعب وحققت للتلقي غايته وبات المبدع يجهل تماما نوعية المتلقين ومؤهلاتهم واختصاصاتهم وميولهم الأدبية والفكرية والعلمية.
هكذا تصير القصة القصيرة مع بسمة النسور ضيقة المساحة مختزلة الكلام، كل هذا جعل الباحث يستنتج ثلاثة عناصر مميزة لهذه الكتابة٬ أولا نثرية القصة القصيرة جدا. ثانيا تمركز الزمن في القصة القصيرة جدا. ثالثا تدمير هرمية السرد في القصة القصيرة جدا.
وفي إطار تحديده للمرجعيات التي تتقاسم النصوص القصصية للكاتبة قدم الناقد أربع مرجعيات أساسية:
- المرجعية الثقافية: الرموز والإشارات الدينية /حكايات الأطفال.
- المرجعية النوعية (الأجناسية): الخبر /الشعر.
- المرجعية الإنسانية: العلاقة العاطفية بين الرجل والمرأة.
- المرجعية الوجودية: قلق الحياة وقلق الموت.
المتدخل الثالث كان هو الباحث بوشعيب الساوري بمداخلة وسمها بـ "من القلق الوجودي إلى أمل اللحظات بدل الضائعة – بصدد مجموعة (مزيدا من الوحشة)" – إذ اعتبر الساوري أن قصص المجموعة تنقسم إلى قسمين، الأول يحتوي على تسع قصص قصيرة والثاني يتضمن اثنتين وثلاثين قصة قصيرة جدا، تختار الكاتبة الجمع بين صيغتين لكتابة القصة القصيرة في كتاب واحد ترصد فيها صورا وموضوعات تتداخل فيها الذات بالعالم، تزاوج بين الأحلام والطموحات والرغبات وبين الحزن والفراق والموت، من جهة ومن جهة أخرى بين العبث والأمل، ترصد حالات لشخصيات نسائية اختارت رفض ومواجهة كل أشكال الخضوع والاستسلام أمام أعراف وتقاليد المجتمع المتخلفة المكبلة للأذهان. تكشف عن خبرة القاصة بدواخل شخصياتها تتسلل إليها عبر منطقة الأحلام والكوابيس والظواهر النفسية المعقدة. ولم يتأت لها ذلك إلا انطلاقا من خلفية معرفية تتأسس على تبصر بأسس علم النفس وقضاياه.
أما المداخلة الرابعة، فقد قدمها الباحث عمر العسري تحث عنوان "المحكي واللامحكي في مجموعة (مزيدا من الوحشة)" حيث أكد أن منطلق هذه القراءة هو اعتبار ما تتضمنه من قصص حمالة لوعي ورسالة معينين قد ينتصبان كموقف ذي طبيعة أيديولوجية أو فكرية أو سياسية من قضية ما تروم المؤلفة إيصالها إلى ذاكرة التداول والتلقي ولتسليط الضوء على هذا الطرح حاول الباحث الانطلاق من منافذ أساسية هي:
ـ المحكي النسواني: حيث تراهن بسمة النسور حسب الباحث على حقيقة الاتجاه القوي لكتابتها عن المرأة ولتمثلها العميق لواقعها.
ـ أما المحكي الثاني فهو الذاتي الذي عمدت فيه الساردة إلى توظيف الأنا والغائب، فأنا الساردة تستخدم تقريبا نفس الأساليب والطرائق عند تحليل أنا الحدث.
أما المحكي الثالث المعنون بالمحكي اللاشعوري، فيذهب الناقد إلى أن المجموعة القصصية استطاعت سرد كمٍّ من الرغبات والمخاوف الحسية في اللاشعور والتي ظهرت في شكل صور سلوكية شاذة وخيالات باذخة. أقترف القصص ولا أكتبها في نهاية هذا اللقاء الذي صاحب كل فقراته الفنان المغربي المتميز يوسف شناني بأغان من كلمات محمود درويش وتأليفه الموسيقي، تختتم الكاتبة بسمة النسور بشهادة تحت عنوان "في تلك الأثناء" تضئ مسار عملها الإبداعي، ومما جاء فيها:
اقترفت على مدى هذا العمر وفي مناسبات مختلفة شهادات أربع، هذه خامسها. ودائما كانت تنتابني مشاعر مختلطة وملتبسة حول الفكرة من أصلها، إذ أحبها وأضعف أمام غوايتها لأنها تنطوي على كم من الحميمية لن يوفرها شكل إبداعي آخر. هي، كذلك، بمثابة ذريعة محكمة تعطي المشروعية لتجليات الأنا التي يتردد معظمنا في إطلاق عقالها اجتنابا لتهمة الانضمام إلى أولئك المزهوين بذواتهم، المحتفين بها على مدار الساعة دون أسباب مؤجلة في معظم الأحيان، المشتغلين لدى أنفسهم مدراء أعمال وموظفي علاقات عامة مهمتهم الوحيدة الترويج لأنفسهم والسعي لإقناع الآخرين بأهمية تجاربهم غير الفذة، مما يعكس تدنيا حادا في الثقة بالذات تضعهم دائما في خط الدفاع!
وفي الوقت نفسه أضيق بالشهادة ولا أتحمس لكتابتها. وما إقدامي على ارتكابها إلا استجابة لضغط ليس بقليل (....) ورغم ما يتحتم علي الاعتراف بارتباكي إزاء كتابة شهادة أخرى سوف تضطرني إلى قول الحقيقة، الحقيقة بأكملها ولا شيء سوى الحقيقة، من غير زيادة أو نقصان.
وينبغي أن أسجل تحفظي على هذه الصيغة المعتمدة كونيا، لأن من اقترحها هو شخص فقير المخيلة ابتداء، لأنه ارتضى تلك التسوية البائسة التي تفترض أن للحقيقة وجها واحدا، ما أن ندق خزان الذاكرة حتى تنهال دفعة واحدة!
وأقر، نهاية، أنني قرعت جدران خزانات كثيرة في الروح، حتى اقترب من لحظة صدق خالصة، أتوق إليها دوما، غير أني لا أصل.