هل تثني العقوبات الدولية إيران؟

بقلم: أشرف عبدالعزيز عبدالقادر

يشكل الوضع النووي الإيراني أكثر قضايا الانتشار النووي في الشرق الأوسط تعقيدا، إذ يثير إشكاليتين مهمتين، الأولى: هي قضية "النوايا النووية" التي تمثل مشكلة حقيقية في قضايا الانتشار النووي بصفة عامة، من حيث أن هناك حالات يصعب التوصل إلى تحليل دقيق لنواياها. ولكن الحالة الإيرانية ذات أبعاد نموذجية بهذا الشأن، سواء فيما يتصل بغموض النوايا الإيرانية، أو عدم تصديق الآخرين لما هو معلن بشأنها، أو التحرك فعليا –استنادا إلى تلك التقديرات- لعرقلة البرنامج النووي الإيراني والنجاح النسبي لتلك التحركات في بعض الأحايين.
أما الإشكالية الثانية: فهي مشكلة "الوقائع النووية" –وليس النوايا- وهي تمثل أيضا مشكلة حقيقية في الحالة الإيرانية. فالتقييمات الأميركية والغربية بصفة عامة تشير إلى ما يعتبر تأكيدات محددة حول نشاطات إيرانية نووية ذات طبيعة غير سلمية، دون أن يوجد عمليا ما يؤيدها.
وواقع الأمر، فإن هناك صعوبة في تحديد أي من المسارات التي سوف تأخذها هذه الأزمة، لاسيما وأن تطوراتها ما زالت تتفاعل بشكل يمكن القول معه أنها مفتوحة على كل الاحتمالات. ولكن المسار الدولي بقيادة الولايات المتحدة المتبع في إدارة الأزمة في الفترة الحالية وخاصة منذ نقل الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن الدولي، هو فرض عقوبات دولية على إيران في محاولة للضغط عليها لتغيير سلوكها النووي في الأزمة والتوقف عن أنشطة تخصيب اليورانيوم التي تشكل المعضلة الرئيسية التي تدور حولها الأزمة بين إيران والولايات المتحدة والغرب عموما.
وثمة تساؤلات تثار في هذا الصدد من قبيل: هل يمكن أن تثني العقوبات الدولية إيران وتجعلها تستجيب للضغوط والمطالب الأميركية والدولية؟ وبمعنى أخر: هل تتوافر في العقوبات الدولية التي فرضت على إيران حتى الآن الشروط التي يمكن أن تحدث تأثير في السلوك الإيراني؟ وإذا كانت الإجابة لا، ما هي الشروط الواجب توافرها في هذه العقوبات كي تكون أداة فعالة يرضخ النظام الإيراني معها للمطالب الأميركية والدولية؟ وما هي إمكانية توافر هذه الشروط؟
هذه التساؤلات نحاول الاقتراب من الإجابة عنها من خلال السطور التالية.

أولا: العقوبات الأحادية الأميركية ركزت الولايات المتحدة منذ البداية على فكرة العقوبات الأحادية بما فيها العقوبات الثانوية. فمنذ منتصف الثمانينيات من القرن الماضي فرضت الولايات المتحدة عقوبات تتعلق بالإرهاب ثم زادتها مع نهاية الثمانينيات، ولاحقا أضافت إليها قانون العقوبات الإيرانية الليبية في عام 1996 الذي يمنع الاستثمار الأجنبي الذي يزيد عن 20 مليون دولار في السنة في قطاع الطاقة، ومرسوم حظر انتشار الأسلحة النووية الخاص بالعراق وإيران والذي يحظر تصدير المواد مزدوجة الاستخدام.
كما فرضت الولايات المتحدة عقوبات ثانوية على الشركات والدول –ومن بينها روسيا والصين- التي لها علاقات تجارية أو استثمارية مع إيران. وساهمت هذه العقوبات الثانوية في ردع كل الشركات التي تتعامل تجاريا مع الولايات المتحدة، كما أعاقت الاستثمار في قطاع النفط الإيراني من قبل اليابان وغيرها من الدول. وفي يوليو 2005، هددت الإدارة الأميركية بمصادرة كل الملكيات داخل الولايات المتحدة التابعة لأية شركة أجنبية تقدم أو تحاول أن تقدم دعما ماليا أو عينيا أو تكنولوجيا أو غير ذلك من وسائل الدعم إلى هيئة الطاقة الذرية الإيرانية.
ولا جدال في أن هذه العقوبات فرضت تكلفة اقتصادية جدية على إيران، وأضرت بصناعتها النفطية التي لا تستطيع تطويرها أو تحديثها بالاعتماد على رأس المال والتكنولوجيا المحليين وحدهما، كما أخرت هذه العقوبات البرنامج النووي الإيراني، لأنها حرمته من شبكة واسعة من الموارد بحظرها التكنولوجيا المزدوجة الاستخدام.
ولكن على الرغم من العبء الذي فرضته العقوبات الأميركية –التي استمرت لأكثر من ربع قرن- على كاهل إيران، إلا أنها بقيت مع ذلك ذات أهمية رمزية، حيث وصلت إيران إلى درجة متقدمة من أنشطة تخصيب اليورانيوم ومن دورة وقود نووي كاملة، ووصل البرنامج النووي الإيراني إلى مرحلة متقدمة. وبالتالي، يمكن القول أنه على الرغم من أن العقوبات الأميركية كانت مؤلمة بالنسبة لإيران إلا أنها كانت محتملة.
وفي هذا السياق، يرى بعض الباحثين أن هذه العقوبات كان من الممكن أن تكون أشد فاعلية لو أنها كانت ذات صفة دولية مثلما كان الحال مع ليبيا، حيث توحي الحالة الليبية بأن العقوبات الفعالة قد تشجع الأنظمة على تغيير سلوكها، لأنها تدفعها إلى إعادة التفكير في عواقب وفوائد سياستها.

ثانيا: العقوبات الدولية بموجب قرارات مجلس الأمن ... رؤية تقييمة عملت الولايات المتحدة بعد إحالة الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن الدولي على استصدار قرارات دولية لفرض عقوبات دولية على إيران، ونجحت في استصدار ثلاثة قرارات في هذا الشأن، وهما القرارات أرقام 1737، و1747، و1803، والتي رفضتها وأدانتها إيران جميعها.
فقد نص القرار رقم 1737 الذي صدر في 23 ديسمبر 2006، على وقف كافة أنشطتها النووية الحسّاسة على الفور، كتخصيب اليورانيوم، وإعادة المعالجة، بما في ذلك البحوث والتطوير، بطريقة تمكن الوكالة الدولية للطاقة الذرية من التحقق من هذا الوقف، وكذلك وقف أي عمل على مشروعات مرتبطة بالمفاعلات التي تعمل بالماء الثقيل. ومنع تقديم أي مساعدة لإيران، أو تأهيل تقني، أو مساعدة مالية واستثثمارات وخدمات مالية، أو أي تحويل لمواد أو خدمات متصلة بهذا البرنامج. وطلب من الدول الأعضاء تجميد الأموال، والأرصدة المالية، والموارد الاقتصادية الأخرى الموجودة على أراضيها، أو يشرف عليها أشخاص أو مؤسسات لهم صلات أو مشتركون مباشرة بالبرامج النووية والصواريخ البالستية لإيران.
كما طلب من الدول الأعضاء أيضا توخي اليقظة المتعلقة بدخول، أو مرور أشخاص على أراضيها يعتبرون متورطين في البرامج النووية والصواريخ البالستية لإيران، وعلى الدول إبلاغ لجنة من مجلس الأمن بدخول أو مرور أشخاص وردت أسماؤهم في ملحق هذا القرار، حيث رصد القرار أسماء 12 مسئولا إيرانيا يتولون مسئولية البرامج النووية والصاروخية، ومسميات 10 شركة ومؤسسة تعمل في المجالين المحددين.
وأعرب المجلس عن استعداده، طبقًا لمضمون هذا القرار، لإعادة النظر في هذه التدابير، تمهيدًا لتعليقها أو إنهائها، بمقدار ما تكون إيران قد علقت أنشطتها للتخصيب، أو نفذت بالكامل التزاماتها حيال قرارات مجلس الأمن والوكالة الدولية للطاقة الذرية.
ويتضح من مضمون هذا القرار أنه جاء ضعيفًا في محتواه نتيجة الدور الروسي، فقد فرض خطرًا على تصدير المواد الثنائية الاستخدام، إلاّ أنه ترك لكل دولة حق الحكم بنفسها على المواد التي ستصدر إلى إيران، وتقوم بإخطار مجلس الأمن بالمواد ذات الاستخدام المزدوج التي تصدرها بالفعل من دون الالتزام بقائمة محددة لهذه المواد، أو استشارة هيئة تتبع الأمم المتحدة قبل التصدير.
كما أن الممنوعات الواردة في الشق الأول من المواد المحظور تصديرها وردت جميعًا في نصوص أخرى، مثل: اتفاقيات حظر الانتشار، وفي لائحة مجموعة التجهيزات النووية، بل في اتفاقية حظر الانتشار ذاتها. لذلك، فإن القرار لم يضف شيئًا لم يكن موجودًا أصلاً في القانون الدولي، ومن ثم فهو قرار اعتمد على ما يمكن التوصّل إليه في ظل معارضة روسيا والصين، وليس على ما يمكن أن يؤثر، وهو ما دفع البعض إلى القول بأن ما تم حظره بموجب القرار1737على إيران هو محظور أصلا عمليا، وأن القرار هو "إنذار" نووي وليس "عقابا" أو حتى حظرا نوويا، وانحصر تأثيره في العامل النفسي باعتباره مستندا إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وباعتباره المرة الأولى التي يتم فيها فرض "عقوبات" على إيران.
وعلى خلفية التقرير الذي قدمه مدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فبراير 2007 والذي أشار فيه إلى أن إيران لم تلتزم بمقررات القرار رقم 1737، صدر قرار مجلس الأمن رقم 1747 في 24 مارس 2007، لتشديد العقوبات على إيران، ولم يكن هذا القرار مفاجئا لأي من الدول المعنية بأزمة الملف النووي الإيراني بما فيها إيران، خاصة أن الأخيرة سبق ورفضت القرار 1737، الذي ألزمها بوقف عمليات تخصيب اليورانيوم. وصدر هذا القرار بموجب المادة (41) من الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.
فبالإضافة إلى حظر بيع معدات أو تجهيزات إلى إيران يمكن أن تساهم في برامجها النووية أو الباليستية، وحظر تقديم مساعدة فنية لإيران حتى لو كانت في مجال التدريب، أو تقديم مساعدة مالية لكل ما له علاقة بالبرنامجين النووي والباليستي، فرض هذا القرار قيودا على شراء الأسلحة من إيران، وعلى تزويد إيران بالأسلحة الثقيلة، وطلب من جميع الدول فرض قيود على دخول أو عبور أراضيها ضد الأشخاص المتورطين في البرنامجين النووي أو الباليستي الإيرانيين.
ورغم أن هذا القرار مثل انتصارا دبلوماسيا للولايات المتحدة من حيث أنها نجحت في تكوين حشد دولي ضد إيران، من خلال استصدار قرارين دوليين بفرض عقوبات على إيران في أقل من 3 أشهر، فإن معظم هذه القيود التي فرضها القرار اختيارية، أي أن الدول غير مجبرة على تطبيقها في تعاملها مع إيران، وبالتالي ظل هذا الإجماع الدولي عند حدوده الدنيا بعد صدور هذا القرار، و لم يصل إلى درجة الاتفاق الكامل بين الدول الخمس الكبرى على ضرورة فرض عزلة دولية وعقوبات صارمة على إيران لوقف عمليات تخصيب اليورانيوم.
أما قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1803الذي صدر في 3 مارس 2008، فقد تضمن الحزمة الثالثة من العقوبات على إيران، والتي شملت حظرا على التبادل التجاري مع إيران للسلع ذات الاستخدام المزدوج العسكري و المدني، وسمح القرار بعمليات تفتيش للشحنات البحرية والجوية من وإلى إيران في حالة وجود أي اشتباه في أنها تتضمن السلع التي تتضمنها العقوبات. ودعا القرار أيضا جميع الدول للحذر فيما يتعلق بتوقيع اتفاقات تجارية مع إيران أو تقديم أي التزامات بما في ذلك فتح الاعتمادات وتقديم الضمانات أو عمليات التأمين، ومراقبة أنشطة بنكي "ميلي" و"سيدرات" الإيرانيين للاشتباه في ارتباط أنشطتهما بالبرنامج النووي الإيراني.
وإضافة إلى ذلك وسع المجلس نطاق العقوبات المفروضة بالفعل على المؤسسات والمسئولين الإيرانيين. وأضيفت 12 شركة و13 مسئولا إلى قائمة تجميد الأرصدة وحظر السفر للاشتباه في صلتهم بالبرنامجين النووي وتطوير والصواريخ البالستية. وفي حين أن العقوبات في القرارات السابقة اقتصرت على المستويات العليا مثل كبار قادة الحرس الثوري أو مديري المنشآت النووية الإيرانية، فقد اتسع مجالها في الحزمة الثالثة ليشمل مسئولين أقل درجة ترتبط مهامهم أكثر بالنواحي التقنية.
ورغم أن هذا القرار قد فرض مجموعة من العقوبات الجديدة ضد إيران استنادا أيضا إلى المادة 41 من أحكام الفصل السابع، وتوسع في نطاق الحظر المفروض على إيران بالمقارنة بالقرارين السابقين، إلا أنه يظل أيضا حظرا نوعيا غير شامل، وهو ما يثير شكوك في مدى فعالية هذا القرار في إثنائها عن طموحاتها النووية، رغم موافقة روسيا والصين عليه.
ولكنه تضمن في الوقت ذاته مثل القرارين السابقين، توصيل رسالة قوية لإيران بأن المجتمع الدولي ومجلس الأمن لن يتردد في اتخاذ إجراءات عقابية ضدها في حالة عدم استجابتها للمطالب الدولية (الأميركية) بشأن برنامجها النووي. ثالثا: هل يمكن أن تنجح العقوبات الدولية في تغيير السلوك الإيراني؟ يتضح مما تقدم أن إيران تخضع لنوعين من العقوبات، الأول: العقوبات الأميركية الأحادية، والثاني: العقوبات الدولية التي فرضها مجلس الأمن الدولي من خلال قراراته الثلاثة التي سبق تناولها.
وتشير الخبرة التاريخية لاستخدام آلية العقوبات الاقتصادية إلى ضرورة توافر عدد من الشروط، أهمها أن تكون عقوبات شاملة واسعة النطاق، تستمر لفترة زمنية كافية، تقدرها بعض الكتابات بحوالي ثلاث سنوات متواصل، وألا تقل نسبة الخسائر الناتجة عن تلك العقوبات عن 2.4% من الناتج المحلي الإجمالي، وعدم قدرة النظام موضوع العقوبات في خرق تلك العقوبات أو التأقلم معها.
وهي شروط قد يصعب تحققها في الحالة الإيرانية على الأقل حتى الآن، بالنظر إلى عوامل عدة، أهمها النظام الاقتصادي الإيراني المغلق وضعف مستوى انفتاحه على الاقتصاد العالمي، كما أن هناك بعض نقاط القوة في الاقتصاد الإيراني تمكنه من تحمل مثل هذه العقوبات مثل تحقيقه معدلات نمو مرتفعة خلال السنوات الثلاث الماضية، ووجود معدلات مرتفعة وتراكم لرأس المال والثروة، إلى جانب عدم معاناته من معدل ديون مرتفع وتمتعه بنسبة عالية من الاحتياطيات النقدية؛ والجهود الإيرانية المبذولة لتقليص أثر العقوبات الاقتصادية، وأهمها إبرام اتفاقيات سرية مع بعض دول أميركا اللاتينية، ودول آسيوية وإفريقية، وتحويل أرصدتها إلى بنوك أخرى بدلاً من البنوك الغربية، واعتماد اليورو بدلاً من الدولار الأميركي في تعاملاتها الاقتصادية، وطرح عدد من المشروعات النفطية المُغرية على الشركات العالمية، وتقليل الاعتماد على عوائد النفط في موازنة العام 2007- 2008م، وحث منظمة (أوبك) على خفض الإنتاج للحفاظ على أسعار مرتفعة، إضافة إلى تميزها بمركز اقتصادي دولي يجعل العقوبات تطال اقتصاديات أخرى.
ويضاف إلى ذلك، أن العقوبات المفروضة حتى الآن ليست عقوبات شاملة ويسهل تحملها، الأمر يعني في التحليل الأخير تراجع نسبة الخسائر الاقتصادية المتوقعة للعقوبات الاقتصادية والتجارية ضد إيران. وبالإضافة إلى هذه العوامل لا يمكن إغفال خبرة تحمل النظام الإيراني لآلية العقوبات الأميركية خلال السنوات الأخيرة، والتي أثبتت قدرة النظام على أقلمة المجتمع مع تلك العقوبات.
فحساسية الموقفين الروسي والصيني تجاه نوعية العقوبات التي يمكن فرضها على إيران، دفعت الولايات المتحدة إلى حصر هذه العقوبات في فرض حظر على سفر بعض المسئولين الإيرانيين إلى خارج البلاد وتجميد أرصدة إيرانية، إلى جانب فرض قيود على شراء أسلحة من إيران أو تزويدها بأسلحة ثقيلة.
لذلك، تذهب بعض التحليلات إلى التأثير على السلوك الإيراني في الأزمة النووية يتطلب الانتقال من آلية العقوبات الذكية إلى العقوبات الاقتصادية الشاملة. والافتراض الرئيسي هنا أن العقوبات الشاملة سوف تدفع بالشعب الإيراني إلى ممارسة الضغوط على النظام الإيراني للتجاوب مع الضغوط الدولية لإزالة تلك العقوبات، استنادا إلى أن تلك العقوبات بالإضافة إلى الأزمات والمشكلات الاقتصادية الإيرانية ونقص الموارد الأساسية ستؤدي حتما إلى ضعف مرونة الطلب الداخلي.
ولكن محاولات فرض هذه النوعية من العقوبات الشاملة والصارمة ضد إيران من المتوقع أن تصطدم بالموقفين الروسي والصين، اللذين إذا وافقا على قرارات أخرى صادرة من مجلس الأمن فلن تختلف على الأرجح عن نوعية العقوبات الواردة فيها كثيرا عما تضمنته القرارات الثلاثة السابقة.
فإذا كانت كل من روسيا والصين قد وافقتا على القرارات الثلاثة المشار إليها، فإن ذلك لا ينفي أن ثمة خلاف ما زال عالقا بين واشنطن من ناحية وكل من موسكو وبكين من ناحية أخرى حول طبيعة ومدى العقوبات المفروضة على إيران، حيث تشترط الأخيرتان أن تكون هذه العقوبات تدريجية بحيث تقنع إيران في النهاية بالاستجابة لمطلب مجلس الأمن بوقف عمليات تخصيب اليورانيوم.
هذا الخلاف الناشئ حول طبيعة ومدى العقوبات يفسر إلى حد بعيد بعض جوانب عدم تطرق القرارات الثلاثة إلى فرض عقوبات اقتصادية أكثر صرامة على طهران، فهذا البديل لا يخلو من عقبات عدة أهمها الرفض الروسي والصيني الحاسم له.
فروسيا لها علاقات شراكة اقتصادية كبرى مع طهران، وفقدان هذه العلاقات يمثل خسارة كبيرة للاقتصاد الروسي. وبرغم أن ثمة مؤشرات عدة تؤكد أن روسيا بدأت، حتى قبل صدور القرار الأول رقم1737، في مراجعة سياستها السابقة التي دعمت الموقف الإيراني في المحافل الدولية وساهمت أكثر من مرة في تأجيل فرض عقوبات على إيران، إلا أن ذلك لا يعني أن روسيا تخلت عن مصالحها الاقتصادية في إيران.
أما الصين فتستورد ثلث احتياجاتها النفطية يوميا من إيران ومن المتوقع أن تنمو حاجة الصين من الطاقة بمعدل 14%، لتصل إلى 7.9 مليون برميل يوميا. ومن أجل تأمين احتياطاتها من الطاقة، بدأت بكين في البحث عن صفقات جديدة لاستيراد النفط والغاز خاصة من إيران، وهذا يعني أن فرض عقوبات اقتصادية على إيران سوف يؤثر حتما على المصالح الصينية.
وبخلاف روسيا والصين، فإن كثرة عدد شركاء إيران التجاريين يمثل مشكلة أخرى في مواجهة النجاح في فرض عقوبات اقتصادية صارمة عليها؛ لأنه إذا كان الهدف من العقوبات هو منع إيران من استيراد البضائع والخدمات، فذلك يعني في الوقت ذاته التخلص من الأسواق الرئيسية للعديد من دول العالم.
بل انه بافتراض نجاح الولايات المتحدة في فرض عقوبات شاملة وأكثر صرامة ضد إيران، تذهب بعض التحذيرات إلى أن قدرة هذه العقوبات على تغيير السلوك الإيراني تظل محل شك كبير.
فنجاح هذا السيناريو الخاص بفرض عقوبات شاملة ضد إيران، يقوم على أساس أن ضعف مرونة الطلب على السلع الضرورية (الغذاء، الأدوية، الطاقة) سوف يدفع بالشعب الإيراني إلى الضغط على النظام السياسي، وهو افتراض يصعب تحققه في الحالة الإيرانية في نظر البعض، خاصة في ظل رؤية الشعب الإيراني للبرنامج النووي باعتباره فخرا قوميا وكبرياء وطنيا، بل ربما توفر العقوبات في هذه الحالة فرصة مهمة للنظام السياسي لضمان السيطرة على الأوضاع الداخلية من خلال التحكم في عمليات توزيع الموارد الاقتصادية المتاحة.
لذلك يمكن القول في ضوء ما سبق أن العقوبات الدولية التي فرضت على إيران حتى الآن تكمن أهميتها في دلالتها الرمزية والنفسية أكثر من كونها عقوبات مؤثرة على السلوك الإيراني. ورغم أن فرض العقوبات الدولية الشاملة طويلة المدى كان له دور كبير في تغيير سلوك أنظمة أخرى تسعى لامتلاك أسلحة الدمار الشامل، وهو ما عكسته الحالة الليبية على سبيل المثال، تظل هناك شكوك في إمكانية أن ينجح هذا السيناريو مع إيران، أولا: لصعوبة التوصل إلى إجماع دولي لفرض هذا النوع من العقوبات الشاملة، وثانيا: قدرة النظام الإيراني على التأفلم مع هذه العقوبات.
وبالتالي يظل الجانب الآخر من سياسة العصا والجزرة، أي الجزرة (الحوافز) في إطار صفقة محتملة بين إيران والولايات المتحدة والغرب عموما، هو السيناريو الأكثر قبولا لدى الكثير من المحللين والمتابعين لتطورات الأزمة النووية، وهو سيناريو بدأت الكثير من ملامحه تتبلور في الفترة الأخيرة، ولكنه سيناريو ستكون له العديد من التداعيات الاستراتيجية التي يجب أن تتنبه لها الدول العربية وخاصة دول مجلس التعاون الخليجي من الآن. أشرف عبدالعزيز عبدالقادر
باحث سياسي بمجلس الشعب المصري