كيف يبدع عميد أدب الخيال العلمي؟

بقلم: حمادة هزاع
سيرة ومنهج

في 25/6 من عام 1930 ولد عميد أدب الخيال العلمي في الوطن العربي نهاد شريف، وبمناسبة ذكرى ميلاده أقدم هذه المقالة المتواضعة (1) التي أتناول فيها السيرة الذاتية لهذا الرائد من خلال التعرف على البيئة والظروف التي نشأ فيها, والأسباب والدوافع وراء شغفه وتعلقه بالعلم وصياغته في قوالب أدبية، ثم الحديث عن أهم الشخصيات التي شجعته عبر مسيرته الشخصية والإبداعية, ودورها في دفعه وصموده على طريق الإبداع الشاق، وأخيرًا ندخل معه في حوار حول منهج الكتابة الأدبية ومن أين يستقي أفكاره, وكيف يقدمها في قالب فني. 1- الميلاد والنشأة ولد نهاد شريف في25 /6 /1930 (2) في حي محرم بك بمدينة الإسكندرية, لأسرة تعشق الفن وتقدسه وتحب الثقافة وتهتم بها.
فجده لوالده المرحوم إبراهيم أسعد شريف, المستشار القانوني بمجلس النواب في ذلك الوقت, كان من المؤمنين بتكوين مكتبة خاصة للعائلة، وكان مقتنعًا أنه إن لم يفد منها مباشرة فسوف يفيد منها ابن أو حفيد يومًا ما.
كانت هذه المكتبة ثرية جدًّا حيث حوت أكثر من مائة ألف مجلد, ومكونة من قاعتين، وتضم نوعين من الكتب، الجانب الأول لكتب الدين والقانون، والجانب الآخر كتب في مجال العلم والعلوم، رغم أنه ليست له علاقة مباشرة بالعلم إلا أنه كان يعشقه مما جعله يخصص بها جزءًا خاصًّا للخيال العلمي الذي كان يهواه بصفة خاصة, حيث كان يحب مؤلفات ويلز، وماري شيللي، وفيرن، وغيرهم.
ووالده الفنان التشكيلي المرحوم منير إبراهيم شريف, حفيد رئيس الوزراء ومنشئ الدستور المصري محمد شريف باشا, كان حريصًا على تعلم الفن التشكيلي على أيدي أساتذة ألمان حتى أجاد هذا الفن وتخصص فيه, فكان ضمن أول هيئة قامت بالتدريس في كلية الفنون الجميلة, وأصبح له مرسمًا مشهورًا في ضاحية حلوان, وشارك بلوحاته في عديد من المعارض بمصر وخارجها, ومن ثم زينت أعماله الزيتية عددًا من أماكن ومتاحف وبلدان مصر. وهناك صورة بشكل لوحة كبيرة وضعت في متحف القائد الراحل جمال عبدالناصر, اعتبرت إحدى الصور المميزة لعبد الناصر.
ولم يكن الوالد سائرًا وحده في طريق الفن, فمعه شقيقاه, محمد وأحمد, عمَّا نهاد, حيث كان الأخير شاعرًا وواحدًا من قدامى هواة تربية الزهور ومؤسس قديم لجمعية فلاحة البساتين وعضو لجان التحكيم في معارض الزهور, وكانت لديه حديقة صغيرة تمتلئ بالزهور التي مرارًا ما حصل بها على جائزة أصغر حديقة مزهرة في مصر.
في هذا الجو عاش الصبي نهاد في منزل الأسرة الضخم الذي شهد مولد والده وأعمامه, بضاحية حلوان, وسط جو عائلي ملتزم يضم مرسم الوالد, ومكتبة الجد, وحديقة الأعمام التي يتمتع بمرآها. من هنا كان منزل الأسرة بحلوان قبلة للفن والأدب ومنبرًا للذوق الرفيع, فلا تخلو لياليه من أصدقاء أعمامه وأبيه, من الشعراء والمثقفين ورجال الدين الذين يجتمعون في الصالون ويجلس معهم الصبي كل مساء يسمع الحوار السخي, بالإضافة إلى أن والده كان يصطحبه معه في جولاته الفنية في ريف مصر, وسفراته للخارج.
وهكذا نشأ نهاد شريف على تذوق الفن التشكيلي, والتمتع بجمال الطبيعة, إضافة إلى حب القراءة واقتناء الكتب, وتحول هذا الحب إلى نهم شديد لقراءة الكتب العلمية بدءًا من مكتبة جده فمكتبات والده وعميه إلى أن كون مكتبته الخاصة - في سن مبكرة - مع مبدأ دراسته الثانوية. ومن ثم كان أول تعرفه على مؤلفات جول فيرن، وويلز، وغيرهما فيما يعرف بأدب الخيال العلمي. 2- النزول إلى معترك الحياة بعد معرفة الطريق الصحيح للمسيرة الأدبية, ينخرط الكاتب نهاد شريف في الحياة الأدبية السائدة في عصره, من ندوات ولقاءات, ويعمل دومًا على صقل موهبته وإمدادها المستمر والدءوب بالجديد من العلوم, عن طريق القراءة النهمة والمتوالية في مجالاتها والتركيز في فهمها واستيعاب مفرداتها.
وتتوالى جهوده الأدبية في نشر أدبه من جهة والأخذ بأيدي السائرين على الطريق نفسه من الشباب المبدعين أو الباحثين في أدب النوع, من جهة أخرى.
وتأتي الجوائز الأدبية والتقديرات المعنوية لتكون بمثابة الواحات التي يستظل بها الكاتب من هجير ومشاق طريق الإبداع الطويل.
من هنا يأتي هذا العنصر ليعرض بطريقة "بانورامية " أهم المحاط في حياة الكاتب نهاد شريف الشخصية والإبداعية.
أ - الحياة العملية:
خلال دراسته الثانوية ثم الجامعية بكلية الآداب قسم التاريخ تبلورت أفكار الشاب نهاد شريف واتجهت في وضوح إلى الكتابة الأدبية والعلمية وبخاصة، حتى استهل حياته العملية بالتدريب في مجال الصحافة بدار أخبار اليوم حيث التحق بالقسم العلمي في مجلة آخر ساعة قبيل تخرجه من الجامعة بين عامي (54 - 1957).
ثم عمل منذ عام 1957, موجهًا ثقافيًّا فمرشدًا لتعليم الكبار، فمديرًا لقسم الثقافة والإرشاد بمشروع ثورة 23 يوليو 1952 "مديرية التحرير" فأدى دورًا إعلاميًّا للتعريف بالمشروع وأهميته لمجتمعه النامي الجديد.
وحين تكونت المؤسسة المصرية العامة للتعمير والمشروعات الزراعية بالقاهرة نقل إليها في عام 1961, ليعمل مديرًا للعلاقات العامة بها ويزاول نشاطًا إعلاميًّا موسعًا لمشروعات الإصلاح الزراعي بمصر. حتى اختاره عام 1963, وزير الإصلاح الزراعي متحدثًا صحفيًّا بالوزارة.
لكن في فبراير 1974 - وعقب ظهور مؤلفه الأول في الخيال العلمي - قام الأديب يوسف السباعي وزير الثقافة بنقل نهاد شريف للعمل مراقبًا للمعلومات بالمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية, ثم مراقبًا عامًّا للتحرير والنشر ومشرفًا على مسابقات الكتاب الأول للأدباء الشبان. وحين تحول المجلس إلى المجلس الأعلى للثقافة أصبح نهاد شريف مديرًا عامًّا لإدارة المسابقات. ومنح عضوية اللجنة العليا لإعداد موسوعة أدباء مصر والعالم العربي, كما منح في عام 1986 بقرار من وزير الثقافة عضوية اللجنة الفنية للقصة بالمجلس.
وحين أنشئت لأول مرة في تاريخ مصر لجنة للثقافة العلمية بالمجلس اختير نهاد شريف عضوًا عاملا بها في أكتوبر 1992. كما عمل مستشارًا فنيًّا لأدب الخيال العلمي بمؤسسة كنوز الثقافية المصرية.
وعقب إنشاء مجموعة اللجان العلمية بمكتبة الإسكندرية للاستعانة بخبرة وحكمة وعلم أعضائها اختير نهاد شريف عضوًا عاملا بلجنة العلم والتكنولوجيا منذ عام 2003.
ويشارك نهاد شريف في الأنشطة المختلفة لهيئات ومؤسسات تختص بأدب الخيال العلمي مثل أكاديمية البحث العلمي, والهيئة العامة للكتاب, ونوادي علوم الأهرام .. الخ.
ب- النشاط والاتصالات:
اختير نهاد شريف عضوًا بمجلس إدارة "جمعية دار الأدباء", كما انضم عضوًا عاملا في نوادي: "القصة" بالقاهرة والإسكندرية, "الجمعية العربية للفنون والثقافة الإعلامية", "رابطة الأدب الحديث", "نادي القاهرة الرياضي", "نادي أسمنت حلوان", "نادي اليخت", "اتحاد الكتّاب العرب بدمشق" والذي أصدر مؤلفان له.
وهو عضو مؤسس "باتحاد كتّاب مصر", ومؤسس "جمعية كتّاب ومحبي أدب الخيال العلمي" مع المرحوم الكاتب الصحفي صلاح جلال, وهو كذلك عضو لجان التحكيم في مسابقات القصة والرواية التي ينظمها نادي القصة, والمجلس الأعلى للثقافة, وأكاديمية البحث العلمي, والهيئة العامة للكتاب. وجهات أخرى.
ويعد نهاد شريف الرائد الأول في مجال كتابة أدب الخيال العلمي في مصر والوطن العربي وأول من تخصص فيه وأول من قدم الخيال العلمي عربيًّا في السينما والتليفزيون. كما تعد كتاباته لونًا حديثًا من الأدب طال افتقار الأدب العربي إليه.
وتدرس حاليًا أعماله وأفكاره ورؤاه المستقبلية في أقسام الدراسات الأدبية بجامعات القاهرة, وعين شمس, وحلوان, وكذا الإسكندرية, المنصورة, المنيا, وفي معهد الإذاعة والتليفزيون ومعهد السينما. كما أن هناك بحوثًا أكاديمية أعدت حول أفكاره وتصوراته وتوقعاته العلمية لحضارة الغد وبجماليات فنه في أدب الخيال العلمي عربيًّا وفعاليات هذا الأدب من أجل مستقبل أفضل للبشر.
جـ- الجهود الأدبية:
منذ بداية عمله بمديرية التحرير أشرف على إصدار المجلة المحلية "نصر" طيلة خمسة أعوام ونصف, كما أسس عددًا كبيرًا من المراكز الثقافية وشبكات الإذاعة بقرى المديرية قدم من خلالها برامج ثقافية وعلمية وترفيهية.
ابتداءً من عام 1949 نشر قصصًا وروايات مطولة ومقالات أدبية وتاريخية وعلمية في غالبية صحف ومجلات مصر والوطن العربي. وقد تحول الكثير منها إلى تمثيليات إذاعية وتليفزيونية, بينما كتب وأعد برامج للإذاعة منها البرنامج الخاص "دائرة معارف الشعب" على مدى ستة أعوام بدءًا من عام 1962. إضافة إلى ما قدمته الإذاعة السورية وغيرها من إذاعات عربية.
كذلك نوقشت أعماله وأفكاره الروائية وتنبؤاته العلمية في عديد من مجلات وصحف وإذاعات مصر والوطن العربي وإذاعة سوريا ولندن العربية وبرلين وباريس، وكذا التليفزيون في كل من سوريا ولبنان وتركيا والأردن. أما أحاديثه فيتلقفها الإعلام المصري والعربي على الدوام.
كما عقدت ندوات من أجل ما يقدم من فن قصصي رائد في مختلف الأندية والمحافل الأدبية بمصر والأردن وسوريا وفي تركيا.
وواكب ذلك كتابة دراسات وأبحاث جادة عن أعمال نهاد شريف بأقلام كبار كتّاب وباحثي ونقاد مصر والوطن العربي. بينما ترجمت كتاباته إلى اللغات التركية, الإنجليزية, الصينية, الألمانية, والفرنسية.
ويلقي كاتبنا محاضرات عن مادة "أدب الخيال العلمي" على طلبة معهد الإذاعة والتليفزيون وكذا في جلسات خاصة ببعض الأندية والمؤسسات على جماهيره ومحبي فنه. وهو دائم الرعاية لكتّاب أدب الخيال العلمي من الشباب. ومن ثم فمن تلاميذه النشطين البارزين في مجال هذا الأدب: الأديب صلاح معاطي, والأديب هشام الصياد, والأديب محمد علي عبد الهادي.
ونهاد شريف دائم الترحال فيما بين محافظات مصر لإلقاء محاضراته في الجامعات والأندية والإذاعة والتي تهتم بهذا الأدب الجديد وبنشر الثقافة العلمية خاصة بين الشباب.
وفي مجالات أعماله الروائية المطولة في وسائل الإعلام المصري فقد اعتبر الفيلم السينمائي المأخوذ عن رواية نهاد شريف "قاهر الزمن" والمسمى بالاسم ذاته أول فيلم عربي من الخيال العلمي عرفته السينما المصرية. كما عُدَّ إقدام كمال الشيخ على إخراجه خطوة رائدة تحتسب لمصر في مجال الفن السينمائي واختيار القصة المتطورة ذات الاتجاه والتناول العلمي منذ عام 1987 أي تاريخ إنتاجه.
وشهد فيلم "قاهر الزمن" عـروضًا حاشدة ونـدوات متعددة بأنحاء مصر والوطن العربي وبلدان أوربا وحصل على تقدير النقاد الفرنسيين وكتبت عنه صحف ألمانيا وإيطاليا وفرنسا وغيرها.
وفي حديث أجرته مجلة "الرأي الآخر" بتاريخ سبتمبر 1998 مع العالم المصري الكبير الراحل د. أحمد مستجير قال "إن الأميركان يؤسسون جيشًا مستنسخًا بفكرة عربية وأن نهاد شريف هو صاحب هذا الجيش في كتابه (قاهر الزمن) ثم شرح مقولته عبر الحوار الذي أجري معه."
وفي مجال التليفزيون قدمت له الشاشة الصغيرة بالقناة الأولى سهرة درامية وفيلمًا تليفزيونيًّا أذاعته كل القنوات، أما السهرة فهي عن قصته بعنوان "نهر السعادة " قدمت عام 1981 من إعداد الراحل فؤاد عبد الجليل وإخراج أحمد صلاح الدين, أما الفيلم التليفزيوني فهو بعنوان "الماسات الخضراء" من إعداد ممدوح فهمي وإخراج يس إسماعيل يس وتم إنتاجه عام 1997. وجاري إعداد إنتاج فيلم تليفزيوني جديد عن روايته "الشيء".
أما مجال الإذاعة فعلاوة على نحو 35 سهرة قدمتها إذاعات البرنامج العام والثقافي وصوت العرب والشرق الأوسط والشباب, فقد اختص البرنامج العام بتقديم مسلسلين شهيرين هما: "سكان العالم الثاني"، و"قاهر الزمن"، كما قدم البرنامج الثقافي مجموعة من القصص المقروءة من أدب الخيال العلمي.
د- المؤلفات:
* الروايات:
1- قاهر الزمن. روايات الهلال/دار الهلال 1972.
2- الذي تحدى الإعصار. هيئة الكتاب 1981.
3- الشيء. مختارات فصول 1989.
4- ابن النجوم "الأب" جـ1 شركة نهضة مصر 1997.
5- سكان العالم الثاني. لمجلس الأعلى للثقافة 2005.
6- تحت المجهر. ركز الحضارة العربية 2006.
* المجموعات القصصية:
1- رقم 4 يأمركم. كتاب اليوم/ دار أخبار اليوم 1974.
2- الماسات الزيتونية. اقرأ / دار المعارف 1979.
3- الذي تحدى الإعصار. هيئة اكتاب 1981.
4- أنا وكائنات الفضاء. كتاب اليوم/ دار أخبار اليوم 1982.
5- بالإجماع. اتحاد كتاب العرب/ دمشق 1991.
6- نداء لولو السري. اتحاد كتاب العرب/ دمشق 1994.
* المسرح:
1- أحزان السيد مكرر. هيئة الكتاب 1990.
* الدراسات:
1- الدور الحيوي لأدب الخيال العلمي في ثقافتنا العلمية المكتبة الأكاديمية 1997.
* الترجمة:
- ترجمة كتاب "سينما الخيال العلمي" دينيس جيفورد دار الأمانة 1985.
- في غير الخيال العلمي:
* توماس أديسون معجزة العلم (دراسة) علماء عاشوا بالأمل/ دار المعارف 1992.
* تأملات في العلم والثقافة (مقالات) الهيئة العامة لقصور الثقافة 1996.
* شارك في مؤلف: يوسف السباعي في ذكراه ـ هيئة الكتاب 1996.
* وشارك في مؤلف: ألوان من الأدب المصري الحديث - دار كتابي 1979.
* وشارك في مؤلف: أضواء على الثقافة العلمية - المجلس الأعلى للثقافة 2001.
* كما كتب العديد من المقدمات لمؤلفات زملائه وتلاميذه.
- المقالات:
كتب عبر مسيرته الإبداعية والفكرية مقالات (متفرقة) للصحف والمجلات والإذاعات المختلفة (في مجال الخيال العلمي, ونظريات العلم وتطور تقنياته, وما يدور في حياتنا الثقافية).
- وابتداء من 2/5/1992 وفيما يزيد على أربعة أعوام نشر مقالات أسبوعية منتظمة في صفحة الرأي بجريدة "الأهرام المسائي" تحت عنوان "في العلم وفي غيره" تناول خلالها موضوعات حيوية شتى في أطر التقدم العلمي وأهم نظرياته وإنجازاته وكم مشروعاته الآتية منها والمستقبلية إلى جانب تناول الموضوعات الثقافية والسياسية والاجتماعية الملحة وقتذاك, الخ. 3- بواعث المنحى العلمي في أدبه أ - حكايات الجدة:
لعل أبرز العوامل أثرًا في ظهور الحس الأدبي الخيالي عند نهاد شريف يرجع إلى نشأته الأولى في حضن جدته لوالده. يقول "استطاعت جدتي السيدة الوقور التي طالما أخفى الحجاب قسمات حلوة باسمة من وجهها، والتي طالما حوت جعبتها أكثر القصص إثارة وأشدها غرابة وعجبا .. من مصباح علاء الدين إلى رحلات السندباد وأساطير الجني والبساط الطائر والحيوانات المتكلمة والبلورة المسحورة والحجارة الناطقة .. الخ. وإني لأتخيلها الآن تتشح بشالها الموشي الحواف وهي تقص علي بصوتها الهادئ العميق وقد استكنت إلى حضنها طفلا في الرابعة أو الخامسة تنسال أمامه دنيا فسيحة من الخيال والأحلام والرؤى المدهشة, وكانت لديها قدرة فذة - وهي التي لا تحمل أي مؤهل دراسي - على أن تروي لي القصة بأكثر من صورة حتى لا ينتابني السأم, بل إنها كانت تضيف بعض التفاصيل الصغيرة الجديدة في كل مرة تروي لي هذه الحكايات مما خلق لدي القدرة على تعدد الرؤى. وساعدها على ذلك أنها كانت قارئة ممتازة لأربع لغات."
ويقول نهاد شريف أيضًا "إنني عندما قرأت حكايات ورحلات (سندباد) بعد سنوات من رواية جدتي لها عليّ, اكتشفت أن جدتي كانت (تؤلف) حكايات أكثر 20 مرة مما هو في النصوص الأصلية.."
ب- عبقرية المكان:
وثمة عامل آخر كان له أبلغ الأثر في توجيه نهاد شريف وإنماء تفكيره نشأ من ظروف إقامة الأسرة في حلوان, يقول "ولما بلغت الرابعة عشرة من العمر بدأت أجد متعتي في مراقبة السماء بالمنظار العادي من شرفة بيتنا بحلوان. ثم كانت متعتي الكبرى تتركز في اصطحاب قريب لي يعمل في مرصد حلوان, حيث كنت أتابع في هدوء واهتمام مناقشات بعض علماء المرصد وخاصة الدكتور سماح الذي كان أحد كبار أساتذة علم الفلك في مصر، والذي كان لا يتردد في الإجابة على أي سؤال كنت أطرحه. وقد قيل عني آنذاك إن هذا الصغير قد أطل من مناظير المرصد أكثر من العلماء العاملين فيه.
وقد ظلت هذه التجربة الفريدة عالقة في نفسي حتى قمت بتسجيل آثارها في روايتي الأولى "قاهر الزمن" والتي تدور أحداثها في مرصد حلوان.
ولعل هذا العامل يفسر لنا شغف نهاد شريف وتعلقه بالفضاء حتى كانت السماء وأهل السماء موضوعًا أساسيًّا من موضوعات أدبه, وإيمانه العميق بوجود حضارات أخرى على الكواكب التي تملأ أجواء الفضاء، وأنه سوف يأتي يوم ما ويحدث الاتصال بين كائنات الأرض وكائنات هذه الكواكب. وغير ذلك مما سجله في روايته "ابن النجوم" التي تدور أحداثها حول هذا اللقاء وثماره.
وإذا كان مرصد حلوان قد جعل الصبي نهاد يتعلق بالسماء والفضاء, فإن مفردات المكان الأخرى قد تركت أثرًا على صفحة ذاكرته حيث جعلته ينظر أفقيًّا إلى تضاريس المكان وجغرافيته حيث بدأ يتفقد مناطق آثار قدماء المصريين بالبدرشين وسقارة وارتياد مرتفعات شرقي حلوان والتي بها "وادي حوف" الشهير.
جـ - أحداث خاصة في حياته:
على الرغم من تلك النشأة الأدبية والثقافية, فإن الشاب نهاد شريف كان قد رسم طريقه لكي يصبح طبيب العائلة. وذلك لأسباب تخص التاريخ المرضي للعائلة التي كانت تعاني بشكل وراثي على فترات متقاربة من تكون حصى الأكسيلات في الكلى, وقد توفي جده خلال إجراء جراحة لاستخراج بعض هذه الحصى, وفكر الشاب نهاد في الاتجاه لدراسة الطب ليتخصص في طب المسالك البولية خاصة وأنه لا توجد مهنة طبيب في أسرته. وبالفعل وضع أوراقه على أن يدخل قسمًا علميًّا.
ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن, كما يقول المتنبي, فقد أصيب إبان إجازته الصيفية بالتهاب رئوي حاد أضر بصحته, ولم يكن العلاج متطورًا في ذلك الوقت حيث كانت "السلفا" هي العلاج المتاح, مما جعله يجلس للعلاج شهرًا كاملا, واضطر الطبيب لأن يبيت معه ليلة كاملة على السرير المقابل لسريره.
وهنا تظهر بداية المسيرة , فكل ذلك جعل الوالد يصدر عدة "فرمانات":
1- رفض دخول نهاد كلية علمية لطول سنين دراستها واختصار الدراسة بسبب المرض, بدخول إحدى الكليات النظرية.
2- منع نهاد من ممارسة أي نشاط بدني.
3 - الحرمان من الدراسة الجامعية عامًا كاملا.
ولقد تركت حادثة المرض تلك أثرًا كبيرًا على حياة نهاد الشخصية والإبداعية, الشخصية حيث وضعت قدمه على بدايات طريق التخصص في الكتابة الأدبية ذات المنحى العلمي كما سنرى, وعلى المستوى الإبداعي فقد وظف المرض الوراثي للكلى في رواياته وقصصه وحقق إبداعيًّا، ما كان يرجوه من دراسة الطب للقضاء على هذا المرض، مثل قصة "الماسات الزيتونية" التي يتوصل بطلها الطبيب إلى تحويل هذه الحصوات إلى ماسات مما يحقق الاستفادة على مستويين, الأول: الاستفادة من بيع الماس, والثاني: سهولة خروج الحصوات بالقضاء على أطرافها المدببة, وكذلك في روايته "الشيء" فقد كان البطل مصابًا بمرض حصى الكلى, ورواية "سكان العالم الثاني" كذلك.
وأما طبيبه الذي بات معه ليلة كاملة فقد تأثر به نهاد تأثرًا كبيرًا وجعله بطل أولى رواياته وباكورة نتاجه وهي رواية "قاهر الزمن" كما سنرى.
د- عالم القراءة الفسيح:
بعد أن حكم على الشاب نهاد بالمكوث في المنزل عامًا كاملا, ولم يكن له أي متنفس حتى ممارسة الرياضة حرم منها... فماذا يفعل إذن؟ وهنا تتحقق أمنية الجد حيث جاء حفيده ليستفيد من المكتبة التي حوت مجموعات ضخمة من الكتب العربية والأجنبية وأمهات المراجع، لجأ نهاد إلى مكتبات أسرته ومكتبته ومكتبة جده خاصة التي كان يمكث بها وقتًا طويلا بين كتب الخيال العلمي التي أسر بها وقرأ أمهات كتب الخيال العلمي مثل "آلة الزمن" و"الرجل الخفي" لويلز و"رحلة إلى مركز الأرض" لجول فيرن, قرأها باللغات الثلاث, ولم يكتف بالقراءة بل شاهد أفلام الخيال العلمي على شرائط, وبذلك كان هذا العام بمثابة صهر وإعداد لفكر وعقل الكاتب نهاد شريف.
هـ- آخرون شجعوه:
رأينا, فيما سبق, أن العوامل التي أكدت المنحى العلمي في أدبه كانت جميعها تنبع من طبيعة الظروف والنشأة وتستمد وجودها من ذاتية الأديب وبيئته, فإننا نرى هنا "شخصيات" ساعدت على تأصيل المنحى العلمي في أدبه وتشكيل فكره وفنه, عن طريق مساعدتها له وتشجيعه.
فبالإضافة إلى جدته لوالده الحكاءة العظيمة, ووالده الذي كان يصطحبه معه في جولاته الفنية, وطالما أخذ برأي نهاد حول لوحاته, وكذلك قريبه الذي كان يعمل في مرصد حلوان وجعله يتطلع إلى السماء والفضاء ومراقبة النجوم والكواكب, وجده الذي أفاده بمكتبته الضخمة, ومنصور الشوادفى أستاذ اللغة العربية بمدرسة حلوان الثانوية الذي اهتم بإتقان نهاد للغة العربية وصبره على مناقشة ما يدونه من موضوعات إنشائية وما أمد به نهاد من كتب ثقافية ليقرأها, بالإضافة إلى كل هؤلاء, فإن هناك شخصيات أخرى أثرت أيضًا وبشكل كبير في حياته، منها: الصحفي صلاح جلال، والأدباء: يوسف السباعي، ويحيى حقي، ومصطفى محمود، ويوسف الشاروني.
4- حول منهج الكتابة:
لكل كاتب منهجه الخاص في الكتابة, وفعل الكتابة عنده له طقوس خاصة, ويختلف هذا المنهج وتلك الطقوس من كاتب إلى آخر, وذلك باختلاف الأمزجة وتنوع فنون الكتابة.
وإذا كانت هناك قاعدة عامة تحكم الكتاب وهي احتياج كل كاتب إلى قلم وورق ومكان هادئ يبدع فيه, فإن كاتب الخيال العلمي يشذ عن تلك القاعدة! نعم يشذ, وبقوة, فبجانب القلم والأوراق, لابد أن يجلس في مكان مليء بالمراجع والمصادر والمعلومات العلمية التي يراجعها ويدرسها طوال فترة كتابة عمله الروائي أو القصصي أو المسرحي. أي أنه يظل في بحث دائم ودائب وشاق.
ويحدثنا نهاد شريف عن منهجه في الكتابة, ومن أين يستقى أفكاره, وكيف يضعها في قالب أدبي ويقدمها في صياغة فنية, وأهم طقوس الكتابة عنده قائلا:
- منهجي لكتابة نوعية أدب الخيال العلمي شاق.. طويل, ومعقد, وهو منهج يميزه كم مهول من الشك والانفعال يصلان درجة المرض.
- البداية لا تخرج عن خبر أو حديث أو قراءة أو مشاهدة أو التقاط مجرد فكرة عابرة. وما أكثر ما يمر بنا من رؤى وأحداث, وما يجول بخواطرنا من أفكار وتأملات.
على أن معظم أفكاري تأتيني وأنا جالس في شيء متحرك كقطار أو طائرة أو أتوبيس أو سيارة, بل إن معظم ملامح روايتي "قاهر الزمن" تبلورت وتكونت بينما أجلس بمترو حلوان؛ ولذلك فإني أحتفظ دومًا معي بقلم ومفكرة أسجل فيها الأفكار التي تعن لي قبل أن تغيب في غيابة جب النسيان.
- الصياغة الفنية لعمل من الأعمال على عشقي لها هي قمة المعاناة, فبعد أن يبرز أمامي شيء باهت وصغير عندئذ ينشط كياني كله وتبدأ المعاناة: هذه الحقيقة العلمية.. هل يتيسر إخضاعها لعمل درامي؟ كيف؟ وعلى أية صورة ؟وبأي ترتيب؟ فإذا راقتني الفكرة واقتنعت بها بدأت مرحلة البحث والدراسة حول الحقيقة العلمية ذاتها ومدى صحتها وعمقها والأبحاث التي أجريت حولها والآثار التي ترتبت عليها, ثم تجيء مرحلة استشارة المتخصص أو مرحلة ارتياد مكان ما, أو رؤية مقر علمي أو تفقد مؤسسة متخصصة إلى آخر هذه الأشياء الضرورية لاستكمال بحثي, وبعد مدة معينة أبدأ الصياغة أو أنبذ الموضوع من أساسه وأتجه إلى غيره.
فإذا ما قررت الكتابة فإنني على عشقي لها أنزلق إلى قمة المعاناة. وتتمثل لدى في استدعاء مخزون معلوماتي ومراجعتها وتقليبها وفحصها واستكمالها من مصادر مكتبتي ومستشاريَّ ومن جهات أخرى متخصصة بينما تشتعل طاقات مخيلتي لأقصاها.
وأعطيك نموذجًا على سبيل المثال: هذا الكوكب القصي الذي يقصده أبطال روايتي. كيف يبدو على البعد وسفينتنا الكونية تقترب منه, ما شكله وتضاريسه, وما يميزه عن غيره, ثم كلما اقتربنا من الكوكب كيف يتضخم منظوره وتتضح تفاصيله ومشاهده، فإذا ما حان الهبوط كيف تتم هذه العملية الدقيقة حتى تستقر السفينة على الثرى. ولما يغادر الملاحون - أبطال الرواية - سفينتهم فكيف لهم باستقبال أجواء الكوكب وتكويناته وما به من مخلوقات إن وجدت.
وبعد العموميات لابد من تناول الخصوصيات فما هي أنواع مخلوقات الكوكب كل على حدة ؟ وهل بينها كائنات عاقلة؟ وهنا نصل إلى واحدة من ذرى النشاط الفكري كوصف لهيئات وتصرفات هذه الكائنات.
الكثير والكثير من أمثال هذه التصورات والاستفسارات تدور في رأسي, لكن مخيلتي لا تبدأ من فراغ وإنما قاعدتها المعلومات العلمية وتنبوءات المتخصصين - كما ذكرت - وإلى أقل وأصغر تفاصيلها.
وقد تعودت أسرتي الصغيرة - زوجة وابنة وابن - على تكرار لجوئي إلى العزلة والصمت والتأمل وطول فترات عزلتي وما يعتريها من اعتكاف أو هو تفرغ كامل حتى أنتهي من كتابة الرواية أو القصة.
وبما أني كاتب بالغ الدقة والقلق, بل التوجس في أعمالي, فإن إتمام العمل الفني أو تركه إلى عمل غيره لا يتحقق قبل شهرين أو ثلاثة من ختامه, حيث تتلو مرحلة الانتهاء مراحل عدة من قراءة النص مرات, كذلك لا مانع من دراسة مزيد من التفاصيل العلمية أو سؤال مختص حول جزئية فيه, فإذا اقتنعت في النهاية لبذل أقصى طاقاتي استسلمت وقدمت مولودي إلى الناشر وساعتها فقط أحس الراحة والتقط أولى أنفاسي. إلا أنها ليست راحة مطلقة, فمطلقًا لا يعنى اطمئنانًا واستقرارًا عميقين تجاه أي عمل فني ينشر لي, كيف والمسؤولية ضخمة وخطيرة وأول ما أخشاه نقدي الشخصي لما يخطه قلمي. وهكذا مع كثرة وتعدد مواليدي يتفاقم قلقي وتتأجج عذاباتي.
وعن أهم العادات والتصرفات الخاصة التي يمارسها نهاد شريف وقت الكتابة, يقول:
- أولا أنا إنسان ليلى إذا ما كتبت وربما أكثر ساعاتي انهماكًا عندما ينتهي الإرسال التليفزيوني. أي بعد منتصف الليل وإلى حلول الفجر حيث أجد متعتي الكبرى في مراقبة وتأمل خيوط الضوء الوليد وهي تتسلل من وراء الأفق وعندئذ فقط أتوجه إلى فراشي.
- بدايتي في الغالب عصبية للغاية وهي تستغرق وقتًا طويلا يسودها التبرم وعدم الرضا لكن متى اجتزت معركة بنائها فإن الباقي أكثر سهولة وانسيابًا.
- وأنا أميل إلى الصمت والنظام والسكون المطلق في أغلب أوقات الكتابة خاصة في عمق الليل لكن لا بأس من الاستماع إلى موسيقى كلاسيكية هادئة.
- أدخن البايب بشراهة أثناء الكتابة لكنى لا أتناول أية منبهات. فقط لجأت إلى الينسون في الشتاء للتدفئة فقط. إلا أن توتري وقلقي أثناء الكتابة كثيرًا ما يجعلني في حالة أشبه باليقظة المتحفزة مما يدفعني في بعض الأحيان إلى تناول مهدئ خفيف لأنام.
- لا أحب الورق المسطر ولا الملون أو السميك. وأملّ الكتابة على الورق كبير الحجم. لذلك فأنا أقسم ورقة الفولسكاب الأبيض نصفين, أما الأقلام فكل لون يدل على المراجعة مرة, لكن البداية دائمًا بالقلم الرصاص. حمادة هزاع ـ شاعر وناقد مصري Eslam_deen2000@yahoo.com إحالات:

1 ـ هذه المقالة مستلة من رسالتي للماجستير من فصل بعنوان ( نهاد شريف سيرة ومنهج)، وقد اعتمدت في هذا الفصل على الكثير من الأحاديث واللقاءات التي أجريت مع الأديب نهاد شريف, ونشرت في الصحف والمجلات المصرية والعربية, وعلى شبكة المعلومات (الإنترنت), بالإضافة إلى ما رواه وكتبه لي خلال مقابلاتي الشخصية المتعددة معه.
وفي جلسة خاصة لي معه في منزله بالدقي, بعد أن قرأ هذا الفصل, في يوم 21/2/2006, الساعة الحادية عشر صباحا أثنى على ما ورد فيه , ثم أبدى بعض الملاحظات القيمة التي أفدت منها , فجزاه الله خير الجزاء.
2 ـ كثير من النقاد ذكروا أن سنة الميلاد كانت 1932, ولكن هذا غير صحيح, فقد ذكر لي الأستاذ نهاد شريف أن 25/6/1930 هو التاريخ الصحيح لميلاده.