'هاملت البابلي' يخترق حصار المركز البغدادي

بقلم: ياسر عبد الصاحب البرّاك
قراءة جديدة لهاملت

لست أريد أن أتحدث بشكل نقدي عن عرض مسرحية "هاملت" لمؤلفها وليم شكسبير ومخرجها د. محمد حسين حبيب التي قدمت إبتداءً من منتصف يونيو/حزيران، وهي من إنتاج المديرية العامة للتربية في بابل – مديرية النشاط المدرسي بالتعاون مع نقابة الفنانين – فرع بابل وعرضت على قاعة النشاط المدرسي، فسوف أترك ذلك لمناسبة أخرى.
ولكني أودُّ التحدث عن ظاهرة ذكّر بها هذا العرض وأعتقد أنها جديرة بالإضاءة والكشف، ظاهرة مازالت حاضرة في المشهد المسرحي العراقي كلما جرى تقديم أحدى مسرحيات شكسبير أو غيرها من الأعمال العالمية المهمّة، إذ تذكر الوثائق المسرحية المتوفرة لدينا أن تقديم مسرحيات شكسبير ظل مستمراً على خشبات المسرح العراقي منذ الأربعينيات من القرن الماضي وحتى الآن.
وهذا إن دلَّ على شيء فإنما يدل على أن المسرح العراقي مسرح مثقف وعلى تواصل مستمر مع مُنجز المسرح العالمي، ولكن ليس هذا بيت القصيد، فالشيء المهم - بحسب إعتقادنا – هو الكيفية التي تم بها إنجاز هذا العرض المهم وما يترتب على هذا الإنتاج من مقدّمات يمكنها أن تقودنا إلى إعادة النظر بالكثير من المسلّمات والقواعد التي أرستها حركية المشهد المسرحي العراقي السابقة.
تلك الحركية التي كان فيها (المركز = مسرح العاصمة) يشكل فيها كل شيء، بينما يغيب (الهامش = مسرح المحافظات) أو يُغيَّب عن تاريخية ذلك المشهد لبُعده عن الأضواء التي يحتكرها المركز تماشياً مع البنية السياسية للأنظمة الشمولية التي حكمت العراق.
ولعل الإطار العام لتلك الظاهرة يتمثل في إعتماد المعالجات الإخراجية لمسرحيات شكسبير التي قدمها مخرجو العاصمة في الحديث عن تعامل العقل الإخراجي العراقي مع مسرحيات شكسبير، فمثلاً يجري الحديث عن (هاملت) حميد محمد جواد، أو سامي عبد الحميد، أو صلاح القصب، وغيرهم من مخرجي المركز، بينما لا يجري الحديث عن إخراج الشكسبيريات الأخرى في مسرح الهامش (المحافظات).
وربما يعود ذلك كما قلنا إلى بُعد مسرح الهامش عن الأضواء الإعلامية التي من شأنها أن تعلّي من شأن تلك العروض أو قيمتها الفنية، أو ربما يعود إلى تفاوت إسلوبي في المستوى الفني لتلك العروض، لكننا نستطيع الجزم من خلال متابعتنا المستمرة لما يجري في مشهدنا المسرحي العراقي أن ثمّة "تابوات ثقافية" تشكلت في ثقافتنا العراقية منذ العقود الأولى لتأسيس الدولة العراقية الحديثة.
وكان في مقدمة تلك التابوات النظر إلى إبداع الهامش باعتباره إبداعاً ثانويا من دون فحص نقدي رصين يمكن أن يشكل ملامح تجربة مسرح الهامش بما يليق بها، وأرى أن المسرحيين أنفسهم في ذلك المسرح يتحملون جزءً من تلك الإشكالية، فهم لم يخلقوا حركة نقدية كبيرة ترافق مُنجزهم الإبداعي كما هو الحال في الحركة النقدية التي تمركزت في مسرح العاصمة.
ولم يجرِ الحديث عن تجاربهم الإخراجية وتدوين تلك التجارب بشكل نظري كما فعل الرواد في مسرح المركز (سامي عبد الحميد – بدري حسون فريد على سبيل المثال)، بل ظلت تلك التجارب عرضة للنسيان مع الخاصية الانطفائية للعمل المسرحي حيث لا يبقى منه سوى المدوّنات النصيّة (النص / النقد / التنظير / المذكرات / الصورة الفوتوغرافية / دليل العرض وملصقاته).
ولذا أعتقد أن عرض "هاملت" البابلي يمكن أن يشكّل علامة فارقة في تاريخ هذه الظاهرة / الإشكالية، خاصة مع علمنا أنه تم توثيق العرض تلفزيونياً مما يتيح إمكانية إعادة فحصه نقديا في أي وقت آخر، أقول علامة من شأنها أن تعيد النظر في رؤيتنا لطبيعة المسرح العراقي وبناءه المشهدي وبما يتوافق مع التنوع في الرؤى بين مسرحي المركز والهامش ليجري تصدير مسرح الهامش إلى المقدمة عبر عروضه الرصينة والمتميزة وفي مقدمتها "هاملت" البابلي فيجري الحديث عند ذاك عن "هاملت" محمد حسين حبيب ضمن سياقية التعامل الإخراجي مع رؤية المخرج العراقي في قراءة شكسبير المستمرة.
وعندها نجد أن الحلقة الإبداعية تكتمل بدءً من جهود المخرجين في الأربعينيات مروراً بما قدمه مسرح المركز والهامش على حدًّ سواء، وإنتهاءً بالرؤى الجديدة التي سوف تتعامل مع "هاملت" أو غيرها من القمم الشكسبيرية.
وإذا كان مسرح المركز يمتلك البنية التحتية (قاعات مجهزة بأحدث التقنيات / ممثلون محترفون / مؤسسات إنتاجية قادرة على توفير المال /... الخ) التي تؤهله لتقديم مثل هكذا أعمال كبيرة فهل توفرت - على الأقل في العقود الثلاثة الماضية – مثل هذه البنية في مسرح الهامش بحيث يمكنها أن تنعكس بشكل إيجابي على تقديم مثل هكذا نمط من المسرحيات نعتقد أن الجمهور العام بحاجة لها باعتبارها تجربة جمالية مهمّة في حياته.
والقضية – برأينا – في معرض الإجابة عن هذا السؤال ستكون نسبية، إذ أنه في ظل غياب البنية التحتية للمسرح في بعض مدن مسرح الهامش لا يمكن تقديم مثل هكذا أعمال، أما بالنسبة للمدن التي تمتلك بعض مقومات تلك البنية التحتية – وبضمنها مدينة بابل – فاعتقد أن الأمر سيكون ممكنا وهذا ما ظهر بشكل واضح في "هاملت" البابلي، فعلى الرغم من أن العرض قدّم في قاعة فقيرة نسبياً من الناحية التقنية إلا أنه إجتهد في أن يكون عملاً مميزاً من الناحية الإنتاجية أولاً، ومن ناحية الاقتراب إلى تخوم الرؤية الإخراجية المغايرة للرؤى الإخراجية السائدة في ذاكرة عروض المسرح العراقي السابقة ثانياً.
وذلك ما أشّر لدينا كمتابعين للشأن المسرحي أهمية وجود كلية الفنون الجميلة – جامعة بابل وإنعكاس ذلك الوجود على المستوى المتقدم نسبياً الذي ظهرت به الطاقات الأدائية الشابة في هذا العرض، وأقصد على وجه التحديد ممثلي أدوار "هاملت وهوراشيو وأوفيليا"، إضافة إلى خبرات الممثلين الآخرين من خريجي معهد وكلية الفنون الجميلة – بغداد في السنوات التي سبقت تأسيس كلية الفنون في بابل.
وهذا ما يعطي الأمل بإمكانية أن يكون لـ "مسرح الهامش" دوراً كبيراً في الحياة المسرحية القادمة لأن هذا العرض يؤسس لمستوى إنتاجي يمكنه أن يبرز ما هو خفي وغير معلن في تجارب هذا المسرح، وإذا ما أضفنا إلى ذلك تنوع وسائل الإعلام التي من شأنها أن تروّج لمثل هكذا أعمال فان الحلقة تكتمل لتوفر فرصة تصدير مسرح الهامش ليتحوّل إلى مركز هو الآخر، وبالتالي تذوب جميع تلك الهوامش المسرحية تباعاً لتتحوّل إلى مراكز مسرحية متجاورة قد تتفاوت نسبيا لكنها لن تكون حاملة لقطيعة كبيرة من المسافات الإبداعية.
وما سوف يعزز هذه الرؤية طبيعة النظام السياسي الذي بدأ يتشكل مع سقوط الدكتاتورية، وإنعكاس بنية هذا النظام على الحياة الثقافية وبضمنها المسرحية، وربما سيستغرق هذا الأمر زمناً طويلاً إلا أن مجالات تحققه سرعة وبطئاً محكومة بسعي المسرحيين أنفسهم ودعم الحكومات المحلية لهذا المشروع بعيداً عن الوصاية المركزية للعاصمة ومؤسساتها المسرحية.