ألوان من الإبداع في عصر القراءة الإلكترونية

كتبت ـ فاطمة الزهراء فلا
نتيجة عبورنا من الإبداع إلى المعلومات

الكلمة في مواجهة الظواهر العالمية ترضخ للمتغير مع التمثلات الفردية والراهنة، فالظواهر لا يمكنها سوى أن تكون الواقع المحسوس كالمعرفة الحسية عامة. وكلما ازدادت المعرفة المعلوماتية زاد الفهم الإدراكى للإبداع، فالنقد مثلا علاقة وثيقة بين المبدع والناقد، والحقيقة العقل والفهم غالبا ما يكون العامل المشترك بين الناس، بينما الحسي هو ما يتغير بين إنسان وآخر، وعند الإنسان الواحد من حين إلى آخر، فالإبداع في الأربعينيات غيره في الخمسينيات والستينيات، فالمبدع كان يكتب أدبا من واقع ما يعيشه من احتلال وصراع بين الوطنية المحتدمة في الصدور والمغتصب للأرض، فجاءت روايات المبدع تصور لحالة المجتمع بعض النظر عن أي شيء آخر دون أن يفرق بين الوهم والواقع إلى أقصى حدود غير عابئ بنقد أو خلافه. ما مفردات النقد قديما؟ كمال أول. وهى كلمة ابتكرها أرسطو، ويدل على فهم المنجز مقابل الفعل الجاري إنجازه، وعلى الكمال الناشيء من هذا الإنجاز والشكل والعقل بمعزل عن المعرفه البشريه كما كونتها الأحاسيس والعقل، ولكن ليس بمعزل عن كل معرفة. فمملكة الإبداع بأوسع المعاني هي انسلاخ المبدع عن عالمه الكائن من حوله مقابل معايشة الأحاسيس كاملة، فنطلق عليها مملكه الإبداع. ويطلق على الفكر اسم حاسة أو خيال في هذة الحالة، فالفهم العقلي هو وظيفه الفكر التي تكمن في وصل الأحاسيس في سلاسل وأنساق متماسكة بواسطة المقولات.
إن الإدراك العقلي هو ملكة الأحكام غير شرطي بالنسبة إلى كل معرفه شرطية تتوقف عليه فتكون الفهم العقلي إدراكيا، ولذلك ينطلق من المقدمات والفرضيات غير الخاضعه بذاتها للفكر والرؤية.

الإنصات: نموذج لإبداع عصر العولمة تقول المؤلفة مادلين بيرلى ألين في مقدمة كتابها إذا كنت مستمعا جيدا ومنصتا ماهرا، فإن استجابة الناس من حولك تكون أكثر إيجابية، فالإنصات هو الحصول على معلومات من المتحدث أو المتحدثين أو حتى من أنفسنا مع استمرار حالة الثبات والهدوء وعدم إصدار أحكام وأشعار المتحدث بالاهتمام بتدعيم أفكاره وآرائه، وهذا من صميم مسئولية المنصف.
إن الإنصات الجيد لا يعني فقط الاهتمام من أنفسنا، فالإنصات الجيد لما نقوله ومراقبه كيف نقوله يعلمنا الكثير عن أنفسنا ويوضح لنا أشياء قد لا نراها أو نشعر بها بداخلنا.
والإنصات يعتبر عملية ذهنية معقدة أكثر من مجرد الاستماع فهي تحتاج إلى طاقة ونظام فالمستمع الجيد (المنصت) لا يجلس هادئا، ويترك عملية الإنصات تتم بدون جهد.
ولذلك نجد المؤلفة تبدع حينما تسأل ماهو الإنصات؟
وتجاوب على نفسها بأن تسأل سؤالين آخرين:
1- ما طبيعة الإحساس أو الشعور بأنك تنصت إلى شخص آخر؟
2- ما طبيعة الإحساس أو الشعور بأن شخصا آخر ينصت اليك؟
من هنا نلاحظ أن الإبداع فى عصر المعلومات والقراءة الإلكترونية يتطلب من القارئ أن يكون حاضر الذهن - متوقد الذكاء.
إبداع عملي في عصر النت
تروي لنا إحدى المديرات هذه الواقعة عنها وعن زميل لها فتقول:
صادف أحد الأيام تنفيذ ثلاثة مشروعات في وقت واحد وشعرت جانيت (المديرة) ببعض القلق والتوتر وهي تنهي أحد المشروعات وتعد التقرير المالي الخاص به. وفجأة ظهر أمامها أحد الموظفين (جيف) وهو يقول إننى لا أستطيع إعداد هذا التقرير فقد فقدت بيان ملخص المشروع.
وقالت جانيت وقد أصابها الوجوم وتوفقت عن عمل كل ما كان بين يديها، ثم أخدت نفسا عميقا وأعطت (جيف) كامل انتباها: أخبرني بما فعلته كي تجد هذا البيان؟
وأجاب (جيف): لقد سألت (ديف) أولا عن هذه الأوراق لكنه قال إنه أعطاني إياها بالأمس قبل مغادرته العمل. بعد ذلك تذكرت أنني تركتها على مكتبي مع رساله إلى (دانا) كي تقوم بطباعتها هذا الصباح وقالت (دانا) إنها قد أعادتها إلي كي أرجعها قبل موعد الغداء.
قالت (جانيت) إذن فالأوراق كانت بحوزتك حتى موعد الغداء فما الذي حدث بعد ذلك؟
وأجاب (جيف): هذا ما لا أستطيع أن أتذكره.
أجابت (جانيت): إنني أراك محبطا بسبب فقد هذا المستند.
رد (جيف): نعم فلا يليق أن يفقد مستند واحد من شخص مثلي.
قالت (جانيت): تعال إذن واجلس لمدة دقيقه واحدة. استرح واغلق عينيك. تذكر نفسك وأنت تتسلم المستند من (دانا) وسوف تسترجع ماذا حدث بعد ذلك.
اغلق (جيف) عينيه لمدة ثلاث دقائق متصلة. ثم انفرحت أساريره فجأة وفتح عينيه وصاح. لقد تذكرت الآن لقد أعطانى (جو) هذا المستند بينما كنت ممسكا بالبيان المالي في يدي فوضعت المستند أسفل البيان، وهنا نرى أن الإنصات الجيد والفهم العميق مع الثبات في حاله الموضوعية والحياد.
إذن الإنصات يوجه رسالة تقول "إن مشاعرك وأحاسيسك مشروعه وشرعية بينما الذين لا ينصت إليهم تصلهم رسالة بأن مشاعرهم غير هامة وغير محل تقدير من الآخرين.
والحقيقة أن الإنصات إلى الذات أولا هو الخطوة الأساسية والرئيسية في التنمية الجادة والحقيقية التي تضيف الخبرة:
إذن الإبداع لا يتوقف فقط على الشعر والقصة والرواية والمسرح، لكن ابتكار إبداعات أخرى تتألق وتفرض على المجتمع في كل عصر، فهذا ما يجب أن نقره ونعترف به، فمثلا في العصور الإغريقية سمة فكرية وأسلوبية تميز بها الكتاب وبالأخص الشعراء والإغريق في الإسكندرية تميزوا بشفافية وغموض مضافين إلى حب التوريات والإشارات التركية.
فجمعت الحضارة اليونانية فلسفة وفن وآداب وعلوم منذ القرن الثالث ق. م حتى القرن الميلادي الثالث في الفلسفة بوجه خاص امونيوس، ساكاس، أفلوطين، فرفويوس .. الخ. الحرية الفكرية في عصر النت خيال خلاق .. جواد جامح .. قلم مبدع. جرى الاحتفاظ بهذه المعاني الثلاثة أو الابتكاري، وعندما نتحدث عن الأفكار فإننا نطلقها على المخيلي والتخيل وانسلاخ المبدع عن واقعه وهروبه لمجتمع أفضل.
تصور نفسي وعرفاني يرى أن ما يجرى إدراكه ليس سوى طيف وشبح الواقع نرى أن مذهب ديموقريطس كان نوعا من الهوامية، مماثلا جدا لما كان بعض المذاهب الحديثة قد توصل إليه من خلال مزج المثالية والإحساسية.
وأنا أتخيل المبدع جالسا في حالة غيبوبية تامة وقد جلس عقله في الوسط (وسط العرش) تحف به الإدارة من جانب ولا شيء يفصله بين الإبداع وكأنه في يم يغرق حتى أذنيه والشاطئ بعيد لن يصل إليه حتى يسكب ما في نفسه الحالمة بتكسير القيود واجتياز الحواجز، لذلك فالمبدع يعاني من التجربة اللاشعورية التي تعتمل في ذاته طبقا لأدلة ووقائع معينة يختزنها وربما يكون من الخطأ الفادح الظن أن واقعة يمكنها أن تكون (معطاءة في التجربة) فالواقع هو من إنشاء الفكر أكثر مما هي من نتاج الملاحظه أن الوقائع لا توجد جاهزة في الطبيعه مثلما توجد الملابس الجاهزة، فالمبدع لا يحيك إبداعه حسب المقاس ولكنه يقول أشياء تحتم عليه التفكير الطويل، والموضوعات التي يكتبها اليوم غير الذي كتبها بالأمس، فالتلاحق والسرعة في عصر المعلوماتية وانصراف القارئ عن الإبداع النمطي قد يصيب المبدع بالإحباط فيبتعد عن الإبداع النمطي.
إذن النت ليس عشوائيا، ولكنه حقيقة وواقع ملموس، نزد على ذلك أنه ليس عشوائيا، ولكن مدروس ومنظم ومن يمتلك زمامه ويفهمه عن فهم أن التفاحة شيء عادي ولكن باكتشاف قانون الجاذبية أصبحت التفاحة شيئا غير عادي. إفرط .. لا يعنيني القراءة الإلكترونية سريعة، دقيقة ـ مختصرة لا تضيع الوقت، شاشة متقلبة تحمل العديد والعديد من الموضوعات لكن أهم ما يميزها القياس الدقيق والعلوم المتطورة التي تخاطب العقل وتكمن الدقة العقلية إذن في الإعلام عما يقترح ويقال بلا لبس ممل بمعنى أن تكون المقالة صحيحة دقيقة هادفة مفيدة ولكن على النقيض فالإفراط في الإبداع والتجاوز والشطط ورسم العبارات بدقة متناهية يجاوز القياس السوي للإبداع ويعطى تأثيراً سلبياً على المتلقي بأن هذا الإبداع لا يساوي إلا إثارة عصبية وضلالة في حركة زائفة لتقليب الإبداع، فمثلاً في المجالات المنطقية البارعة يؤخذ خصوصاً بنحو سيء، فيقال في الاستدلالات المغرضة والمحاجات السفسطائية إن المذهب الجدالي هو مذهب ميغاريوس حب عشق (علمه) هو نفسه في اللغات الأخرى:
منقول عن اليونانية قديماً وأساساً هو رغبة الحب في مقابل الصداقة والرحمة والمحبة ثم بنحو أعم هو كل رغبة شديدة، كل هوى، كل نشدان لشيء بوله وهو كأسم علم إروس (إله الحب).
في الاصطلاح الفرويدي، وعند بعض علماء النفس الذين استلهموه، ارتدت الكلمة معنى أكثر اتساعاً وتبايناً يتراوح بين المفهوم الجنسي المحض والرغبة عموماً.
فمثلاً كلمة باطن أو باطني تعني داخلي، وهى إحدى المفردات التي جرى استعمالها انطلاقاً من مذهب للأتباع مكتملي الثقافة، وبالعكس يكون خارجياً أو ظاهرياً ما يتلاءم مع التعليم العام والشعبي أن الباطنية هي العقيدة التي ترى أن العلم لا يجوز أن يشاع بين الناس، بل يجب أن يظل محصوراً في نطاق مريدين معروفين ومختارين على أساس عقلهم، كل هذا الكلام معذرةً لا يعني جيل هذه الأيام. فما هي البدائل الثقافية في عصر ثورة المعلومات؟ ما هو الخطاب العصري؟ الخطاب هو من وجهة النظر، المحكوم من قبل كائن ذي بصيرة وإرادة حتى وإن كانت هذه الإرادة لا تمارس بثبات الهدف نفسه، وقد يوجه الخطاب لفئة بعينها دون الأخرى، لصورة واحدة أو لمجموعة صور الأمر الذي سيحدث في الرؤية المزدوجة أو المثلثة.
والخطاب له اتجاهات إما دينية أو اجتماعية أو سياسية .. إلخ، أو يكون فلسفياً، أو منفصلاً أو إدراكيا أو عقليا، فالخطاب عند "كانط" يتعارض النظري مع الحدسي، مثلما تتعارض معرفة العام مع معرفة الخاص، فنحن نشأنا على عدة مفاهيم ومأثورات منها (ربِّ ابنك وأحسن أدبه ما يموت إلا إذا فرغ أجله). لذلك كان على الطفل أن يفعل ما يطلب منه ولا يناقش السلطة الأعلى منه، ولا يقول لا، وهذا بالتأكيد يكون نتيجته سلبية على شخصية الطفل فيخرج مرهقاً لنفسه متوترا، منفعلا شاعراً بالنقمة، ومحبطا أيضاً.
ويقول (فرانك) إن تعامل والديه معه ولَّد لديه شعور بالخوف من السلطة الأعلى ونتيجة لهذه المخاوف أن الحديث مع السلطة الأعلى يعني عدم الاحترام ويخلق شخصية عاجزة وخائفة ومهتزة.
إذن لابد للخطاب العصري أن يتسم بالصفات الأجمل. إبداء الرأي دون خوف يولد الشعور بالرضا عن النفس والثقة المطلقة. وألا يكون دائم الموافقة لأن المنطق والعقل هما الأجدر بالمناقشة.
من هنا نجد أن الخطاب العصري يعتمد في المقام الأول على عملية التفكير المتأني والصحيح في آن واحد لأن التفكير العشوائي لا نجني منه إلا الشخصية المهتزة. ومن أهم النصائح للشخص المخاطب التركيز في المعاني التي يقولها المتحدث أكثر مما يركز في شكله وطريقته. الحداثة والأزمة ليست الحداثة مفهوماً أحادياً بل تتجلى بالأحرى بنمطين اثنين على الأمل، أولهما هو ذلك الذي قلنا إنه عملية ثورية متطرفة فمثل هذه الحداثة تقوم بنسف علاقتها مع الماضي وتعلن عن كون الصيغة الجديدة في العالم والحياة.
غير أن ثورة الحداثة الأوروبية سرعان ما دخل خريفها حول الهيمنة على صيغة الحداثة، فكان النصر من نصيب النمط الثاني، ومعه قوى النظام التي سعت إلى تمييز نفوذ الثورة، وعلى الرغم من أن العودة إلى الوراء لم تكن ممكنة فقد توافرت مع ذلك فرصة إعادة فرض أيديولوجيات قائمة على التحكم والتسلط. فكلما تبدت ثمار الثورة اليانعة بكل بهائها على امتداد القرن السادس عشر كان لابد من تلطيخ المشهد بألوان الشفق الدامية، ذلك أن هناك صراعا مأساويا بين القديم وبين الثورة المعلوماتية الهائلة التي طغت وبقوة لمسح آثار كل ما هو قديم فوجدنا أن المبدع يبتعد شيئاً فشيئاً عن الكتابة ليدخل في حوارات الشات والإبداع الجاهز مثل الوجبات الجاهزة (التيك أواي) مثل الجنس فوق الشاشات.
هذا الوقت أصبح مسروقاً من إبداعات كان لابد أن تكون، ولكنها تاهت وغابت في دروب الأزمة الحداثية.
ومع ديكارت بدأت رحلة التنوير أو الأيدولوجيا البرجوازية، فالجهاز المتسامى الذي يقترحه هو الطابع المميز لفكر التنوير الأوروبي، فالتيار التجريبي والتيار المثالي كلاهما، كانت النزعة المتسامية الأفق الحصري للأيدولوجيا ثم ما لبثت أشكال الخطاب البلاغي في التمحور والتغير ليتناسب مع الجديد الوافد في كل لحظة.
كذلك ينجح "كانط" في طرح المسألة عند مركز الأفق الميتافيزيقي، ولكنه يتمكن في الوقت نفسه من اختزال المعرفة إلى توسيط فكري ثقافي وتحييد الفعل الأخلاقي في النزعة التخطيطية للعقل. كما يقول (ديكارت) الذي عبر عن النزعة التخطيطية الرومانسية، فالأزمة المصاحبة للعولمة هي غياب الدور الرئيسي للمشاعر والتعامل مع الآلة التي تدهس المشاعر والحب في آن واحد. كيفية الخروج من الأزمة؟ لا نستطيع الإجابة عن سؤال كيفية الخروج من الأزمة، فنحن نغوص في الافتراضية السياسية – الحيوية - المشبعة بالعمليات الفردية والخلاقة لإنتاج الكيانات الذاتية، إلا أن السؤال هو كيف يكون التفجير والتجديد ممكنين في الأفق المطلق الذي يحيط بنا من كل جانب في عالم تنكر للقيم وضرب بالمشاعر عرض الحائط، وبات يعاني من فراغ المعنى وغياب القياس غيابا كاملا؟
لسنا بحاجة هنا لأن نعود ثانية إلى أي وصف للرغبة وزيادتها الوجودية (الأنطولوجية) المفرطة، ولا أن نقوم مرة أخري بتأكيد بعد (إلـ ما وراء) يكفي أن نشير إلى الجسم النشوئي (التوليدي) للرغبة وإنتاجيتها بالتالي على الصعيد العلمي، ويبادر هذا الواقع الجديد إلى إجبار النظرية السياسية على تعديل قوامها بصورة جذرية، ففي مجتمع السياسة يتعذر مثلا استخدام الخوف حسب اقتراح توماس هوبز بوصفه المحرك الحصري لتأسيس السياسة.
لذلك نجد النشر الإلكتروني أهم ركائز العولمة والمحاكاة عبر الشات. من هنا نجد الصورة السلبية للتحكم بالقوة الحيوية المنتجة مثقلة بقدر أكبر من المفارقات لدى مقاربتها من المنظور الجسدي يبقى التناقض فنحن أمام مفارقة. تعترف العولمة بحقيقة أن الأجساد تنتج أكثر بالتعاون وتستمتع أكثر في ظل الألفة وتستفيد من هذه الحقيقة غير أن عليها أن تعرقل هذه الاستقلالية التعاونية وتتحكم بها حتى لا تتعرض للتدمير على يدها، ويبادر الفساد الإبداعي للنخر في المجتمع فيتبدى على شكل مرض وإحباط وبتر وتجاوزات وشطط، ويعتقد المبدع أنه فوق البشر. إذن هو في حالة تفكك نفسي وعقلي بل يصل إلى حد إدمان المخدرات فيصبح صورة مشوشة لمجتمعه.
إن إمبراطورية العولمة تعترف بحقيقة أن الأفراد ينتجون أكثر بالتعاون وتستمتع في ظل الألفة غير أن عليها أن تعرقل هذه الاستقلالية التعاونية وتتحكم بها حتى لا تتعرض للتدمير على يديها.
ولعل النتيجة الجغرافية الأولى لعملية عبورنا من الإبداع الغارقة في الوصف وسرد التفاصيل الدقيقة إلى دنيا المعلومات السريعة هي إشاعة قدر مدهش من الكتب التي تتحدث عن الغزو المعلوماتي وتصفه وتحقق فيه وتفرض على القارئ نوعية جديدة من الكتب التي تتطلب قدرا هائلا من البحث والدراسة لأن كفاءة الاتصال والنقل تشكل أهم العناصر التي تميز الباحث الهامشي، فالمبدع لديه آلاف القنوات والمحطات التي تسرق أفكاره.
ولذلك فإن الإنترنت باتت أشبه بشبكات الهاتف التي يستوعبها ويوظفها كما يعتمد على تكنولوجيا الكمبيوتر لحفظ أفكاره فتستهويه اللعبة الإلكترونية لكشف المزيد من مجاهلها. ولأن المبدع يشعر أنه بين نازعين: نازع الكتابة ونازع البحث، فإنه يتوه وتتولد لديه أزمة داخلية مميتة ويتواصل في اتجاه واحد فهو لم يعد يبحث عن الجرائد والكتب ومشاهدة الأفلام وكاسيتات الفيديو لكنه يتابع كل ما هو جديد تلهث أنفاسه المتعبة والمدمرة أحيانا يجري على قدم وساق ليتحكم عبر التوحيد (الفعلي والحقوقي) لعناصر صرح المعلومات والاتصالات الرئيسية مثل مايكروسوفت آي. بي. إم.
لقد قامت تكنولوجيا اتصالات جديدة، تعد بديمقراطيه جديدة وتوعية اجتماعية جديدة. لذلك نحن نسأل في زحمة ما بعد الحداثة رغم مقاومة العالم لها: أين نحن من هذه الزحمة؟ ها أصبح لنا إنتاج مؤلف لا يتماشى مع واقعنا الاقتصادي والاجتماعي، ونحن لازلنا نعاني أزمة الرغيف.
لقد بات الإنتاج يعني بصورة متزايدة بناء التعاون والأرضيات التواصلية المشتركة فأخذنا نبحث عن تأسيس القنوات الفضائية ونرصد لها الملايين بلا منطق مدروس ولا هدف محدد، وبذلك نجد أن مملكة العولمة تدهس روح الإبداع، إنها هنا مثل ليلة مزدحمة بالأشباح فالسلطان الجديد (العولمة) من ناحية وروح الإبداع اللامادية والتعاونية للجمهور من ناحية أخري يتحركان كلاهما في الظلال المظلمة، وما من شيء ينجح في تسليط الأضواء الكاشفة على مصائر الإبداع المقبل. الإنترنت والتخلف الاجتماعي التخلف الاجتماعي هو الذي يحدث نتيجة تمسك الأفراد وتعلقهم بالأنماط الاجتماعية القديمة والموروثة وعدم رغبتهم في التجديد أو عدم احتكاكهم بثقافات ومجتمعات تختلف عنهم فتعتبر ظواهر اجتماعية تعكس التخلفات الآتية:
أ‌- تفسير السلوك الإنساني بشكل غير عقلاني وفي بعض الأحيان بشكل غيبي.
ب‌- عدم القناعة بالتخطيط الاجتماعي وتنظيم الأسرة لذلك يرتفع النمو السكاني في المجتمعات المتقدمة بمعدل 1.2%. ومعنى ذلك ارتفاع نسبة المواليد في المجتمعات المتخلفة.
ت‌- عدم احترام الوقت والتوقيت وأثره على الإنتاج الفكري والمادي في دفع عملية التقدم للأمام.
ث‌- عدم التعايش مع التطورات الاجتماعية الحاضرة ومجابهة المشكلات والعمل على حلها.
ج‌- ارتفاع نسبة الأمية في المجتمع.
ح - ارتفاع نسبة الوفيات من الأطفال بسبب الجهل في الرعاية الصحية والتربوية.
ويقدم (أ . هاجن) خمسة محاكمات للتخلف الاجتماعي، وهي انتقال السلوك من جيل إلى آخر بشكل جامد إجمالا، تحكم العادة والتقاليد بالسلوك لا بالقانون نظام اجتماعي تحكمه مرتبيه إنتاجية منخفضة جداً.
وأهم من ذلك هناك مقاومة للتغير تنبع من تضافر نظرة رضوضية إلى العالم الطبيعي الرضوخ لسيطرة البيئة والقوى الماوراثية مع بني اجتماعية ذات نمط تسلطي تنشأ شخصية ذات بنية تسلطية مما يخلق ويعمم نظاما من العلاقات يتصف بالسيطرة.
الرضوخ والامتثال يعرقل عملية التغير من خلال سد السبيل أمام قوى الرفض، لا جناح من الإشارة إلى طرح جديد في تحيد التخلف الاجتماعي.
تقول الرؤية الجديدة الإنسان المتخلف كالمجتمع سلفي أساسا، يتوجه نحو الماضي ويتمسك بالتقاليد والأعراف بدل التصدي للحاضر والتطلع إلى المستقبل، وتزداد السلفية شدة وبروزا بمقدار تخلف المجتمع وبشكل يتناسب طردا مع درجة القهر التي تمارس على الإنسان فيه وتترسخ السلفية من الذاتية بمقدار الشعور بالعجز من مجابهة تحديات الطبيعة والمتسلطين على اختلاف فئاتهم ومراتبهم، والمجتمع المتخلف مجتمع تقليدي جامد متوجه نحو الماضي يصنع العرف كقاعدة للسلوك وكمعيار للنظرة للأمور.
والإنسان المتخلف كائن تتحكم فيه التقاليد وتقيد كل حركة أو انطلاقة نحو المستقبل لديه، فعنصر القهر واضح تماما في المجتمع التقليدي الذي يملك أبناؤه مبادراتهم، كما أنه يقولبهم في صيغ جامدة وثابتة والنكوص إلى الماضي والاحتماء بأمجاده وأيامه السعيدة.
يحدث عملية تزين للماضي من خلال طمس عثراته من جانب والمبالغة في تضخيم حسناته من جانب آخر، وهكذا يتحول الماضي إلى عالم من السعادة والهناء أو المجد والاعتبار حيث ينعي الزمن من خلال اختزال الديمومة إلى بعدها الماضي فقط أي أن الحياة هي الماضي. الوجه الآخر للتغير الاجتماعي التغير الاجتماعي هو الاختلافات التي تعني اختلاف الظروف المحيطة بالفرد فتؤثر بعضا من سلوكه ووصفه الاجتماعي مما تجعله مختلفا عما كان عليه قبل إحاطة الظروف المستجدة به.
مثالنا هو مع بداية القرن الحادي والعشرين ازدهرت تجارة الأطفال وهي لا تقل مردودا ماديا عن تجارة المخدرات والجنس التي تغزو العالم على نطاق واسع وهذا يشكل أخطر ظاهرة لأنها تشمل (الإتجار بالبشر) مع بداية الألفية الثالثة وكأنها عودة إلى القرون الوسطى لا بل أخطر لأن السلع أطفال رضع أغلب الأحيان وأكثر من مليوني طفل تم بيعهم على امتداد العام 2000.
هذه التجارة المهينة بحق القيم الإنسانية تزداد رواجا على المستوى العالمي في موازاة تصعيد وتيرة (الركود والبطالة وانتشار الفقر، ظروف مستجدة أحاطت بأسر هؤلاء الأطفال) فأحدثت تغير في قيمة الطفل الإنسانية. عدد قليل يتنبه.
والإبداع الجديد يتطلب نمطا جديدا غير متوفر في الثقافة الاجتماعية وهذا المطلب يحتاج إلى جهود أجيال لتكوين النمط المطلوب لكي يلبي احتياج الإبداع الجديد. فمثلا هذه الميول العرقية والجنسية والمعتقداتية لا تسمح باستخدام أو ممارسة أو تبني الابتكارات الجديدة لأنها تمثل مقاومة معيارية موروثة عبر الأجيال ترفض تهديدها أو تغيرها لأنها تخدم حامليها أو أصحابها فيقفون موقف المقاومين للتغير الاجتماعي.
كذلك تبدو صورة المقاومة صارخة إذا تعارضت القيم الذوقية والجمالية مع الأعراف السائدة في المجتمع الأمر الذي يدع الأعراف تقف موقف المعارض للإبداع الذوقي الجديد. مثال على ذلك الأزياء النسائية التي تكشف من جسد المرأة أمام الناس، فإن ذلك يكون مخالفا لأعراف الناس فلا تحصل على قبول الأفراد.
كذلك من أهم المتغيرات التي واكبت الإنترنت الوجبات السريعة، ومثل هذه الابتكارات وجدت رواجا، فالشباب بيد يلعب وبالأخرى يتناول وجبته الجاهزة.
وهناك حالة أخرى لحالة البديل في المجتمع العربي وهي كرة القدم الأميركية وموسيقى الجاز وأفلام الكاوبوي (رعاة البقر) مثل هذه الحالات يوجد لها بديل في المجتمع العربي إذ هناك الأفلام العربية التي تعبر عن واقعهم وهناك الموسيقى العربية وهناك كرة القدم البريطانية، أي هناك بدائل لا تدفع المجتمع العربي إلى تبني غيرها بل أن يقاوم ما ينافسها ويتنازع معها.
مثال آخر عن البديل للإبداع الجديد الذي ينطوي على موضوع المساواة بين الجنسين (الذكر والأنثى) والمبادئ الديمقراطية والمصالح التجارية العقلانية السائدة في الغرب التي تواجه مقاومة في العديد من المجتمعات الديمقراطية. البيت الإلكتروني هذا ما يسمى بالانترنت، وقد شهدت السنوات الأخيرة تطورات نوعية في استخدام هذه الشبكة، والسنوات القليلة المقبلة تنبئ منذ الآن بتطورات أكبر.
التليفون المحمول أصبح آلة لنقل الصوت والصورة معا، والكمبيوتر سوف يتحد مع التليفون والتليفزيون عبر أنظمة جديدة.
عدد الذين يستخدمون النت 300 مليون حتى الآن. لكن دخول الصورة والصوت معا إلى المعترك سوف يسمح بمضاعفة هذا الرقم ثلاث أو أربع مرات، فالثورة الإلكترونية في أول المطاف قبل أن تجتاح الأنظمة التقنية بكاملها وصولا إلى المعلوماتية والربوتية والإنترنت.
هذه المرحلة بدأت عمليا بعد الحرب العالمية الأولى بالراديو ثم تطورات إلى الترانزستور والكمبيوتر الذي تسلل إلى كل جوانب الحياة إلى أن وصل إلى النظم العسكرية والتحكم بها مما يمكن القوى العظمى من السيطرة على العالم. فاطمة الزهراء فلا ـ المنصورة (مصر)