هبة نصر الله لاسرائيل

بقلم: رون بن يشاي معاريف؛ ترجمة: أنس محمد ابو عرقوب

إستعراض القوى الأخير لحزب الله أظهر بشكل جلي للعالم أجمع أن حزب الله يقيم دولة داخل دولة، في ذات الوقت الذي كانت تمنح فيه حكومة السنيورة الشرعية لحزب الله. لماذا مع كل ذلك خرج نصر الله عن قواعد اللعبة؟
الذي جرى في لبنان في الأيام الأخيرة لم يكن حدثا تاريخيا وبالطبع فإنه لن يفاقم التهديد ألامني المحدق بإسرائيل القادم من لبنان. إستعراض القوى الأخير لحزب الله لم يغير موازين القوى بين القوى الفاعلة على الساحة اللبنانية، لكنه فقط أماط اللثام عن واقع مستتر. في نهاية الأمر قدم لنا نصر الله هبة، عندما أوضح للرأي العام العالمي ولأعضاء مجلس الأمن ان حكومة لبنان وجيشها هي فقط أحد عناصر القوة الفاعلة في لبنان - وليست الأهم بين هذه العناصر. لقد بدا ذلك على نحو مثير لمن لم يع ذلك، أو حتى لمن لا يريد أن يعي ذلك، أن حزب الله يقيم دولة داخل دولة، وأن حكومة السنيورة تمنح حزب الله وحليفته إيران شرعية أمام العالم.
لو أن وزارة الخارجية في القدس، أو ما تقدم نفسها "منظومة الإعلام الإسرائيلي" سارعوا لإغتنام الفرصة السانحة التي قدمها لنا حزب الله لحققنا إنجازا نوعيا. بيد أن المعضلة تكمن في حقيقة أن وكر الأفاعي اللبناني أكثر تعقيدا، وأن نصرا لله داهية وماكر. لذلك فأن هذا التحدي "الإعلامي" ليس سهل المنال.
لو أن حزب الله سيطر على لبنان كما فعلت حماس في غزة، لكان من اليسير صياغة جبهة دولية وعربية لمواجهته. لكن نصر الله إستخلص العبر من حرب لبنان الثانية. فهو أدرك محاذير استخدام القوة و أدرك أيضا أن في الضعف تكمن القوة.
لأجل هذا إمتنع حزب الله حتى الآن عن الإطاحة بحكومة السنيورة عبر إنقلاب عسكري. نصر الله ومعه الإيرانيون يدركون تمام الإدراك، أنه فقط دموع السنيورة هي من أنقذهم هم والسكان الشيعة في لبنان من قصف سلاح الجو الإسرائيلي المركز الذي استهدف أيضا البنى التحتية في حرب لبنان الثانية.
هم شاهدوا ما حل بغزة بعد سيطرة حماس عليها، لذا فهم يخشون من عقوبات دولية على غرار ما أحاق بحماس في غزة. ومن ناحية أخرى حزب الله سيتفادى أي صدام مسلح مع الطوائف الأخرى في سياق حرب أهلية. لأن ذلك من شأنه أن يضعف الحزب ويحول دون أن يكمل الإيرانيون والسوريون ترميم منظومة الصواريخ الإستراتيجية التي يديرها حزب الله.
لهذا إختار نصر الله أن لا يطيح بحكومة السنيورة الآن رغم قدرته على فعل هذا دون عظيم عناء. حكومة منهكة برئاسة السنيورة تمنحهم غطاء شرعي على المسرح الدولي، وفي ظلها بإمكانهم مع سوريا وإيران مواصلة بناء منظومة صواريخ إستراتيجية جديدة، وحكومة السنيورة تساهم في تدفق الأموال المخصصة لإعادة البناء من الدول الغربية والعربية على حد سواء إلى الطائفة الشيعية في لبنان.

الهاتف الأحمر

لماذا أرسل إذن حزب الله رجاله قبل عدة أيام للسيطرة على أحياء سنية في بيروت وصيدا، وعلى مقر رئاسة الوزراء وعلى وسائل الإعلام الموالية للحكومة؟
ببساطة لأن حكومة لبنان مضت بعيدا، فيما يمكن إعتباره مساس بهيبة حزب الله وهامش الحرية لنشاطه العسكري. لهذا سارع نصرالله الى اعادة السنيورة وحلفائه إلى "الإطار."
مطلبا الحكومة بتفكيك شبكة الهواتف العسكرية المستقلة التابعة لحزب الله، وأيضا نقل مسؤول أمن مطار بيروت، شكلا تهديدا ملموسا على عملية تعاظم قوة الحزب. فشبكة الهواتف المستقلة المستترة التابعة لحزب الله كانت مكونا مهما وعنصرا أساسيا في عملية التمويه والتعمية في حرب لبنان الثانية التي أعطت حزب الله أفضلية في عدة ميادين، والجنرال الذي التي كانت الحكومة تود عزله هو من يمكن حزب الله من التزود بعناصر حساسة ومهمة وحيوية في مشروع الصواريخ عبر جلبها جوا مباشرة من إيران إلى مطار بيروت.
عندما قرر السنيورة المساس بهذين الأمرين قرر نصر الله والإيرانيون أنه آن أوان إستعراض القوة، لكن على نحو مدروس وبالغ الحذر. هم امتنعوا عن احتلال بيت الزعيم الدرزي وليد جنبلاط وأيضا لم يقتحموا مقر الحكومة، رغم مقدرتهم على فعل ذلك في غضون ساعات. لكنهم فضلوا بعد إستعراض القوى القصير والناجع، التوصل لاتفاق مع القائد المسيحي للجيش اللبناني (المحتاج لدعمهم حتى ينتخب رئيسا للدولة). وحسب الاتفاق الجيش لم ينصع لتعليمات الحكومة المناهضة للحزب. فالجيش لن يفكك شبكة الهواتف الخاصة بحزب الله ولن ينحي مسؤول أمن المطار، مقابل إنسحاب حزب الله من الإحياء التي سيطر عليها و التهدئة من جانب حزب الله . السنيورة الذي غدا بلا جيش رفع الراية البيضاء. وعلى خطاه سار بقيه زعماء الطوائف الأخرى والخرق يزادا اتساعا.
في الواقع، أمر جوهري لم يتغير في الأيام الأخيرة في الساحة السياسة أو في موازين القوى في لبنان. حكومة السنيورة حظيت بتذكير بوضعها الحقيقي على الأرض. من وجهة نظر إسرائيل لا يوجد مبرر للاستنفار قواها، لأن إدارة حزب الله للازمة تظهر أن حزب الله كما إيران وسوريا على حد سواء ليس معنيا في غرق السفينة اللبنانية وبالتحديد عبر مواجهة مع إسرائيل. وأيضا من المستبعد أن يطلب حزب الله قريبا رحيل قوات اليونفيل قريبا من جنوب لبنان.
حزب الله وحلفاؤه بحاجة إلى إنجاز منظومة الصورايخ الإستراتيجية أيضا بعد إنجاز هذه المنظومة فأن استخدامها لن يكون إلا لدواع إستراتيجية.
وهو أيضا ربما يستخدم هذه المنظومة في حالة قامت إسرائيل بعملية كبرى في قطاع غزة، أو ضمن عملية الرد على إغتيال مغنية. لكن المؤكد أن حزب الله سيستخدم منظومة الصواريخ هذه بشكل مؤكد في حالة هوجمت إيران من إسرائيل وأميركا كل على حدا أو معا.
طالما لم يتوفر أي واحد من هذه الأسباب فأن حزب الله سيبقى معني بالتهدئة فيما يتعلق بصراعه داخل لبنان وفي الامتناع عن مواجهة إسرائيل. رون بن يشاي معاريف - المعلق العسكري في معاريف
المترجم أنس محمد ابو عرقوب - صحافي مختص في الشؤون الاسرائيلية