'فـاء' مثل فتنة وفاتن وفيلتمان

بقلم: فيصل جلول

تنطوي التجربة السياسية الغربية على فن للحكم مثير للاعجاب وليس للنقل الحرفي بطبيعة الحال. يمكن الوقوع على امثلة يومية على جدارة هذا الفن لمن يعيش في الغرب او لمن يتابع اخباره وتفاصيل الحياة السياسية في بلدانه.أشير إلى هذا الاستنتاج الشخصي في معرض الحديث عما جرى مؤخرا في لبنان ولعل الربط يتبين في السياق.وفن الحكم يكون على قدر كبير من الغنى حين يكون الحاكم كبيرا ومجربا شأن الجنرال الراحل شارل ديغول أو خصمه التاريخي فرانسوا ميتران.
يروى عن الجنرال الفرنسي الراحل انه كان يستدرج قادة الجمهورية الفرنسية الرابعة نحو قرار صريح بطلب النجدة منه لانقاذ فرنسا من انقلاب محتمل يعده جنرالات الجزائر المحتلة في الخمسينات ومن فالس الحكومات التي كانت تشكل وتتهاوى بعد اسابيع على تشكيلها.ومن بين التفاصيل الجديرة بالانتباه في هذه السيرورة أن رئيس الوزراء الراحل جاك شابان دلماس وهو واحد من اهم الديغوليين التاريخيين وقع على كادر شديد الذكاء في وزارته مشهور ببراعته في المناورات والتأليب والتوفيق فقام بارساله إلى الجزائر لخلق الظروف المؤاتية لاستصدار نداء من القيادة العسكرية الفرنسية يدعو ديغول لانقاذ فرنسا من الانهيار كما انقذها من قبل من الاحتلال النازي. فكان له ما اراد لكن الجنرال سالان حاكم الجزائر العسكري حينذاك اشترط ان يوافق ديغول خطيا على تلبية النداء. ذهب الرجل الى الجنرال الراحل وحصل منه على التوقيع ومن ثم سارت الخطة وفق المراحل المرسومة الى حين تشكيل الحكومة الديغولية الاولى وهنا اعتقد رجل الظل ان الوقت قد حان ليكافأ على مؤامرته بان يعين حاكما مدنيا للجزائر فكان أن استقبله ديغول وقوفا لبرهة بعد اذلاله وحمله على الانتظار لايام عدة وقال له لا تذهب الى الجزائر.عليك ان تبقى في باريس لقد فعلت ما كنت تعتقد انه مناسبا والان جاء دور المؤسسات وانتهى دور المؤامرات. وسيتضح من بعد ان جنرالات الجزائر الفرنسيين حملوا الى الحكم الرجل الذي سيطيح بهم بدلا من انقاذ الاحتلال الفرنسي للجزائر.
ليس هذا المثال الديغولي فريدا وليس قاصرا على التاريخ وعلى فرنسا وحدها فقد وعد ضابط المخابرات البريطاني لورانس العائلة الهاشمية بدولة عربية واحدة لقاء التمرد على العثمانيين في وقت كان البريطانيون يوقعون اتفاقية سايكس بيكو ويصدرون وعد بلفور ويشرفون مع حلفائهم على نشوء 22 دولة عربية من بعد وقيل للهاشميين لقد فعلتم ما كنتم تعتقدون انه تحرر من النير العثماني ولم نجبركم على امر لم تختارونه طوعا.
ولعل آخر فنون هذه السلسة ما صدر قبل أشهر عن السفير الأمريكي السابق جيفري فيلتمان قبل مغادرته بيروت فقد سئل عن احتمال ان تتخلى الولايات المتحدة عن حلفائها في هذا البلد بعد ان طلبت منهم التمرد على النظام السوري فقال: نحن لم نطلب منهم شيئا لقد فعلوا ما كانوا يعتقدون انه مناسب لهم فقمنا بدعمهم وتأييدهم وسنواصل دعمهم وتأييدهم!
من المؤسف أن حلفاء الولايات المتحدة في لبنان لم يلتقطوا في الوقت المناسب إشارات جوهرية لا يخطئها عقل بارد ومن بينها أن فرنسا الحليف الاخر للمعنيين اختارت بعد انتخاب نيقولا ساركوزي الا تعين سفيرا جديدا في لبنان بدلا من السفير السابق الذي خاض معهم معارك "ثورة الارز" والسبب لم يكن بروتوكوليا وانما سياسيا ومن بعد امتنعت الولايات المتحدة عن تعيين سفير بديل لجيفري فيلتمان وليس لدواعي البروتوكول أيضا. في الحالتين كان الامر يتعلق بوصول اللعبة السياسية اللبنانية الى نهايات منطقية فقد وصل مشروع اسقاط النظام السوري عبر لبنان الى طريق مسدود كما وصلت المساعي الرامية الى تجريد المقاومة من سلاحها الى طريق مقفل وبدلا من تحقيق اهداف في مرمى خصوم باريس وواشنطن وتل ابيب تحققت اهداف معاكسة من بينها هزيمة اسرائيل في لبنان وانهيار السلطة الفلسطينية في قطاع غزة ناهيك عن تعطيل اجهزة الدولة اللبنانية وشل قدرتها على الحكم تحت وقع الاستقالات من الحكومة والاعتصام في الوسط التجاري والتظاهرات المليونية والاضرابات والفراغ الرئاسي وفشل كل محاولات تعريب الازمة اللبنانية وتدويلها.
الظاهر أن العواصم الثلاثة كانت تدرك أن زخم الموالاة في لبنان وتعبئة صفوفها منذ العام 2005 آخذ في التراجع وأن هذا التراجع لا يمكن ان ينتهي في هذا البلد في صناديق الاقتراع وانما يسير باتجاه الفتنة خصوصا ان السجال اليومي التعبوي بين الطرفين المعارض والموالي كان سجالا حربيا بامتياز وبما أن الفتنة تحتاج لكي تقع ان يقف الاجنبي خلف المشهد وليس في صدارته فقد غاب السفراء وغاب المبعوثون واطلقت يد الاطراف العربية المختلفة المشتعلة كبرياء و التي لا تأنف الفتن بل تسعى اليها صاغرة ام مختارة لا فرق خصوصا اذا ما وقعت في بلد آخر ... شقيق.
هنا تجدر الاشارة الى تعليق اميركي على ما وقع في لبنان حيث قال ناطق رسمي ان الصراع بين الفريقين اللبنانيين سياسي وليس طائفيا وان واشنطن لن تتدخل عسكريا لدعم اصدقائها ومع ان وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير قد اكد ان بلاده لن تتخلى عن لبنان واللبنانيين فان المعنيين يعرفون ان هذا الكلام غير قابل "للصرف" على الارض خصوصا بعد ان انهارت في وقت قياسي استراتيجية عملت الموالاة واصدقائها الفرنسيين والامريكيين على تشييدها "طوبة طوبة" خلال ثلاث سنوات من الجمر اليومي. اما المدمرة "كول" التي قيل انها غادرت قناة السويس نحو الشواطئ اللبنانية دون ان تتجشم واشنطن عناء التصريح عن وجهتها واسبابها فانها لن تقلب الامور رأسا على عقب ولن تعيد بناء ما تصدع في لمحة بصر.
ليس واضحا بعد من ضغط على من لاتخاذ القرارات الحكومية التي اطلقت شرارة الاحداث الاخيرة في لبنان وليس معروفا بعد ما اذا كانت أصابع "فاتن" اجنبي في خلفية ما جرى. لكن المؤكد ان اصدقاء واشنطن وباريس اللبنانيين لم يفعلوا "ما كانوا يريدون " فعله إلا بعد الاطمئنان ـ الساذج او العاطفي ـ الى ظهيرهم المعروف الذي يستحق بجدارة متوالية: "ف" مثل فتنة وفاتن وفيلتمان. فيصل جلول