غزة بين الجوع والتجويع

بقلم: نقولا ناصر

الجوع في العالم واحد لكنه اثنان في قطاع غزة: جوع وتجويع. وبينما قرر الامين العام للامم المتحدة بان كي-مون انشاء قوة طوارئ اممية حول ازمة الغذاء العالمية فان اية برامج اغاثة لهذه القوة لن تطال القطاع بسبب سياسة التجويع المنظم والمبرمج لاهله عبر الحصار حيث "يشاهد العالم جريمة حقوق انسان يجري فيها سجن مليون ونصف المليون انسان دون أي منفذ الى العالم الخارجي بحرا او جوا او برا وحيث تجري معاقبة وحشية للسكان كافة"، كما كتب الرئيس الاميركي الاسبق جيمي كارتر يوم الاربعاء الماضي، دون ان تحرك ساكنا لا الامم المتحدة ولا "الجيران" العرب ولا "الاشقاء" في "القيادة الشرعية" الفلسطينية المعترف بها من كل المشاركين في الجريمة او الصامتين عنها.
لقد عين كي-مون نائبه للشؤون الانسانية، جون هولمز، "منسقا" لقوة طوارئ الاغاثة الجديدة وعقد في الثلاثين من الشهر المنصرم اجتماعا طارئا لمجلس ادارة المدراء التنفيذيين لنظام الامم المتحدة في بيرن بسويسرا كما عقد مؤتمرا صحفيا مشتركا مع رؤساء برنامج الغذاء العالمي ومنظمة الاغذية والزراعة "فاو" والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية لكي يبعث برسالة رمزية قوية بان هذه المنظمات تقف موحدة ومصممة على العمل المشترك المتكامل والشامل لمواجهة "تحدي" الجوع العالمي، كما قال هولمز، غير ان "التجويع" المنظم يجعل هذا التحدي تحديان في القطاع لكن بدلا من منح غزة الاولوية في اية برامج دولية للاغاثة يتمخض كل هذا "التصميم" الدولي عن تجاهلها تماما او عن ترتيبها في آخر اولويات المجتمع الدولي.
بعد اجتماعها بلندن في الثاني من الشهر الجاري اعربت رباعية الامم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي وروسيا عن "قلقها العميق" حول "الاوضاع الانسانية" في القطاع لكنها اكتفت كحل بان "تشجع بقوة اسرائيل والسلطة الفلسطينية ومصر على العمل معا لصياغة مقاربة جديدة حول غزة" وعلى الارجح ان تتدهور الازمة الى كارثة انسانية حقيقية قبل ان تتفق الاطراف الثلاثة على "صياغة"، ناهيك عن وضعها موضع التنفيذ، وهي التي لا تتفق على شيء سوى التعاطي مع الوضع الذي وصفه مدير عمليات الاونروا في غزة، جون غينغ، بـ"المعيب" كامر واقع من صنع القدر وبالتالي فانها والرباعية لا تستطيع حياله شيئا.
وحتى هولمز -- الذي يعتبر خبيرا في قطاع غزة تناقلت وكالات الانباء تصريحاته المتكررة عن الكارثة والازمة الانسانية الوشيكة فيه والذي يقوم مكتب تنسيق الشؤون الانسانية الذي يراسه بدور بارز في تنوير الراي العام العالمي بتطور اوضاعه الماساوية -- قد اختار "تعميم" الجوع باعتباره "قضية عالمية" ورفض "تخصيص "القطاع عندما ساله صحفي في بيرن عن الازمة "المضاعفة" فيه بقوله ان الجوع يصبح مسالة "حياة او موت" عندما يقل دخل الفرد عن دولار اميركي يوميا وان استدرك قائلا انه سيكون هناك "جيوب احتياجات خاصة" في اوضاع مثل قطاع غزة !
ربما اختار هولمز هذا الموقف بعد ان اطلع على احدث تقرير مشترك لبرنامج الغذاء العالمي والفاو والاونروا (اقتبست منه صحيفة الاندبندنت البريطانية في الثاني من الشهر الجاري) واطمأن بان الوضع في القطاع ليس "مسالة حياة او موت" لان دخل الفرد اليومي لم يقل "بعد" عن دولار يوميا حيث قال التقرير ان سبعين في المائة من عرب فلسطين في القطاع يعيشون في "فقر عميق" مدقع "فقط" على (1.20) دولار للفرد يوميا مع ان (66%) من هذا "الدخل" يتم انفاقه على الغذاء بينما المعدل المماثل للصومال هو (61%)!
وبالتالي فان الجوع المضاعف بالتجويع في القطاع لن يكون على الارجح على جدول اعمال المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للامم المتحدة في نيويورك خلال الاسبوع الثالث من الشهر الجاري والذي سينعقد لبحث الجوع العالمي. واذا كانت اليابان قد اقترحت وضع الجوع العالمي على جدول اعمال القمة المقبلة للدول الثماني الصناعية الاكبر في العالم، المتخمة شبعا بغناها تخمة تعمي ابصارها وبصائرها، فان جوعى غزة ومجوعيها لا بواكي فلسطينين او عربا او مسلمين لهم يقترحون وضع محنتهم المضاعفة على أي جدول اعمال.
وذلك ليس مستغربا طالما لم يوضع الجوع والتجويع في القطاع على أي جدول اعمال عربي سواء على مستوى القمة ام ادنى اذ لماذا يكون لمليون ونصف المليون فلسطيني في القطاع وضع خاص يميزهم عن الملايين العربية التي يسحقها الفقر والجوع، وتبدو هذه حال مسيطرة على عقل الحاكم العربي منذ سال رئيس الوكالة اليهودية رئيس الوزراء المصري الاسبق في العهد الملكي محمود فهمي النقراشي (خلال لقاء سري كشفت النقاب عنه الوثائق الاسرائيلية المفرج عنها للفترة من 1947 – 1951) عن رايه في مصير اللاجئين الفلسطينيين فاجابه بان نهر النيل (قبل بناء السد العالي) يغرق سنويا من المصريين اعدادا اكبر منهم !
ومنظمة المؤتمر الاسلامي لا تبدي اهتماما "عمليا" افضل مع ان رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الشيخ يوسف القرضاوي ذكر المسلمين كافة الشهر الماضي بان الدين الحنيف يحرم على المسلمين ان يبذخ بعضهم بينما الاخرون لا يكادوا يجدون قوت يومهم.
وليس مستغربا ايضا ان يتنصل المجتمع الدولي والعربي والاسلامي من المسؤولية الانسانية والاخلاقية والسياسية طالما جوع غزة وتجويعها ليسا في راس جدول اعمال "الاشقاء في القيادة الشرعية الفلسطينية" المنشغلة في تنظيم تدفق مليارات المانحين، المشروطة بعدم وصولها الى القطاع، الى "القطاع العام" وتنظيم مؤتمر لجذب مستثمرين الى "القطاع الخاص" ناهيك عن انشغالهم بالمفاوضات مع المسؤولين المباشرين عن جوع غزة وتجويعها وبدراسة خياراتهم ان فشلت هذه المفاوضات او سقطت حكومة الاحتلال شريكتهم فيها، هذه المفاوضات التي تحولت عمليا الى غطاء دبلوماسي وسياسي واعلامي للموت البطيء والتدريجي جوعا وتجويعا في القطاع.
اليس عارا على القيادات الفلسطينية والعربية والاسلامية، رسمية وشعبية، حيث الحكومات "ذات السيادة" بالعشرات وحيث "منظمات المجتمع المدني غير الحكومية" تتكاثر كالفطر بفضل تمويل "المانحين" اياهم، ان لا يخرج من بينها، منذ قررت حكومة الاحتلال اعلان القطاع "كيانا معاديا" تمهيدا لتجويعه، من يتقدم بطلب رسمي عاجل لوضع جوع غزة وتجويعها على جدول اعمال أي منتدى اقليمي او دولي وان يتركوا هذه المهمة لمنظمة اسرائيلية مثل "اللجنة الاسرائيلية لهدم المنازل" الفلسطينية كي تتقدم بطلب عاجل في ايلول/سبتمبر العام الماضي الى كي-مون لعقد مجاس الامن الدولي لبحث القرار الاسرائيلي وبطلب مماثل للجنة الدولية للصليب والهلال الاحمر بصفتها مسؤولة عن تطبيق ميثاق جنيف؟
لقد انضم كي-مون الى الجوقة الاقليمية والدولية المتناقضة بين تصريحاتها وبين افعالها حيال غزة. فعندما اتخذت دولة الاحتلال قرارها ذاك حذرها (في 21/9/2007) بانه "قلق جدا" قائلا ان الاجراءات المترتبة على القرار تعتبر خرقا للقانون الانساني الدولي و"تتعارض مع التزامات اسرائيل تجاه السكان المدنيين" بموجبه، واليوم يكتشف جائعو غزة ومجوعوها ان تحذير المسؤول الاول عن تطبيق القانون الدولي لم يكن سوى جعجعة دون طحن.
ان تسويغ هذه السلبية القاتلة المعيبة فلسطينيا وعربيا واسلاميا بالانقسام الفلسطيني ودوليا بالتصنيف الاسرائيلي – الاميركي لحماس كمنظمة "ارهابية" للاستمرار في تجاهل العقوبة الجماعية المفروضة على القطاع جوعا وتجويعا يكاد يدرج اصحابها جميعا في خانة المشاركين فيها.
ان تجويع غزة اقدم من ازمة الجوع العالمية الراهنة واقدم كثيرا من المواجهة العسكرية الاهلية التي ولت حماس مقاليد الامور فيها في حزيران/يونيو الماضي اذ بدا تجويعها باتفاقيات اوسلو عام 1993 بالاغلاق التدريجي لسوق العمل الاسرائيلية امام عمالها، وتفاقم بتشديد قبضة الاحتلال مع اندلاع انتفاضة الاقصى عام 2000، ثم تسارع مع احكام الحصار على القطاع اثر اعادة نشر قوات الاحتلال ومستوطنيه من داخل القطاع الى حدوده ومنافذه عام 2005، قبل ان يصل تجويعها الى كونه مسالة حياة او موت بعد الحسم العسكري لحماس قبل اقل من سنة.
وعلى سبيل المثال لا الحصر ذكر تقرير لبرنامج الامم المتحدة للتنمية اوائل عام 2002 ان معدلات الفقر تضاعفت ثلاث مرات في القطاع من (21%) قبل عامين الى (66%)، وبعد عامين كتب بيتر هانسن مفوض عام الاونروا عام 2004: "اعتاد العالم على فكرة ان الجوع يظهر نفسه في الوجنات الغائرة والبطون الخائرة للمجاعة الافريقية لكن الشعب الفلسطيني في... قطاع غزة اليوم وقع في قبضة جوع مقيم"، ثم بعد عامين ايضا وفي الشهر الثالث من عام 2006 حمل صائب عريقات رئيس دائرة المفاوضات في منظمة التحرير الفلسطينية دوف فايسغلاس مستشار رئيس وزراء حكومة الاحتلال المسؤولية عن "الازمة الانسانية" التي كان يواجهها القطاع بقوله انه اعلن صراحة نية "اسرائيل فرض حمية غذائية على شعبنا الفقير اصلا". فهل هناك ممن يحملون حماس المسؤولية اليوم من يريد ان يتذكر او يذكر اين كانت الحركة أنذاك !
نقولا ناصر
كاتب عربي من فلسطين nicolanasser@yahoo.com