عن شهر العسل والبصل الكردي التركي!

بقلم: فاروق حجي مصطفى

فيما تقوم القوات التركية بعمليات القصف الجوي على مواقع حزب العمال الكردستاني المتواجدة في جبال قنديل في كردستان العراق وتقول بأنها ألحقت الخسائر بالبنية التحتية للحزب، وفيما يتوعد رئيس الأركان الجيش التركي بيوكانيت بإنهاء العمال الكردستاني، ظهرت على السطح (وبشكل مفاجئ) احاديث المفاوضات بين ممثلي إقليم كردستان والوفد التركي برئاسة المستشار السياسي للرئيس الوزراء التركي احمد داود أوغلو وسفير أنقرة في بغداد. لم يتمخض عن الاجتماع الأول ما يذكر فعليا. لكن الطرفين أبديا ارتياحهما من اللقاء ووصفه وزير الخارجية التركي علي باباجان انه كان "ايجابيا".
قد يعتقد بعض الأكراد، للوهلة الأولى، بان اللقاء يتم على حساب أكراد تركيا. إلا ان من يفكر بعمق لا يحتاج الى الوقت حتى يستخلص بان اللقاء يصب في مصلحة الطرفين المتنازعين (تركيا والأكراد) ،وانه سيمهد لبيئة أكثر انتعاشا تبشّر بفتح صفحة جديدة ناصعة البياض بين اربيل وأنقرة بعد أشهر من السواد الذي ظل يحكم في علاقتهما.
وقد يسأل سائل: ماذا سيحلّ بحزب العمال الكردستاني يا ترى؟ وماذا سيقول (او يبرر) أكراد العراق للجمهور الغفير للعمالي الكردستاني؟ والسؤال الآخر، لماذا استسلم أكراد العراق بهذه العجالة في وقت الذي يقول العمال بان الأتراك انهزموا في المعركة قبل اقل من الشهرين ومازالت دموع الفرح بالانتصار لم تجف على وجوه أنصار العمال؟ والاهم هل سيعيد أكراد العراق التاريخ ويشاركون جحافل القوات التركية في حربها في داخل الحدود السيادية لدولة العراق مثلما فعلوا في أواسط التسعينيات من القرن المنصرم؟
في الحقيقة ان لهذه التساؤلات دلائل رمزية ومعنوية كثيرة. ولكن مصدرها هواجس ومخاوف الأكراد من حروب الأخوة من جديد وهذا ما لا يريدها كل الأكراد وعلى طرفي الحدود. فبالمنطق القبلي (أو العاطفي) لا احد سيؤيد أكراد العراق ان فعلوا ذلك ووقفوا الى جانب قوات التركية وأعلنوا حربا واسعة النطاق على العمالي. لكن لو تمهلّ هذا الجمهور الغفير للحظة ونظر الى الوضع بعيون السياسة والمصالح، قد نقتطف آراء كثر من وسطه تؤيد أكراد العراق وتدين السياسات التقليدية للعمال الكردستاني. فمثلما لا يريد هذا الجمهور الكردي ان يلحق الأذى بالإخوة (أبناء الجلد والدم) بعناصر الـ"الكريلا" العمالي، فما لا يتمناه (هذا الجمهور) أيضا ان تنهار تجربة الحكم الذاتي لإقليم كردي. ومثلما لا يريد الأكراد ان يتشرد أنصار العمال الكردستاني بين الدول وتنهار الثورة الكردية في وجه أبناء الأناضول مثلما حدث مع الزعيم الملا مصطفى البرزاني في أواسط السبعينات بعد ان خذله هنري كسينجر وزير خارجية الولايات المتحدة وقتئذ، لا يريد هؤلاء ان يلحق أي أذى بمسرور البرازاني (رئيس الجهاز الأمني في إقليم كردستان والابن البكر لمسعود البرازاني رئيس كردستان الذي تطلبه تركيا من السلطات العراقية بتهمة دعمه للعمال) وبقية المسؤولين أكراد العراقيين!
بيد ان الوقائع على الأرض تثبت بان وضعا معقدا ومتشابكا مثل وضع أكراد العراق الذين يئنون من مطرقة الضغوطات الأميركية والتركية والعراقية وسندان المصلحة القومية الكردية، فأن التمسك بالعواطف ربما يصبح سببا لسقوط اللقمة التي وصلت الى الفم، ويسقط معها الحلم، ومحاصيل عذاب السنين. والسؤال الذي يفرض نفسه الآن، هل سنرى من يراعي الوضع ويقرأه بضمير حي، ويقف الى جانب أكراد العراق، ويقدر موقف زعماء أكراد العراق ويعرف بان مآلهم من وراء كل ذلك سببه خوف على مصالح أبناء إقليم كردستان وسعيهم الحثيث على ان لا تنزلق الأوضاع نحو حرب مفتوحة تحرق الأخضر واليابس. فاذا كان ثمة رأي يقول للقيادات الكردية العراقية "أنكم فضلتم مصالحكم الآنية على المصلحة القومية"، فانه سيتواجد رأي آخر يوجه كلاما بالمثل الى العمال الكردستاني، ويقول لهم "لماذا جلبتم المآسي على أبناء أكراد العراق بمواقفكم التقليدية هذه، ولماذا تغيرت كل المعطيات في العلاقات الدولية وانتم بقيتم على نفس الحلة وعلى نفس المنوال، وبقيتم في الجبال دون العمل ولا الحركة وانتظرتم ان تهطل السماء ذهبا وفضة؟"
ثمة من يرى بأنه ليس معقولا ان يفلت أكراد العراق هذه الفرصة الذهبية من بين ايديهم خصوصا وإنهم ومنذ زمن بعيد يريدون الحوار مع الأتراك. وسبق وأن قالوا ان التعقيدات التي استجدت بينهم وبين الأتراك لا تحل عبر الاجتياحات العسكرية والعقلية الهجومية إنما عبر لغة العصر والحوار، فمن يتأمل الوضع قد لا يعاقب أكراد العراق على فعلهم بجلوسهم مع الأتراك في لقاء ترتيب العلاقات من جديد، ولعل هذا من حق الأكراد في العراق ان ينظروا الى مستقبل شعبهم ومستقبل الإقليم الذي يقف على قدميه للتو (هذه الناحية)، ومن ناحية أخرى، يقع على عاتق الأكراد مسؤولية إدارة الأعمال بمنطق سياسي وليس بمنطق حزبي (شعبوي). بمعنى آخر. انه حان الوقت لكي يفكر القيادي الكردي العراقي بعقلية سياسية، وبعقلية الدولة. ومن نافل القول ان الوضع في إقليم كردستان العراق يحتاج الى الدعم والاستقرار والى الوقوف بمسؤولية تجاه التحديات التي تحدق به. وأصبح جليا ان الظروف وشروط الحياة هناك لا تحتمل ان يكون لدى القيادة انفصام في الرأي، فكل المعطيات تقول بأنه حان الوقت ان تميّز هذه القيادة بين ما هو وطني عراقي وبين ما هو قومي الكردستاني. على المسؤول الكردي العراقي ان يعمل لكردستان العراق كأنه يعمل للعراق، وان يعمل للعراق كأنه كردستان. والحق، ان الإمساك بالجوهرتين في يد واحدة قد يخسر أكراد العراق الجوهرتين معا. ولا نستغرب بان وجود الأكراد بين هذين الشطرين (شطر حلم "كردستان الكبرى"، وشطر الوطن العراقي) يعذب أكراد العراق الآن أكثر من أي وقت مضى، فان وقفوا الى جانب حلم "كردستان الكبرى" فإنهم سيخسرون الحلفاء والأصدقاء، وسيعودون من جديد الى صديقهم الوحيد – الجبال - مثلما قال احد الصحافيين الأجانب "ليس لكردستان من أصدقاء سوى الجبال". أما إذا وقفوا الى جانب مصلحة أكراد العراق والعراق كدولة فإنهم سيخسرون جزءا كبيرا من الأكراد في تركيا، وسيلامون. انه بحق موقف محيّر!
والحال، فاذا كان ما يحصل بين أكراد العراق وتركيا شهر عسل، فانه كذلك يعتبر شهر بصل لأكراد تركيا. وثمة حاجة ملحة بالنسبة للعمال الكردستاني وهي انه بأمس الحاجة الى إعادة الحسابات والترتيبات، وكان من المفترض بان وضعه هذا ليس وضعا طبيعيا ولا يمكن الرهان عليه. كما ان بقائه في الجبال يجلب على أكراد العراق مصائب والعذابات ويعرّض كرامة عيشهم واستقرارهم الى الخطر. المشكلة ان العمال الكردستاني عجز في طيلة هذه السنين ان يؤسس لنفسه وضعا مختلفا عن الوضع السابق. فعندما كان يحارب سياسات الأمريكان هناك تحميهم من الغضب وظنوا ان ثمة غطاء يجعل وجودهم شرعيا. الآن الأمريكان على مرمى حجر من مواقعهم. وحري بالعمال الكردستاني ان يفكر في ان الظروف لا تسمح لأكراد العراق ليقفوا الى جانب العمال، وهذا لا يجوز، لان القرار المصيري ليس بيد الكردي ونحن نعرف ان ثمة دول كبرى تقف عاجزة أمام القرار الأميركي، فكيف اذاً، بوسع الأكراد الوقوف في وجه الأمريكان، وان يرفضوا ما تريده واشنطن منهم. يبدو ان قواعد اللعبة تغيّرت، وليس صحيحا ان تبقى الأوضاع كما كانت. ومن الخطأ ان تدار السياسيات كما كانت تدار من قبل. الآن الحكم في تركيا تغيّر، ومن المؤسف ان الجماعة العلمانية في تركيا لا تتفهم حتى الآن وضع الأكراد بالرغم من ان العمال الكردستاني يروجون لسياسات الكمالية، الى درجة ان البعض ظن بان سبب معاداة العمال الكردستاني المفرط لـ"العدالة والتنمية" يعود الى مشاطرة العمالي للكماليين معاداتهم لحزب العدالة والتنمية.
ثمة من يرى بأنه على الجمهور العمال الكردستاني إدراك بان وضع أكراد العراق يختلف مع وضع العمال الكردستاني، فان العمال الكردستاني حزب بامكانه اختيار أماكن أينما كانت لمحاربة الأتراك كونهم حزب ولديهم مقاتلون متنقلون من مكان الى آخر. وهذه الوضعية لا تناسب أكراد العراق. فهم لم يعودوا حزبا وحفنة من المقاتلين بل هم الآن مؤسسات ومصالح وسياسات، فاذا أصروا على عقليتهم الحزبية فربما يخسرون كردستان مرة أخرى خصوصا وان كل دول الطوق (سوريا، إيران، تركيا) وان اختلفت ظاهريا في بعض الجزئيات إلا انها متفقة على محاربة طموح الأكراد سواء أكان في العراق او تركيا او أي جزء آخر. لذلك فحزب العمال مدعو لان يفكر هو أيضا بتغيير قواعد اللعبة ويفكر باستراتيجية أخرى. بات جليا ان لا احد يساند القوى والمقاومات المسلحة ولعل وضع منظمة الباسك في إسبانيا أمام الأعين، لماذا لا تقف أي دولة أوربية مع الوضع هناك، أليس "الباسك" أوروبية.. ولا توجد دولة مستعدة ان تدعم تنظيمات مسلحة غير الدول المارقة. لذلك فان أسلوب الفصائل المسلحة غير مجد خصوصا في كردستان، وبناء عليه على الأكراد التفكير بعمق كيف سيكون وضعهم السياسي في المرحلة المقبلة. ان الوضع الكردي المجزأ الى الجزيئات وسياساته متشظية ومتحولة الى الشظيات وتتحول أحيانا الى قنبلة قد تنفجر بحاملها.
على حزب العمال ان يحذو حذو كوسوفو وسانتاكروز. أليس من حق الأكراد ان يسألوا من قادتهم لماذا استطاع إقليم كوسوفو ان يتحرر من ظلم الصرب وكذلك سانتا كروز الذي يجهز إجراء استفتاء على الحكم الذاتي؟ ونحن نعرف ان السياسة الواقعية لأنصار الحكم الذاتي وضعت منظمة الدولية الأميركية (مركيسور) أمام وضع لا يمكن التملص فيه من مطالب تلك المحافظة التي تريد تقاسم النفوذ مع الحكومة البوليفية المركزية. ولماذا يعجز الأكراد من التقدم في الخطوة بالنسبة لحقوقهم. قبل سنين التقى كاتب السطور مع احد قيادي العمال الكردستاني، وسأله، لماذا لا تختارون الخيار السلمي السياسي؟ قال ذاك القيادي وهو ذكي وبرغماتي "ان تركيا لا تريد ان نمارس السياسة ونحلّ منظمة "كريلا" لأنها تعرف بأنه وبمجرد ممارستنا للسياسة ربما سيكون رئيس وزراء منّا (رئيس وزراء كردي) طبعا عبر الانتخابات لذلك فهي سوف لن توافق على مطلبنا بممارسة السياسة". والسؤال مادامت تركيا تقف في وجه تسييس الوضع الكردي وتحويله من المقاومة الى السياسة لماذا لا يقوم العمال الكردستاني بعمل شيء لا يحبذه الأتراك، ولماذا يصر هذا الحزب ان يبقي نفسه في الموقع الذي تريده تركيا له في الجبال، وما ان تحدث مشكلة أمنية حتى تقوم تركيا بإلصاق تهمة الإرهاب بالأكراد. والهدف هو إجهاض أي مشروع ديمقراطي ومؤسساتي في تركيا.
المتابع يعرف ان مصدر عجز البرلمانيين الكرد يعود الى ان الأتراك يعرفون كيف يستغلون ظروفهم مع العمال الكردستاني، ويبدو إنهم سيصرون على اتهام الكرد بالبدائية والعصيان والإرهاب من قبل الجهات التركية المعادية للأكراد وهو الأمر الذي ينعكس سلبا على أداء المؤسسات والمنظمات الديمقراطية الكردية في اسطنبول او أنقرة او حتى في دياربكر.
فمن حق الأكراد في العراق ان يؤسسوا لأنفسهم سياسيات ومصالح تبعا لمصلحة العراق ككل كونهم الطرف المشارك والفاعل ضمن إطار العراق الفيدرالي، وهذا يتطلب منهم ان تكون سياستهم جزءا مصغرا من سياسة العراق ومختلفة مع الأكراد في الأجزاء الأخرى. ولكن من حق أكراد في تركيا أيضا ان يبحثوا عن الحلول ترضيهم وتخفف العبء السياسي على أكراد العراق بنفس الوقت. عقلنة السياسات الكردية ضرورية في هذه المرحلة ولذلك كان من الضروري ان يفكر أكراد العراق ببناء علاقات اقتصادية وسياسية مع تركيا وان هذا سيفيد كل الأكراد ومن زاوية أخرى يجب ان نعرف بأنه ومن خلال هذه الخطوة استطاع الأكراد انتزاع الاعتراف التركي بوضعهم وان لم يكن بوضوح لكنها اعترفت بوضع العراق الجديد؟ وهذا يسجل نقطة لصالح الأكراد وسياساتهم. فاروق حجي مصطفى
صحافي كردي سوري