ستون الدولة العبرية: عوارض شيخوخة مصيرية

بقلم: فيصل جلول

في الذكرى الستين لتأسيس الكيان الاسرائيلي مازال مصير الدولة العبرية مطروحا على بساط البحث ليس من طرف المقاومين العرب والفلسطينيين فحسب وانما من طرف نخبة مهمة من الاسرائيليين واليهود في العالم من بينهم الكاتب الفرنسي غي سورمون الذي لم يشهر يوما عداءه للصهيونية ويقر بأن جزءا من اسرته يقيم في إسرائيل وأنه يزورها بصورة دورية. نشر سورمان في العام 2003 كتابا بعنوان "أبناء رفاعة الطهطاوي" قال انه حصيلة جولة شاملة قام بها في العالم الإسلامي وتحدث عن مستقبل اسرائيل المظلم في محيطها الشرق اوسطي بل يكاد يجزم أن الدولة العبرية لن تبقى على قيد الحياة فلنتأمل في بعض ما يقول:
" ما قيمة عمل قمعي تقوم به اسرائيل ضد فلسطينيين يوصفون أحيانا بالارهابيين واحيانا اخرى بالمقاومين. في افضل الحالات تربح اسرائيل بعض الوقت. لكن ما قيمة 3 ملايين اسرائيلي في القياسات التاريخية؟ لا نتحدث عن التاريخ الطويل وانما عن تاريخ جيل واحد. ماذا يمثل الاسرائيليون بمواجهة 200 مليون عربي بالنسبة اليهم يعتبر الفلسطينيون بمثابة كتيبة مقاتلة. 200 مليون عربي ومن ورائهم مليار مسلم؟ اذا راهنا على الهجرة اليهودية الى اسرائيل (لضمان وجودها ) علينا ان نتذكر ان تشتت اليهود في العالم انقذهم من الفناء. وان تمركزهم في مكان واحد في فلسطين او المانيا كان مصيريا بالنسبة لهم. هل ستجلب اسرائيل الضربة القاضية للاسرائيليين؟ تفوقها العسكري قد يؤخر هذا الاستحقاق ولكنه غير كاف لشطبه. يعرف الفلسطينيون ذلك ويعرفه العالم العربي. فعلى المدى الطويل سينتصر العدد وستنتصر الديموغرافيا وهذا القانون يقف فوق كل القوانين الاخرى.هذا القدر سيتغلب على كل الاستراتيجيات وامال السلام. واي سلام؟ هل نتخيل ان العالم العربي والفلسطينيين يرضون بدولة (فلسطينية) فاسدة محصورة وغير قابلة للحياة؟ هل يمكن ان تحمل هذه الدولة امل نخبة (فلسطينية) محلية تطمح الى الاعتراف العالمي بهويتها وهل تستجيب اصلا لمطلب الشعب الفلسطيني نفسه؟ بماذا وكيف تعيش؟ ولنغض النظر عن الدولة الفلسطينية. اليس طموح المسلمين ان يعيشوا في فضاء موحد اقله في العالم العربي؟ وبما ان المستعمرة الصهيونية هي شوكة في هذا المشروع فانه سيوجد على الدوام مناضلون يطالبون بوحدة الامة اليوتوبية ضد اسرائيل. في هذا الحلم العربي لن تكون اسرائيل شيئا اخر غير ذلك المخلوق الناجم عن الاستعمار الغربي." ص 315 من "ابناء رفاعة الطهطاوي".
وفي الذكرى الستين لولادة الدولة العبرية يطال التصدع قسما واسعا من الفضاء اليهودي العالمي كما تفيد استطلاعات الرأي الاميركية والأوربية وبعض المواقف اليهودية غير المعهودة ومن بينها بيان حمل توقيع مئة من ابرز الشخصيات اليهودية في بريطانيا حيث يقول موقعوه حرفيا "... لا يمكننا الاحتفال بيوم ولادة الدولة القائمة على الارهاب والمجازر واقتلاع الناس من اراضيهم، كما لا يمكننا الاحتفال بيوم ولادة الدولة التي تخرق القانون الدولي، وتفرض عقوبات جماعية على الجمهور في قطاع غزة،وتحرم الفلسطينيين حقوق الانسان. اننا سنشارك في احتفالات كهذه فقط حين يعيش العرب واليهود متساوين في الشرق الاوسط... عام 1948 محيت 400 قرية فلسطينية عن الخريطة، وهذا لم يكن نهاية التطهير العرقي، بل طرد آلاف الفلسطينيين من منطقة الجليل عام 1956، أضف الى طرد الآلاف حين احتلت اسرائيل الضفة الغربية وقطاع غزة. وحسب مواثيق الامم المتحدة، فإن من حق اللاجئين في فترة الحرب العودة الى وطنهم، بينما اسرائيل لا تعترف بهذا الحق".
ما كان لهذه الاصوات ان ترتفع لو ان صورة اسرائيل الابدية مازالت تسكن خيال يهود العالم ولو ان هذه الدولة مازالت قادرة على ردع محيطها وبما انها قامت على الردع وبحد السيف فان كل تصدع يطرأ على الردع وعلى السيف هو تصدع يجري على لسان اهل البيت قبل غيرهم هذا عن مستقبل اسرائيل بنظر اصحابها فماذا عن وجودها بنظر الفلسطينيين والعرب والمسلمين؟
في اوائل ايار/مايو الجاري التأم في الدانمرك بلد الرسوم المسيئة للرسول مؤتمرا فلسطينيا حاشدا تمحور حول "حق العودة" خاطب خلاله الشيخ رائد صلاح زعيم التيار الاسلامي في فلسطين التاريخية الحضور بقوله: منازلكم تنظركم. قراكم تنتظر عودتكم. ارضكم اشتاقت اليكم...الخ. وفي تاريخ سابق تحدث السيد حسن نصرالله عن زوال اسرائيل وفقا للقاعدة التي رسمها دافيد بن غوريون اذ قال أن انهيارها رهن بهزيمتها الاولى في مواجهة طرف عربي وقد وقعت الهزيمة في تموز/يوليو عام 2006 محذرا من ان اندفاع اسرائيل الى حرب جديدة في لبنان سيقرب أجلها وهو قول غير مسبوق في الخطب السياسية العربية خصوصا انه يصدر عن طرف لم يتعود التجديف في التوقعات ويتمتع بقدر عال من المصداقية.
ما من شك ان ستينية اسرائيل تختلف اختلافا جذريا عن ثلاثينيتها التي تزامنت مع هزيمة حزيران/يونيو الشهيرة وذلك في كونها اليوم ضعيفة ديموغرافيا بمواجهة الفلسطينيين في الداخل والخارج. ومنبوذة في العالم العربي والاسلامي رغم التطبيع والعلاقات الدبلوماسية. ومنكشفة استراتيجيا بعد حربها السابعة في لبنان. وتعيش تحت ضغط اعادة الاراضي المحتلة في جنوب لبنان والجولان. ولا تحتفظ بتغطية معنوية غربية تجاه الحقوق المنتهكة في الاراضي المحتلة وتجاه حق العودة لفلسطيني الشتات وهو ما يمكن تلمسه بوضوح في الانحسار عن تأييدها من طرف قطاعات واسعة في الرأي العام الدولي.وتعيش كابوسا حقيقيا ازاء الفشل الامريكي في العراق وافغانستان وسوريا وإيران. وتعيش حال ارتباك حقيقي ازاء مشروع الدولتين. ويؤرقها كابوس صواريخ القسام البدائية الصنع. وتعاني من نزيف الهجرة المضادة الى الخارج وانحسار الهجرة اليهودية الوافدة الى الحد الادنى غير المسبوق في تاريخها. وتفتقر الى قيادات تاريخية من طراز مائير ودايان وشارون وبن غوريون ورابين وغيرهم وتحتاج اكثر فاكثر الى المساعدات الغربية لسد العجز في اقتصادها المتهالك في حين يزداد المجتمع الاسرائيلي شيخوخة وتتراجع في صفوفه روح القتال والتضحية.. الخ. إن لم تكن هذه العوارض الستينية مؤشرات على مصير الدولة العبرية فماذا تكون؟ فيصل جلول