الانفراد السوري ان حدث سيكون الاخطر

بقلم: نقولا ناصر

لا احد في المنطقة يفسر الضجة التي اثارتها الوساطة التركية بين سوريا وبين اسرائيل لمبادلة الجولان كاملا مقابل سلام كامل بانها عرض اسرائيلي جاد، خصوصا في ضوء الاستنكاف الاميركي عن دعم هذه الوساطة، غير ان مجرد التلويح بتنشيط مسار السلام السوري – الاسرائيلي انما يعيد تسليط الاضواء على مضاعفات ومخاطر أي انفراد عربي بالصلح مع اسرئيل على القضية الفلسطينية قبل ان يحصل عرب فلسطين على الحد الادنى من حقوقهم الوطنية التي تمنحها الشرعية الدولية لهم.
وقد ادرك الجانبان السوري والفلسطيني قبل غيرهما ان المبادرة الاسرائيلية لا تعدو كونها من جهة تكتيكيا يستهدف دق اسفين بين دمشق وبين طهران في سياق الجهود الاميركية – الاسرائيلية المعلنة للفصل بين العاصمتين تمهيدا للانفراد بكل منهما على حدة، ومن جهة اخرى وسيلة لزيادة الضغوط على الرئاسة الفلسطينية لابتزاز تنازلات منها تقربها من التطابق الاميركي – الاسرائيلي في تفسير "رؤية" الرئيس جورج دبليو. بوش لحل الدولتين، ومن جهة ثالثة مناورة لاغراء سوريا بتقليص دعمها لحماس وحزب الله اللبناني، ومن جهة رابعة لاستخدام تحريك المسار السوري كغطاء للفشل على المسار الفلسطيني، وكما كتب اكيفا ايلدار في هارتس الجمعة الماضي "كستار للتغطية على نكسة كبرى في محادثات اسرائيل مع الفلسطينيين".
وسوريا نفسها واعية لمخاطر تكرارها للانفراد المصري ثم الاردني بالصلح مع اسرائيل على القضية الفلسطينية. ففي الرابع والعشرين من الشهر الماضي، عشية زيارة الوسيط التركي رئيس الوزراء رجب طيب اردوغان لدمشق، نسبت وكالة الانباء الرسمية "سانا" الى وزير الخارجية وليد المعلم قوله ان اسرائيل اذا كانت ملتزمة بالانسحاب الى خط الرابع من حزيران/يونيو 1967 وكانت جادة ومستعدة لصنع السلام عندئذ لا يوجد ما يمنع استئناف المحادثات معها "بشرط الا تؤثر (هذه المحادثات) سلبا على المسار الفلسطيني".
والقيادة الفلسطينية بدورها بدت مدركة ايضا للمناورة الاسرائيلية القديمة الجديدة لضرب مسارات السلام العربية الثنائية ببعضها اذ أعرب الرئيس الفلسطيني محمود عباس في مؤتمر صحفي عقده في منتجع شرم الشيخ المصري بعد اختتام محادثات مع الرئيس المصري حسني مبارك عن تأييده لجهود الوساطة التركية بين سوريا وإسرائيل وقال إن أي اتفاق سلام بين إسرائيل وسوريا لن يضر بالمفاوضات الفلسطينية – الاسرائيلية.
غير ان وعي الجانبين لتجنب الوقوع في فخ المناورة الاسرائيلية الجديدة لضرب المسارين ببعضهما لا يعني باي حال ان احتمال التضارب بينهما لن يظل قائما وانه تضارب "مؤجل" يهدد كليهما في أي وقت تصبح التسوية المنفردة لاي منهما مع دولة الاحتلال الاسرائيلي احتمالا واقعيا ممكنا، واذا كانت أي تسوية عادلة على المسار الفلسطيني طبقا لقرارات الشرعية الدولية تبدو امرا بعيد المنال ان لم تكن سرابا حتى الان وبالتالي فان الانفراد بسوريا لا يبدو خطرا ماثلا في المدى المنظور فان العكس ليس صحيحا.
فاعادة الجولان العربي السوري المحتل الى اهله تبدو حتمية تاريخية ومسالة وقت فقط لعدة اسباب اهمها ان فلسطين هي المستهدفة اصلا بالمشروع الصهيوني الذي لن يتوسع عربيا الا بعد ترسيخ احتلاله الاستيطاني لفلسطين واحلال مستوطنيه اغلبية محل الاغلبية العربية فيها، ثم ان الهدف الاسرائيلي المعلن لعدوان عام 1967 الذي قاد الى احتلال اراضي اربع دول عربية كان مبادلة هذه الاراضي المحتلة بالسلام مع دول الطوق العربية لتحييدها في الصراع على فلسطين وللانفراد بعرب فلسطين، وقد تحقق الهدف الاسرائيلي في مصر والاردن وبقيت سوريا ولبنان.
وليس سرا ان دولة الاحتلال كانت ترى في لبنان الحلقة الاضعف والمرشح الثالث لابرام معاهدة سلام معها وكادت تحقق هدفها فيه باتفاق 17 ايار/مايو اثر احتلالها لجنوبه وعاصمته بيروت عام 1982 لكن سوريا التي عجزت عن الحيلولة دون سوريا ومصر وتحقيق الهدف الاسرائيلي فيهما نجحت حتى الان في ربط المسارين السوري واللبناني وما الازمة اللبنانية الراهنة الا فصلا جديدا في المحاولات الاميركية – الاسرائيلية لفك الارتباط بين المسارين.
وليس سرا ايضا ان سوريا تأمل في جبهة سلام سورية لبنانية فلسطينية توفر في الاقل التنسيق بين المسارات الثلاث لتعزيز مواقف مفاوضيها ان لم تستطع التغلب على الاصرار الاسرائيلي على ثنائية المسارات وفك أي ارتباط محتمل فيما بينها، غير ان هذا "الامل" السوري جوبه وما يزال بالسد المنيع ل"القرار الفلسطيني المستقل" الذي اضعف المفاوض في الجانبين وكان سببا في التوتر الفلسطيني السوري المتواصل الذي انفجر دما محرما اكثر من مرة وما زال عاملا حاسما في الاستقطاب الفلسطيني حد الانقسام.
كانت الترجمة العملية للقرار الفلسطيني المستقل هي اتفاقيات اوسلو السرية التي فاجات الوفد الفلسطيني المفاوض العلني في واشنطن والاردن قبل ان تفاجئ سوريا وكانت نسخة فلسطينية مناسبة تماما للقرار الاسرائيلي بـ"ثنائية" مسارات التفاوض والمفارقة الاحدث ان "استقلالية" هذا القرار تتناقض، نظريا في الاقل، مع مبادرة السلام العربية التي اجمعت عليها جامعة الدول العربية، هذه المبادرة التي نجحت في الاجماع على استراتيجية السلام لكنها فشلت في الاجماع على التفاوض الموحد عليها ناهيك عما يقتضيه المنطق من تأليف وفد واحد للتفاوض عليها اذ ما زال اصحابها اسرى قراراتهم "الوطنية" المستقلة ومرتهنين للشرط الاسرائيلي المسبق بثنائية التفاوض.
ان الاحتمال الواقعي لسلام سوري اسرائيلي "منفرد" يجب ان يشعل ضوءا احمر في دوائر صنع القرار الوطني الفلسطيني لانه سيكون اخطر من الانفراد المصري والاردني فابرام معاهدة سورية – اسرائيلية ستليه بالتأكيد معاهدة مماثلة مع لبنان لتجد أي تسوية فلسطينية اسرائيلية نفسها محاصرة ومعزولة تماما بين مطرقة الاحتلال وسندان الالتزامات العربية المنبثقة عن معاهدات السلام كما اثبتت تجربة حوالي ثلاثين عاما من المعاهدة الاسرائيلية مع مصر وقرابة خمسة عشر عاما من المعاهدة مع الاردن.

ان تزامن التلويح بتحريك المسار السوري مع خيبة الامل المعلنة للرئاسة الفلسطينية من نتائج قمة بوش – عباس في الرابع والعشرين من الشهر المنصرم، ومع تضاؤل الرهان الفلسطيني على حل الدولتين، ومع انقشاع الوهم الفلسطيني حول امكانية الفصل بين الحليفين الاميركي – الاسرائيلي فصلا يمكنه ان يفرز وساطة اميركية نزيهة لديها حد ادنى من الاستعداد للضغط على اسرائيل، ومع تواتر الادلة على ان حكومة دولة الاحتلال الحالية برئاسة ايهود اولمرت لا تملك القدرة ولا النية في تسوية سياسية تتجاوز مشروع ارييل شارون لدولة فلسطينية مؤقتة طويلة الامد على 42% من الضفة الغربية زادتها وزيرة الخارجية تسيبي ليفني الى 62% حسب الخريطة التي قدمتها ورفضها رئيس الوفد الفلسطيني المفاوض احمد قريع الاسبوع الماضي لانها تخرج القدس ووادي الاردن والمستعمرات الاستيطانية الكبرى من التسوية التي تجري المفاوضات عليها وبالتالي ترفض أي عودة الى حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967، ان تزامن التلويح بتحريك المسار السوري مع كل ذلك وغيره ينبغي ان يدفع المفاوض الفلسطيني الى وقفة غير تكتيكية لاجراء مراجعة كاملة وشاملة وجذرية لاستراتيجية التفاوض الفلسطيني وحصادها المر منذ عام 1991.
كما ان الاشارات المتكررة خلال الاشهر الماضية من الرئاسة الفلسطينية الى بدء الشعب الفلسطيني في البحث عن بدائل ينبغي ان تتجاوز كونها مجرد رسائل تحذير الى المجتمع الدولي المعني بتحقيق تسوية سياسية للصراع العربي – الاسرائيلي انطلاقا من العقدة الفلسطينية لهذا الصراع لكي تبدا الرئاسة الفلسطينية في البحث فعلا وحقا عن بدائل للعملية السياسية التي انطلقت من مدريد عام 1991 بعد ان اثبتت عملية الانعاش الاخيرة التي اجريت لها في انابوليس اواخر العام المنصرم ان النفخ في الميت لم يعد مجديا، غير ان البديل الوحيد الذي ما زالت الرئاسة تبني آمالا عليه هو مؤتمر موسكو الدولي في حزيران / يونيو المقبل اذ نقلت الاسوشيتدبرس عن عباس قوله في العاصمة الروسية اثناء زيارته الاخيرة لها ان هذا المؤتمر "يجب ان ينقذ عملية السلام"، متجاهلا ان المسار السوري سيكون على الارجح محور هذا المؤتمر لينضاف الجهد الروسي الى الوساطة التركية في العمل من اجل استئناف المحادثات السورية الاسرائيلية بعد ثماني سنوات من انقطاعها في شيبردزتاون بولاية فرجينيا الغربية الاميركية.
وقد اصبح من الاجدى للرئاسة الفلسطينية ان تبني حساباتها السياسية على اساس ان رحم ادارة بوش عقيمة بحيث لن تنجب قبل انتهاء ولايتها في كانون الثاني / يناير المقبل حتى "اعلان مبادئ" جديد اعلن الرئيس عباس صراحة انه ليس بحاجة الى مثله ليحل محل "اعلان المبادئ" الذي وقعه في واشنطن عام 1993 اذ لم يعد هناك ما يسوغ تاجيل عدم مصارحة الشعب الفلسطيني بان طريق المفاوضات الحالية محكوم عليه بان يظل مسدودا الى حين وصول ادارة جديدة في واشنطن، وهذا هو الاستنتاج الذي توصلت اليه القيادة السورية وصارحت شعبها به وبنت حساباتها السياسية على اساسه.
وحتى يشغل رئيس جديد مقعده في البيت الابيض الاميركي ثم يأخذ وقته المألوف لترسيخ ادارته قبل ان يقدم على مبادرات حاسمة في السياسة الخارجية يوفر مهلة سنتين في الاقل لكل من المفاوضين الفلسطيني والسوري لاجراء مراجعة معمقة للعلاقات الثنائية، المتفقة على السلام كخيار استراتيجي، تعيد النظر في ايجابيات وسلبيات السير في مسارين منفصلين "مستقلين" للتفاوض مع دولة الاحتلال الاسرائيلي وفي جدوى أي محاولة جادة لمواجهتها بجبهة تفاوضية فلسطينية سورية لبنانية، اكثر تنسيقا ان لم تكن موحدة، تكون محورا لجبهة سلام عربية مساندة يتوفر الاساس السياسي لها فعلا ممثلا في مبادرة السلام العربية، ولاستغلال المهلة الزمنية التي تتيحها الفترة الانتقالية بين ادارتين في الولايات المتحدة في حشد الدعم العربي والدولي لمثل هذه المقاربة لتسوية الصراع.
فقد حان الوقت للتوقف العربي عن سباق المسارات وفق الشروط الاسرائيلية لهذا السباق الذي كان الاطار المنطقي للتفاوض الثنائي ولمعاهدات السلام المنفردة التي اسقطت الخيار العسكري العربي النظامي الذي طالما بنى عرب فلسطين امالهم عليه وحولت اصحابها الى وسطاء في الصراع وعمقت الانقسام العربي وجعلت الموقف العربي اضعف حد العجز حتى في المواجهة السياسية والتفاوضية وحد ان ينساق هذا الموقف الى التصنيف الاميركي – الاسرائيلي لظاهرة المقاومة باعتبارها "ارهابا"، فهذا استحقاق عربي طال انتظاره اكثر من اللازم.
اذكر لقاء عام 1987 في نادي الصحافة بواشنطن مع وزير الخارجية الاميركي الاسبق سايروس فانس في عهد الرئيس جيمي كارتر سالته فيه لماذا لا تؤيد بلاده قيام دولة فلسطينية فاجاب بان العرب لا يتفقون على الحرب ولا يتفقون على السلام وانهم لم يتفقوا على قيام دولة فلسطينية وان الرئيس العربي الوحيد الذي عرض على واشنطن قيامها حتى ذلك الحين كان الرئيس الجزائري الاسبق الشاذلي بن جديد وان أي ادارة اميركية لا تستطيع تجاهل أي اجماع عربي على اية قضية، ويبدو ان الانقسام العربي ما زال حتى الان ثابتا يبني عليه كل اعداء الامة حساباتهم، انقسام يتعمق ويستمر باسم "القرار الوطني المستقل" الذي لا يدافع عن استقلاله امام الهيمنة الاجنبية لكن حساسيته مفرطة في تجنب حتى التنسيق مع الاشقاء، وقد حان الوقت لكي يتوحد العرب عند حد ادنى من التضامن الرسمي حول السلام بعد ان عجزوا عن التوحد حول الحرب.
لطالما وصف الواقعيون العرب المتعاهدون على الصلح مع اسرائيل المعارضين لهم، خصوصا بين عرب فلسطين، بالعدمية والانفصال عن الواقع الاقليمي والدولي لكن ما آلت اليه عملية السلام الفلسطينية الاسرائيلية التي حاصروا القيادة الفلسطينية حتى تورطت فيها يثبت بما لا يدع مجالا لاي شك بان الانفراد العربي بالسلام او الاجماع العربي عليه قبل ان يضمن عرب فلسطين الحد الادنى الذي تمنحه لهم الشرعية الدولية من حقوقهم الوطنية هو خطا ما كان له ان يتم، لانه في احسن الاحوال حقق سلاما منفردا باردا رسميا تحول الى مظلة لمواصلة تصفية القضية الفلسطينية بالحقائق التي يواصل الاحتلال خلقها فوق الارض الفلسطينية المحتلة، بينما يظل هذا السلام مهددا باستمرار بالحروب العدوانية الاسرائيلية التي تستهدف فرض معاهدات منفردة مماثلة على من لم يوقعها بعد، وبالمقاومة والممانعة لذلك، ويظل بالتالي محاصرا بالرفض الشعبي الوطني والقومي له.
لقد انتقدت سوريا الانفراد المصري والاردني والفلسطيني لكنها الان تقف منفردة امام خيار منفرد بحكم الامر الواقع وهو ابرام سلام انفرادي. ان الارتفاع غير البريء لنبرة "الاستقلال" اللبناني والفلسطيني سوف يعفيها من اعباء أي محاولة لالزامها بخطابها القومي كي لا تذهب منفردة الى سلام ستكون نتيجته الحتمية ترك عرب فلسطين منفردين لرحمة احتلال سعى دائما الى الوصول لهذه النتيجة الماساوية التي لا يحتاج المحلل الى جهد كبير كي يدرك بان خاتمتها المنطقية ستكون تصفية القضية الفلسطينية لصالح المشروع الصهيوني بينما العرب يتفرجون التزاما بالمعاهدات المنفردة التي وقعوها او سيوقعونها.
ان أي مطالبة فلسطينية او عربية لسوريا بعدم الانفراد بحجة عدم ترك المفاوض الفلسطيني منفردا تحت رحمة القوة الساحقة للاحتلال وحليفه الاميركي ستكون مطالبة غير مجحفة فقط اذا ما امكن تخيير دمشق بين الانفراد في المسارات السورية والفلسطينية واللبنانية وبين توحيد هذه المسارات او في الاقل توفير حد ادنى ذي مصداقية من التنسيق بينها يحولها الى جبهة تفاوضية موحدة مسنودة بالاجماع العربي على السلام كخيار استراتيجي.

ولا يبدو الرئيس الفلسطيني غير مدرك لهذا الخيار "الواقعي"، ففي محاضرة له بمعهد موسكو للعلاقات الدولية في 18 الشهر الماضي اعرب عن "آمال كبيرة" في ان يمهد مؤتمر موسكو "لعملية سلام شاملة للشرق الاوسط كافة تشمل سوريا ولبنان"، غير ان عباس ما زال عليه ان يترجم آماله الى استراتيجية وتحالفات تفاوضية جديدة تنسجم معها وتنقذ المسار الفلسطيني من أي انفراد سوري من المؤكد انه ان حدث سوف يحكم طوق السلام العربي حوله ليظل مسارا معزولا مفتوحا للتفاوض لا نهاية له سوى استكمال الاحتلال للحقائق التي يخلقها على الارض استكمالا لا يبقي للمفاوض الفلسطيني ما يتفاوض عليه. نقولا ناصر
كاتب عربي من فلسطين nicolanasser@yahoo.com