على الأقليات غير المسلمة ان تدافع عن وجودها في العراق

بقلم: حبيب تومي

لا شك ان وجود الأقليات الدينية غير المسلمة في العراق معرض للاندثار اكثر من أي وقت آخر والسبب هو العجز الحكومي عن حماية الأقليات بوجه الظلم والإرهاب المجتمعي الذي تتعرض له هذه الأقليات المتمثلة باليزيديين والمسيحيين والمندائيين والشبك - وبمناسبة تطوع اعداد من المسيحيين في صفوف الشرطة كتبت هذا المقال.
هنالك مثل عراقي ذو مغزى يقول: "عينك على مالك دواء" أي ان حرصك على اموالك لا يضاهيه حرص آخر، وأنت مؤهل اكثر من غيرك، وأنت سيد العارفين في بيتك وحيّك ومدينتك وأعرف بزواياها وشعابها لكي تذود عن حياضها.
في كل العصور كان الشباب هم المؤهلون لتحمل المسؤوليات الجسيمة والخطرة، والجيوش تختار دائماً الشباب لخوض المعارك، فمنذ ان كان الإنسان الأول يتعاطى الحجر في دفاعه وهجومه على الحيوانات الكاسرة الى ان انتقل الى استخدام القوس والنشاب ثم استعمل السيف والرمح والرمي بالمنجنيق، ومن ثم توصل الى استخدام البارود والبندقية والمدفع، واخيراً القنابل الذكية والصواريخ البالستية، فكان الشباب في كل هذه المراحل هم من ينوء تحت وطأة المهمات العسكرية في كل العصور والدهور.
أجل ايها الشباب إن الفضيلة عند الشباب تكمن في بواطن التضحية من اجل المقدسات وفي مجتمعاتنا ان ذروة المجد هي في التفاني من اجل الشرف او الدين او المال او الوطن، ونحن نعرف ان المهمة ليست يسيرة لكن أمام إرادة الشباب تقهر كل الصعاب.
يقول فريدريك نيتشيه على لسان زرادشت عن الأرادة: "ان الارادة تنقذ ولكن ما هو تصور الارادة في عملها للتخلص من دائها وهدم جدران سجنها.. إن الزمان لا يعود ادراجه وهذا ما يثير غضب الارادة وكيدها، فهناك صخر لا طاقة للارادة برفعه، وهذا الصخر إنما هو الأمر الواقع.. ويضيف في مكان آخر: إننا لن نتردد في تسلق جبال أعلى من هذا الجبل، إذا كان من اعتلائنا ما يبسط امامنا مشاهد تقشع الغشاء عن العيون وتجعل بصرها حديداً.
لقد انقطعنا الآن عن الصراخ في طلب النجدة لأن قلوبنا قد تفتحت وامتلأت حبوراً ونكاد نستعيد قوانا وشجاعتنا."
واليوم وطننا يمر بمحنة، فالحكومة لحد الآن ليست مستقرة وليس بمقدورها ان تحمي المواطن والمعابد والمؤسسات، إنه ظلم واستبداد المجتمع وليس الدولة، فالسلطات الحكومية تكون غائبة حين وقوع هذا الاستبداد بحق الأقليات إن كان من قبل العصابات التي تبتز المواطن او من قبل الميليشيات التي تعمل تحت مسميات دينية. لذا نطلب من شبابنا في مدننا القوش وتلكيف وتلسقف وباطنايا وبغديدا وكرملش وباقوفا وبرطلي ومنكيش وعنكاوا.. وفي كل بلداتنا وقصباتنا الجميلة ان يتطوعوا في أجهزة الأمن والشرطة لحماية كنائسنا ومؤسساتنا وأموالنا وأعراضنا وأن تساهم في بسط الأمن والاستقرار في ربوع وطننا العراقي العزيز بالتعاون مع السلطات الحكومية.
لقد كانت مسألة التطوع في الجيش والشرطة سابقاً مسألة شخصية، لكن الآن ندعو لهذا التطوع لأنها لم تعد مسألة شخصية فحسب، إنها مساهمة فعالة في درء الأخطار عن كنائسنا ومقدساتنا في وطننا. إننا نقدر جسامة وخطورة المهمة، لكن ما باليد حيلة فإن تقاعس شبابنا من النهوض بهذه المهمة ولم يتحملوا المسؤولية، فمن يستطيع القيام بهذه المهمة غيرهم؟ إن الأخطار تحيق بشعبنا وعلى الشباب تقع المسؤولية بالدرجة الأولى لدرء هذه الأخطار، أجل إنها مهمة شاقة وخطرة وصعبة لكنها مطلوبة وضرورية.
وقرأت بهذا الصدد خبراً مفاده:
نقل بيان صدر عن الجيش الاميركي، وتلقت الوكالة المستقلة للأنباء (اصوات العراق) نسخة منه الاربعاء ان برنامجا نفذ لتجنيد اكثر من 700 من ابناء الديانة المسيحية في قوات الشرطة العراقية، بهدف المساعدة في حماية مناطقهم. مشيرا الى ان اختيار المتطوعين بدأ منذ يوم الاثنين الماضي، ولمدة ثلاثة ايام في قضاء تلكيف ذات الغالبية المسيحية.
من جهته، قال مصدر مسؤول في قيادة شرطة نينوى، ان "عدد المتطوعين الذي سيتم قبولهم، لن يتجاوز الـ250، بعد تدقيق شروط تعيينهم فيما يخص أعمارهم ولياقتهم البدنية والصحية، وانهم سيكلفون بحماية الكنائس الموجودة في عموم محافظة نينوى."
ونفس الخبر بصيغة اخرى يقول:
اعلنت القوات الاميركية في العراق عن بدء عمليات تجنيد مئات المسيحيين العراقيين لحماية امن كنائسهم من الهجمات الارهابية.
وقالت القوات في بيان الى "ايلاف" اليوم ان العشرات من المسيحيين قد اصطفوا للانضمام الى قوات الشرطة العراقية خلال حملة تجنيد في تلكيف شمال مدنية الموصل (375 كم شمال بغداد) وذلك للمساعدة في حماية احيائهم في الموصل. وقال قائد وحدة التحالف في المنطقة العقيد مايكل بيلز"سوف تساعد حملة التجنيد هذه على تعزيز الاقتصاد من خلال توظيف هؤلاء الاشخاص بالاضافة الى تعزيز الجهد الامني". ومن المنتظر انتقال عمليات تجنيد المسيحيين هذه الى بغداد ومناطق عراقية اخرى لحماية دور عبادة المسيحيين ورجالاتها هناك.
في عام 2004 لاحظت في القوش كيف يتحمل الشباب مهمة الحراسات من المتربصين بمن يريدون ان ينالوا من أمن واستقرار هذه المدينة المسالمة، وهذا ما نقرأ عنه عما يقوم به شبابنا من الحراسة في بغديدا وربما هناك حراسات أخرى يقوم بها الشباب في كل قصباتنا، وهذا امر يستحق التقدير والتعضيد من لدن الجهات التي تمنح المساعدات في هذه الأحوال.
واليوم نقرأ خبراً مفرحا من اصطفاف اعداد كبيرة من شبابنا للتطوع في سلك الشرطة لحماية الكنائس.
في الحقيقة ينبغي على الحكومة ان تنهض بالواجبات الملقاة على عاتقها وحماية المعابد والأماكن المقدسة والمؤسسات والمواطنين هي من صلب واجبات الحكومة. لكن في ظل الظروف الاستثنائية التي يمر بلدنا ينبغي على ابناء شعبنا ان يساهموا بهذا الجانب قدر إمكانياتهم المحدودة، فالبديهية التي تقول ان الحكومة عاجزة ان تتصدى لقوى الإرهاب فكيف لأقلية دينية محدودة ان تقوم بهذا الواجب العسير؟
وهنا ينبغي على الحكومة ان تبارك وتساعد كل جهد يساهم في عملية المحافظة على الأمن والنظام، ويتعين ان يكون دور الحكومة ايجابيا مساهما وليس لا أبالياً وكأن القضية محصورة في تلك القرية او البلدة.
وفي الحقيقة إنني افتقر الى المعلومات الخاصة بتمويل الحراسات الليلية في القوش وبغديدا وربما في مناطق أخرى.هل تقوم بها الحكومة ام هناك جهات اخرى تساهم في عملية التمويل؟
وأتمنى ان تكون الحكومة هي التي تساهم بهذا المجهود، إذ ان واجبها هو حماية المواطن وعندما ينهض حراس من هذه البلدات بهذا الواجب فيقتضي على الحكومة ان تزودهم بالسلاح والتجهيزات اللازمة وتمنحهم الرواتب.
بارك الله بجهود هؤلاء الشباب وشجاعتهم، والأمل يغمرنا في ان يعود الأمن والأمان الى ربوع عراقنا الحبيب، وتكون القوات الحكومية قادرة على بسط النظام والقانون وأن يكون في مقدورها حماية الأقليات الدينية من اليزيدية والمسيحيين والمندائيين والشبك. إن استقرار وأمن الأقليات هي خطوة مهمة لكي تبدأ عجلة التنمية بالدوران والتقدم نحو الأمام اسوة بإقليم كردستان الذي يقوم أبناؤه من البيشمركة بحراسته والسهر على امنه.
حبيب تومي - اوسلو habeebtomi@yahoo.com