غيبوبة المجتمع العربي؛ كيف ولماذا؟

بقلم: رندا قسيس

يعيش المجتمع العربي ككائن ثابت، يرفض التحولات والتغيرات التي تطرأ عليه، فيعيش في عزلة من امره، يرفض الآخر ويرفض الارتباط به، فيبدأ بالتمييز بينه وبين المجتمعات الاخرى، لينتهي به الامر الى التمييز بين افراده.
تعيش هذه المجتمعات حالة من الغيبوبة، فقد شلت حركتها واداؤها، نظرا الى الانتكاسات القديمة التي مرت بها منذ قرون. كما ان سقوط بعض الايديلوجيات الفكرية مؤخرا، ساهمت في ادخال هذه المجتمعات في هستيريا دينية واخلاقية، جعلتها تمر في حالة غير واعية الى التحولات التي يجب تبنيها لتجديد نفسها. هاهي اليوم تمر بمرحلة ما قبل الوعي، كالطفل في مرحلة الطفولة، وهاهي صور تاريخها من انتصارات وانتكاسات تبدأ بالظهور لتحيا من جديد في كل كائن انساني ينتمي اليها. تحاول عبثا الهروب من الآلام والاحباطات التي مرت بها، فتدفنها في الاعماق، وتتوج نفسها اكليلا من الاخلاق والمبادئ، فتوهم ذاتها بانها حبيبة الله، وتبشر افرادها بمجد عظيم قادم.
تستند هذه المجتمعات الى ثقافات قائمة على الكبرياء، وشرف الانتماء، فنراها منعزلة، منغلقة على نفسها، لا تتوقف برهة عن اتهام المجتمعات الاخرى بالعنصرية، فتنسى ان تتوقف لحظات امام المرآة لترى عنصريتها البغيضة تجاه الآخرين، وكراهيتها القاسية الى كل فرد او مجتمع يختلف عنها. فمن الناحية النفسية، وبسبب الانتكاسات العديدة، احتفظت المجتمعات العربية بشعور الهزيمة، ليتحول بعدها هذا الشعور الى نصر ضائع، فتقف في حالة تأهب دائم ضد كل من يختلف عنها، فتخيط لذاتها ثوبا من الخوف، وتعلن حربا على معتقدات الآخرين، فتشتد عليها وتيرة التأهب، فيضيع هدفها الرئيسي، وهو الارتقاء بالفرد والمجتمع الى اعلى درجات الانسانية.
وبازدياد شعور الخوف، تبدأ هذه المجتمعات بقمع ذاتها، وتحطيم افرادها أولا، لينتهي بها الامر الى تكرار مآسيها المرسخة في ذاكرتها، لتتبنى بعدها موقف الجندي البسيط ذو الرؤية المحدودة، فهي تفتقد الى كوادر بناءة قادرة على التكيف مع التحولات التي تمر بها. فتنعدم الاستراتيجيات في هذه المجتمعات، لتنتقل الى حالة من الهجيان الكامل، فينتج عنها حالة الانطواء النفسي والانعزال المدمر، فتشتد عليها حالة الخوف والارتباك. وفي مثل هذه الحالة، لا يبقى لهذه المجتمعات إلا ان تفتخر بديانتها المحلية، لتسن منها قوانينها واسسها، وتتبع نظاما قديما لا يصلح ان يتماشى مع المتغيرات الجذرية التي طرأت على المجتمعات بكاملها. ومن ثم نرى تفكك المجتمع بداخله، وتآكل اعمدته، ليشبك نفسه في دائرة ضيقة، يرفض النظر الى كل ما هو متحرك خارج دائرته. تحارب هذه المجتمعات على جبهتين، جبهة داخلية، لشل حركة اي تمرد او تغيير من قبل افرادها، وجبهة خارجية لاثبات ذاتها ومعتقداتها امام الآخرين، لكن نظرتها المحدودة والمتشائمة تجعلها تبتعد عن حالة السلم والاستقرار الداخلي ، لتدخل في حالة قمع ذاتي.
مرت مجتمعاتنا في محن عديدة، الا انها لم تكتسب الخبرة الكافية لتجاوزها وتجاوز المحنات الحالية. فولادة بعض الاديان في منطقة الشرق الاوسط ، لم يساعد على تطوير الفكر واكتساب الخبرات الكافية من المصائب التي عانتها هذه الشعوب. هذا الاعتماد الكلي على الاديان، نتج عنه فقدان القدرة على التحليل السليم والمنطقي. فهذه الشعوب تربط معاناتها بإيمانها، فتلجأ الى الله، ليحتل الله جزءا كبيرا من الفكر والحياة اليومية، ليساهم هذا الشعور في اضمحلال الشخصية الفردية، فينعكس انعكاسا مباشرا على سلوك الجماعة.
يصبح الاكتساب جزئي وشرطي ما بين الجماعة والفرد، الجماعة تتبنى معتقدات افرادها، والفرد يتنازل عن معتقداته لصالح الجماعة، تلغى القيمة الفردية لصالح الجماعة، ليصبح الفرد على استعداد كامل للتضحية بنفسه من اجل الجماعة. وبما ان هذه المجتمعات تستمد قيمها واحكامها وقضائها من الدين، تجعل من الدين الهدف السامي لكل فرد يرغب بالتضحية من اجل الجماعة. ومع انهيار القومية العربية، لجأت الجماعة الى الدين كهوية محلية بدلا من جميع قيم القوميات التي تستند الى دراسة منطقية. فلا عجب من انتشار الحركات الاصولية والمتشددة التي تنادي للجهاد من اجل الله. رندا قسيس
فنانة تشكيلية مقيمة في باريس