الأحياء الشعبية في الإسكندرية: مزايا وجنون

بقلم: مصطفى نصر
إنه عذاب

نشأتُ في حي شعبي، ومازلت أعيش فيه، ويخيل إلي أحيانا أنني لا أستطيع أن أعيش في حي غيره، وذلك يذكرني بصديقي الذي وصل في عمله إلى وظيفة مدير عام، وزوجته تعمل معه في نفس الشركة، وكانا يسكنان بيت أمه، في حارة منخفضة، يعلوها جبل بدرجات بازلتية، وثلاث حدايد لتحمي السيارات من الوقوع من أعلى الجبل، وسيدات يجلسن خارج بيوتهن، ويضعن عشش الدواجن خارج البيوت، ويتركن الفراخ والبط والإوز ترعي في الحارة وتأكل من فضلاتها، وأطفال يطوف بعضهم حول البعض طوال الوقت وهم يصيحون، وبجوار بيته رجلا اسمه "حمامة" يؤجر المستعجلات الخشبية والمعدنية إلى أطفال الحي.
وطوال الوقت يدق حمامة هذه المستعجلات تحت شباكه، وكان صديقي يسكن الدور الأرضي. ألحت زوجته عليه بأن يترك هذه الحارة التي لا تتناسب مع وضعه الاجتماعي الآن وبالفعل سكن في فلمنج، فأحس بالغربة، فالهدوء هناك قاتل؛ خاصة أنه كان يسكن الدور الأخير (قبل السطوح مباشرة). وفي أول يوم سكن لصديقي في حي فلمنج، قالت زوجته له "أحس بالوحشة لدق حمامة على مستعجلاته."
وحدثتني ابنته بأنها غير مرتاحة لهذا الحي الجديد، فهناك في غربال كانت تصادق فتيات في مثل عمرها، لكن هنا لا أجد صديقة، فكل واحد في حاله.
ويأتي صديقي هذا بأسرته من وقت لآخر للعيش في بيته القديم (فهو لا يزال يشغل شقة فيه) يقضي عدة أيام وأحيانا تطول المدة لأسابيع، خاصة في شهر رمضان، فرمضان في حي فلمنج ليس له طعم.
وقد حدث منذ سنوات كثيرة أن سمعنا جلبة في بيتنا، فأسرعت إلى دخلة البيت، فوجدت شابا هاربا من شباب كثير جدا يطاردونه، فاحتمى في بيتنا، ونظرت إلى الشارع فوجدت الشباب يقفون، منهم من يحمل شومة، ومنهم من يحمل سيفا، ومنهم من يحمل رجل كرسي. ودخل شابان البيت فوقفت لهما، ومنعتهما من الوصول إلى هذا الشاب الذي لا أعرفه. ثم عرفت المشكلة، هذا الشاب الهارب غريب عن الحي وتشاجر مع واحد من المنطقة، فجاء كل هؤلاء لمساندته. فأمسكت صاحب المشكلة، وقلت له: العركة معاك أنت. وهذا الشاب لو خرج سيتجمعون لضربه كلهم، فأكيد سيموت تحت أيديهم. وكل منهم سيذهب إلى بيته، وأنت الذي ستحاكم، لأنك صاحب المشكلة.
وأدرك الشاب قولي وصدقني، فأمسك بالشاب الآخر وحماه من زملائه.
ولقد فعلت هذا لأنني تذكرت حادثة حدثت في الحارة التي كانت تسكنها جدتي والتي وصفتها وأنا أحكي عن صديقي الذي أصبح مديرا عاما. فقد اختلف قريب لي مع واحد من الحي، الاثنان يمتلكان قسمي زبالة متجاورين في حي سبورتنج. اختلفا على شارع من الشوارع. هذا يقول "تبعي"، والثاني يقول "لأ، ده تبعي أنا". والظاهر أنهما تشاجرا هناك. المهم أن الرجل الآخر أتفق مع اثنين بلطجية يعملان في كازينو من كازينوهات البحر على أن يأتيا لضرب قريبي هذا. فجاءا إلى غربال، وكانا سكرانين أو أدعيا هذا. وكانا يرتديان زيا موحدا عبارة عن بنطلون أسود وفانلة سوداء برقبة، ووضع كل منهما ذراعه على كتفي الآخر ونزلا من فوق الجبل وهما يصيحان ويطلبان قريبي. وهجم أهل الحي عليهما. ضربوهما في وحشية فارتمى قريبي عليهما، وقال "أضربوني أنا بدلا منهما" فقد أدرك أن الاثنين سيموتان لا محالة، وهو الذي سيحاكم لأنه صاحب المشاجرة، فأنقذهما وتأكد من أنهما خرجا من الحي سالمين.
وعندما يصاب أحد من أهل الحي في حادثة؛ تجد المئات في المستشفى حتى يدهش العاملون والأطباء مما يرون، فالزوار يشغلون الحجرة الراقد فيها المريض، ويقفون في الممرات، ويقف بعضهم خارج المستشفى من كثرة عددهم.
وقد وقعتُ من الدور الثالث عندما كنا نبني بيتنا في أواخر الستينات، وحملوني إلى مستشفي الجمهورية القريبة من بيتنا، وكنت متعبا للغاية، أشكو من كل جزء في جسمي، فدهش أحد المرضى مما يرى وصاح "ده جاله عدد يصل للمئات، فكيف تتركونه في مستشفى حكومي هكذا؟!" ظن الرجل أنه ما دام معارفي كثيرين هكذا، فلابد أن أكون غنيا.
وفي التعازي، يمتلأ الصوان بشكل غريب، حتى يقف شباب أسرة الميت وأهل الحي ليعطوا فرصة للمعزين بأن يجلسوا على المقاعد الشاغرة، ويقف الذين يتلقون العزاء رغم كبر سنهم، ويرص الشباب المقاعد خارج الصوان حتى تصل لآخر الشارع، وينبه أهل الميت على المقرئ بألا ينتهي من قراءته مبكرا. لكي يزداد العدد، ليرى الناس الأعداد الهائلة التي جاءت لمواساتهم. فالمقرئ إذا ختم السورة التي يقرأها فسيخرج من الصوان الكثير ليفسحوا أماكن لآخرين.
ولقد حول أخي الحجرتين اللتين تطلان على الشارع في بيتنا إلى دكانين، أحدهما كبيرا استأجره رجل من بلدتنا ويسكن قريبا من الحارة التي كانت تسكنها جدتي، فحول الدكان إلى مقهى، وكان يجلس في مواجهة بيتنا هو وأصدقاؤه يدخنان الحشيش ويتحدثون، كنت أسمع حديثهم الغريب. فيحكي أحدهم عن المغنيين: حسان شرارة، وإبراهيم برغوت، وأبو دراع، وأحمد ملوخية. ويسأله صاحب القهوة "فيه مطرب اسمه أحمد ملوخية؟!"، فيصيح بصوت أعلى: طبعا، صوته أجمل من حسان شرارة (وأحمد ملوخية هذا ليس مطربا، وإنما كاتب أغان من البحيرة كتب أغاني لكبار المغنيين من أمثال محمد قنديل، وصباح، ليلى مراد).
واشترى صاحب القهوة سيارة مستعملة، وضعها أمام بيتنا، وكان يجالسه رجلا مسنا يسكن قريبا من القهوة، يسعل طوال الجلسة ويعمل مقاول أنفار يتعامل مع شركات القطاع العام، قال المقاول لصاحب القهوة في زهو وافتخار "أنا أعرف ضباط من المرور لغاية الآداب، وبعون الله، لو عربيتك مسكها ضابط مرور، حارجعهالك في يومها."
وفي الصباح التالي اكتشف صاحب القهوة سرقة سيارته، التي لم تعد حتى الآن.
وكنت أعاني من هذه القهوة بسبب صوت المذياع والكاسيت العالي، فقد كان شقيق زوجة صاحب القهوة، الذي يديرها، يحب فتاة تسكن البيت المقابل، وكانت تنادي عليه من وقت لآخر ليرسل إليهم الشاي والحاجه الساقعة إذا زارهم زائر، فإذا غضبت عليه البنت وأساءت معاملته؛ يرسل إليها عن طريق الكاسيت أغاني الاستعطاف مثل أغنية محمد رشدي "خاصم شهر وصالح يوم، ياللي مقضي هوانا خصام كفاية تسعة وعشرين يوم"، أو أغنية سميرة سعيد "محبش الخصام، محبش الزعل".
فيقول صاحب القهوة لشقيق زوجته بصوت مرتفع يسمعه كل الجيران في مساكنهم "طيب أنت بتحب، الناس ذنبها إيه تدوشهم بأغانيك؟"
كنت أغضب وأثور وأهدد، لكنني أتذكر أعمالهم الطيبة معي فأتراجع. فقد جرحت زجاجة قدم ابني الصغير، وكنت مضطربا لا أعرف ماذا أفعل. فإذ بهم يأخذونه بعربة نصف نقل كانت تقف أمام القهوة، ويذهبون به إلى المستشفى، ويعالجونه.
ويوم أن مات ابني في المستشفى، وسمح الطبيب بحمله إلى البيت، وكنت في شقتي لا أعلم، فوجئت بشقيق زوجة صاحب القهوة يحمل ابني الميت ويدخل به الشقة.
الأحياء الشعبية بها مزايا كثيرة غير موجودة في الأحياء الراقية، لكن بها أشياء كثيرة سيئة، ففي الأحياء الراقية إذا اختلفت مع جار من الجيران، لا يصل الأمر إلى الشجار، كل ما يفعله الذي اختلفت معه، أن يقول لك "سأرفع عليك قضية" لكن في الأحياء الشعبية؛ عادة ما يؤدي الخلاف إلى شجار بالسيوف والشوم ومية النار أحيانا.
كما أن كثيرا من القيم تبددت، فعمي كان يسكن حي سوق عقداية المشهور بتجارة المخدرات، وكان بيته يسمونه بيت الصعايدة، فالشرطة وأهل الحي يعلمون أن ليس له في هذه التجارة. وحدث أن رمي ابن عمي وهو طفل صغير طوبة على دكان واحد من تجار المخدرات، فكسر زجاجه. (وتجار المخدرات هناك يمتلكون محلات فخمة، الغرض منها التمويه بأن إنفاقهم من هذه التجارة، وليس من المخدرات) وجاء عمي من عمله قرب المغرب، فأخبرته زوجته بما فعله ابنه الشقي، فذهب إلى صاحب الدكان عارضا عليه ثمن الزجاج المكسور، لكن الرجل أقسم وأصر على ألا يأخذ منه مليما، بل قدم إليه مشروبا، وأعطاه قطعة حشيش كبيرة هدية له.
هذا ما كان يحدث في الماضي لكن الآن ظهرت في الأحياء الشعبية طبقة من الطفيليين، الذين يعيشون ويعتمدون على جرأتهم وقلوبهم الميتة، فقد تصدوا لعملية شراء البيوت القديمة من أصحابها وإقامتها عمارات تتكون من قرب العشرين دورا؛ مخالفين بذلك قوانين البناء.
وهم يتعرضون لمشاكل لا يستطيع مواطن عادي أن يتحملها، فيقبض عليهم ويحالون إلى النيابة، ويقضون في أقسام الشرطة بالأيام والشهور ويعودون (عادي جدا)، كما أنهم تعلموا كيف يتعاملون مع الموظفين المرتشين الذين يساعدونهم على الهروب من العقاب.
الأمر والأهم هو إقامة السرادقات في الأحياء الشعبية، فحينذاك لا تستطيع أن تبقى في شقتك، ولو كان السرادق في شارع بعيد عن بيتك؛ فالأصوات العالية جدا تأتيك من كل مكان، ومن خلف شيش البلكونات والنوافذ.
وقد رأيت مجموعة من الأطفال يتبارون على من يستطيع أن يقترب من السرادق ويبقى أطول مدة ممكنة. إنه عذاب. ولا يتحرك أحد لمنعه؛ لا الشرطة ولا رجال الدين الذين يسمعون القرآن يتلى من خلال أجهزة تردد الصوت بطريقة تسيء إلى القرآن. والأمر والأدهى أن أعضاء مجلس الشعب يأتون في كل سرادق لتعزية أهل الميت، ويسمعون هذه الأصوات التي تدعو إلى الجنون. مصطفى نصر ـ الإسكندرية