'السياسة' في مدارس فلسطين منذ الابتدائية

البيرة (الضفة الغربية)
'مادة لا منهجية'

يبدأ الاسكتش المسرحي بثلاثة اطفال يلعبون في وسط الحارة، يدخل اطفال اخرون يرتدون زي الجيش الاسرائيلي، يطلقون النار من اسلحة بلاستيكية ويقتلون اثنين.
تذهب الطفلة التي نجت من اطلاق النار الى امها وتقول لها"الجيش قتل اصحابي" ثم تصرخ الام "وينكم يا عرب؟".
هذا العرض الذي مثله اطفال في الثامنة من عمرهم لمناسبة تخرجهم من الصف الثاني الابتدائي في احدى مدارس رام الله في الضفة الغربية، كان مقدمة لعرض مسرحي اخر وجه من خلاله الاطفال انتقادا ساخرا للزعماء العرب.
وعلى لوحة الاعلانات في المدرسة، علقت صور الاطفال الفلسطينيين الاربعة الذين قتلوا في قطاع غزة الاثنين مع امهم.
ويبدأ العرض الاخر باربعة اطفال يجلسون على منصة يمثلون زعماء عربا مجتمعين لبحث الاوضاع في الاراضي الفلسطينية.
يبدأ طفل بالحديث وهو يقلد احد الزعماء بالقول "احنا لازم ندعم اخواننا الفلسطينيين ونمدهم بالسلاح".
يأخذ طفل اخر دوره بالقول "انا على استعداد لدعم الفلسطينيين بالمال لشراء السلاح".
وتدخل طفلة وقد دهنت وجهها باللون الاسود، في اشارة الى وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس، وتقول باللغة الانكليزية "ماذا اسمع من الزعماء العرب؟"
يخطف طفل الميكروفون ويقول "لا هو قصده نوفر لهم المال من اجل شراء الطحين".
يأتي دور رئيس اخر، ويقول الطفل "احنا لازم نشجب وندين، لان ما نقدر نعطي الفلسطينيين غير الشجب والاستنكار".
ويسلط الضوء على طفلة ثانية، تدخل خشبة المسرح وهي ترتدي الثوب الفلسطيني التقليدي، وتقول "ستون عاما، ونحن لا نسمع منكم الا الشجب والاستنكار، لا احد يتحرك معنا، فالى متى سنبقى ننتظر؟".
وفي عرض اخر، تقدم عدد من الاطفال يحملون نعشا لف بالعلم الفلسطيني، في اشارة الى طفل قتل بالرصاص الاسرائيلي.
وتنظم في المدارس الفلسطينية العديد من الانشطة اللامنهجية التي يقبل عليها الطلبة وينشطون في المشاركة فيها وتنفيذها على ارض الواقع، كما قالت احدى المعلمات التي طلبت عدم ذكر اسمها.
الا ان معلما من المدرسة ذاتها قال ان الاطفال "مثل العجينة، يتم تطويعهم مثلما يريد المعلم، وهم ينفذون ما يتم تدريبهم عليه".
واضافت المعلمة تعليقا على ذلك "هذا صحيح، لكن التلاميذ اكثر استيعابا للانشطة السياسة من اية انشطة ترفيهية اخرى".
واتفقت مدير عام الانشطة الطلابية في وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية الهام محيسن مع رأي المعلمة.
وقالت محيسن "الاطفال يشاهدون السياسة كل يوم، من قتل وتدمير وحصار وجدار التفافي، بالتالي من الطبيعي ان ينعكس كل هذا على سرعة استيعابهم".
واشارت محيسن الى ان ابنتها نهضت عن المائدة لدى عرض مشاهد مقتل اربعة اطفال في قطاع غزة عبر التلفزيون، ولم تعد قادرة على تناول الطعام.
وقالت" الانشطة التي تنظم في المدارس تساعد المناهج الاكاديمية وتعمل على دعمها، لان الطالب بحاجة الى مثل هذه الانشطة للتعبير عما يدور في داخله".
وشنت اسرائيل اكثر من حملة اعلامية ضد المناهج الفلسطينية التي قالت انه يتم حشوها بمضامين تحريضية.
لكن محيسن ردت على ذلك بقولها "حتى ولو خلت كافة الانشطة التعليمية الفلسطينية من اي مؤشر سياسي، الا ان الحياة التي يعيشها الاطفال الفلسطينيون تحت الاحتلال وبشكل يومي، هي اكبر محرض اصلا".
واضافت "حاولنا مرارا البحث في نفسية التلاميذ من خلال تعبيراتهم بواسطة الرسومات، فوجدنا ان رسوماتهم كلها مليئة بالطائرات والرشاشات والدم والقتل".
وقالت "لذلك، فالاطفال لا يحتاجون لمنهج تحريضي لان الاحتلال اكبر محرض".
من جهته، قال المتخصص في علم الاجتماع السياسي اياد البرغوثي ان الفلسطينيين بصغيرهم وكبيرهم يعيشون وضعا سياسيا كل لحظة، وبالتالي فشيء طبيعي ان ينعكس تاثرهم بهذا الوضع على سلوكهم اليومي".
واضاف البرغوثي "صحيح ان المربي قادر على تشكيل الطفل كما يريد، لكن احداث حياته اليومية، حينما يجد ان ابن جاره معتقل لدى اسرائيل ويشاهد مشاهد القتل اليومي، تجعله اكثر تقبلا للانشطة السياسية من الانشطة العادية".
ويتعمق التاثر السياسي في حياة الطلبة الفلسطينيين عند الوصول الى الجامعات، حيث يتم التعبير عنه من خلال كتل طلابية يتم الانخراط فيها بناء على التوجه السياسي.
وفي حين ان الهدف الاساسي من وراء الكتل الطلابية في الجامعات الفلسطينية تحسين وضع الطلبة الحياتي اليومي، الا ان الجدل بين الكتل يكون على الاغلب سياسيا، كما يوضح البرغوثي.
وقال البرغوثي" الكتلة الطلابية التي تتحدث عن الهم الحياتي اليومي لا تجد طريقها الى النجاح، بعكس الكتل التي تأخذ السياسة اساسا في طروحاتها الانتخابية".
واضاف البرغوثي "صحيح ان الهم الوطني هو الغالب، لكن بتقديري هناك خلل في ان الفصائل والاحزاب الفلسطينية تعمل على تسييس اعضائها من الطلاب اكثر من اللازم".
وقال "المنطق يقول انه على الاقل يجب التوازن ما بين السياسة والمعيشة اليومية في حياة الطالب".