فرسان الظهيرة يكتبون قصصهم برائحة البارود

بقلم: فرج مجاهد عبدالوهاب
هندسة وجدانية

"تتعدد مفاهيم أدب الحرب وتتسع كلما أمعن المرء في ذاك المقاتل الذي يسعى إلى الموت والهروب منه في آن واحد. أنه أدب التعبير عن شقي معادلة غامضة ومعضلة أيضاً .. فن التعبير عن ذاك الإنسان المدجج بالسلاح / المهدد به كي يقاتل .. يقتل أو يقتل سواء بسواء، ربما مدفوعا/ً مقتنعا ً راضيا .. فهو ضمن آلة جماعية وسطوة ومقولة الجماعة نفسها."
بهذه الكلمات يفتح الناقد السيد نجم حديثاً عن البطل والبطولة في القص بأدب الحرب، وهو يرى أن عمْر الحرب يكاد أن يناهز عمر الإنسان علي الأرض منذ معركة قابيل وهابيل وحتى اليوم. فقد تعامل الإنسان مع فكرة الحرب، وصنع تاريخه الحربي الذي عبر عنه من خلال أشكال عديدة، ومن هذه الأشكال القصة القصيرة .
فقد كتبت العديد من القصص القصيرة التي تصور الحرب، أو آثار الحرب، في الداخل أو الخارج. وسوف نتوقف عند مجموعة من هذه المجموعات القصصية التي تنتمي إلى أدب الحرب للأديب الحماقي المنشاوي الذي وضع لها عنوانا دالا موحيا هو "فرسان الظهيرة".
والحماقي المنشاوي أديب من جيل الستينات، هذا الجيل الذي ترك بصماته واضحة على الفن الأدبي في مصر، فقد بدأ كتابة القصة القصيرة منذ عام 1962 ولم يكتب غيرها من فنون الإبداع الأخرى مثل الرواية والمسرحية والشعر، كما مارس كتابة المقال منذ عام 1965 فقد شهدت حياته العديد من المحطات الصحفية التي توقف عندها.
توقف النقد عند أعمالة القصصية، ولكن ليس بالقدر الكافي، فما زال إنتاجه يحتاج إلى مزيد من الدراسات النقدية التي تتناول أسلوبه في كتابة القصة ومدى فنيتها ومنابع القصة القصيرة عنده .
كتب عنه الأدباء والنقاد محمد جبريل، وعلاء الدين وحيد، و د. محمد جاد البنا، و د. علي أبو زيد، وأحمد عبده، ونشوى أحمد .. وآخرون .
ومن الطريف أن كاتبنا الذي قدم لنا هذه المجموعة القصصية الهامة عن أدب الحرب وتناول حياة الجنود في الجبهة وفي الحياة المدنية لم يشارك في حرب أكتوبر، ولا في أي حرب أخرى خاضتها مصر. فهو من مواليد 1944 وتم تجنيده بسلاح المدرعات في ديسمبر/كانون الأول 1967 وحتى أول يوليو/تموز 1973 أي قبيل الحرب المجيدة بثلاثة شهور، غير أنه قد تم استدعاؤه في 29 سبتمبر/أيلول 1973 وتسريحه في 4 أكتوبر/تشرين الأول 1973 ضمن خطة الخداع الاستراتيجي للدفعة 69 هـ، وعند قيام الحرب في 6 أكتوبر/تشرين الأول كان أديبنا جالسا على مكتبه الوظيفي في الحياة المدينة .. إذاً كيف كتب هذه القصص ببراعة؟
إنها حرب استنزاف. تلك الحرب التي تعد بحق المدرسة التي تخرج منها المقاتل المصري، المدرسة التي صنعته وأهلته للقيام بدوره بنجاح في أكتوبر/تشرين الأول 1973، لقد عاشها أديبنا وخاض معاركها على شاطىء القناة ببسالة مشهودة فكتب هذه القصص التي تجلت موهبته القصصية فيها لتضعه في مصاف كبار كتاب أدب الحرب في مصر والوطن العربي، فهو يقف جنبا إلى جنب مع فؤاد حجازي، وجمال الغيطاني، ويوسف العقيد، ومحمود الورداني، ومحمد سالم، ومحمد الراوي، وحنا مينا .. وغيرهم.
غير أن لكل كاتب بصمته التي تميزه عن غيره من الكتاب، سواء عرف ذلك أو لم يعرف، أم لم يقصد.
والحماقي المنشاوي يدلف إلى دواخل الشخصيات ببراعة ليقدم تأثير الحدث عليها، وعنده قدرة كبيرة على تقديم الأحداث الكبيرة بتأمل وتحليل واستبطان للمعاني المتوازية خلف الحدث وتقديم الحقائق الخفية في الحدث أو المواقف أو الشخصيات، وهذا ما يميز كتابات الأدباء الذين يملكون رؤية فلسفية .
وربما كانت القصص التي يقدمها لنا مستمرة من حياة الحرب – بتجلياتها المختلفة – ولكن القيمة الحقيقية تكمن في جوهرها الإنساني وأسلوبها الهادئ العميق .
تواريخ نشر القصص تشير إلى أنها كتبت أو نشرت بين فبراير/شباط 1973 حيث قصة "الصياد" التي نشرت بمجلة المنصورة، في ذاك التاريخ، وسبتمبر/أيلول 1977 حيث نشرت قصة "تراب ... وهندسة وجدانية" بمجلة الكاتب، وبين هذين التاريخين نشرت باقي القصص في صحف ومجلات مختلفة مثل جريدة الجمهورية والعمال والثقافة الأسبوعية ومصر والهلال وبعض هذه القصص تأخر نشرها مثل قصة "لحظات فوق الظلام" التي كتبت وقت تنحي عبدالناصر في 1967 غير أنها نشرت بمجلة المنصورة في عام 1976.
تجمع المجموعة بين الحب الذاتي وحب الوطن والذوبان في رمله ففي القصة الأولى "فرسان الظهيرة" التي عنون الكتاب باسمها نعيش مع البطل / الراوي ورفاقه الثلاثة: شكري الطناحي، وفؤاد مطر، ومسعود، لحظة العبور العظيم وكيف عبر شبابنا القناة وكله حماس وتحفز.
والقصة تصور الحدث منذ لحظة ما قبل العبور إلى لحظة ما بعد العبور، فهي تركز على الحدث وتصوره بفنية فتجعلك تعايشه وتعايش الأبطال الأربعة لحظة بلحظة في جمل معبرة ذات دلالة إنسانية.
تبدأ القصة "رفعت رأسي من الحفرة .. جال بصري على الموقع كله بلفتات حادة" هكذا يضعنا الكاتب في قلب الحدث. تسمع صوت الأنفاس. نعيش الترقب والتوتر مع لحظات رفع العلم المصري بساعد الجندي المصري المغطى بالدماء، "وساعدي الذي يحمل العلم رغم الطلقة المذعورة التي أصابته .." ثم يقول في نفس الصفحة "بساعد عمره سبعة آلاف سنة تغطيه الدماء رفعت العلم."
في "وردية الحاج بيومي" يرفض الحاج بيومي ملاحظ العمال الاعتراف بفقدان ابنه في حرب الاستنزاف وتتوارى أحلامه ويرقب الدنيا من بعيد، ولكن نفسه تعود إليه مع فرحته بالنصر، لقد عاد إليه ولده محروس في صورة النصر إنه الجندي المصري المحروس، خير أجناد الأرض .
في قصة "لحظات فوق الظلام" وبعد القراءة الأولى لها نجد أنها تصور بشكل سردي فكري لا يعتمد على الحدوتة التقليدية الكلاسيكية الوضع المصري في فترة من الفترات، وفي لحظة فارقة هي لحظة تنحي الرئيس عبدالناصر عندما كادت الهزيمة أن تغرقنا في لججها وذلك عبر إشارات سريعة ذات مضامين محددة تؤكد على عراقة حضارتنا منذ قرون سحيقة "هزم أعداء المسيح رغم حملهم الصليب."، "عرابي نزع شارب الأسد المهيب."، "المثلثان المتداخلان يقززان النفس.".
ونقرأ أيضاً "لماذا وعدتنا بالسير نحو المرفأ بسلام؟ كنت أعتقد أن مصلحة الأرصاد دقيقة." هل كان يقصد بذلك المخابرات أم الجيش الذي ضلله؟ وتصيح الجماهير في القبطان "فلتعد من أجلنا جميعاً."
وتدور قصة "كلمات لا تنطق" من خلال تيار الوعي ومنولوج داخلي لشاب محبط أفكاره مبعثرة من الجنود الذين يتولون حماية أسوار المدينة ويتطلع إلى الحرب لأنها في صالح الحق ولكن الأب يتمتم بكلمات لا تنطق .
وها هو الجندي العائد في "الزمن وابتسامة الصبار" إلي حضن أمه و نلاحظ المقابلة بين ذلك وبين ضوء القمر الراقد على صدر أمه الأرض (ص 25) فالأم هي في الحالتين مصر والبطل صبري هو الجندي المصري الذي صبر 6 سنوات لتحقيق النصر حتى يبتسم له الصبار على باب الشقة .
في قصة "جالوت والسبت الحزين" يقدم القاص تناصاً معكوساً للقصة المعروفة من خلال تصوير العبور على مدى التاريخ مع الاستعانة والتوظيف للموروث الديني والتاريخي، فهي قصة تشبه قصة "لحظات فوق الظلام" لا تعتمد على السرد االتتابعي للأحداث ولكنها تشكل حالة تعبر بالإشارات الدالة عن العبور تاريخيا فنقرا أسماء (هولاكو ـ دجلة ـ اليرموك ـ شمشون ـ القعقاع ـ أحمس ـ قطز ـ يوسف عليه السلام ـ حصان طروادة ـ عرابي ـ موسى عليه السلام ـ الكرنك ـ إسرافيل..) وغيرها.
كما يظهر التأثر القرآني (ص 35) "أمسكت المزمار أترنم، سبحت معي الطير والجبال البعيدة."
والتأثر بالبيان النبوي (ص 36) "أتركت إناء العسل مكشوفاً، لو وجدتها هناك لن أغمس جناحها الآخر في العسل."
وإذا توقفنا عند قصة "إيقاع اليوم السادس" التي يرويها جندي إسرائيلي على الجبهة تنتهي نوبته أو خدمته في الصباح وينتظر فترة الخدمة الثانية في الواحدة ظهرا وهو لم يتم سنوات ثلاث على أرض سيناء، يقول (ص 44) عندما يتم أسره من قبل الجنود المصريين "عجيب هذا الجندي الذي يقتادنا !.. لسانه يمسح شفتيه .. يستحلب ذرات الرمال العالقة .. لماذا لم يشعر بمرارتها؟" وكان يقول (ص43) "طعم الرمال مر" وهو صادق في ذلك لأن الأرض ليست أرضه وإنما هو نبت غريب عليها هو وزملاؤه ديفيد ويعقوب الذي أبتل سرواله عند سماعة لقذائف المدفعية، وليفي المتثائب دائما .
ومع قصة "الصياد" وهي قصة مستوحاة من قصة حقيقية لبطل عرف باسم "قناص القنطرة" وبطلها (سليمان فتح الباب على) كان زميله فرج يناديه "سيلي – مان فتح الباب علىّ." وهو يعيش على الجبهة مع بندقيته أو قناصته ذات التلسكوب التي يصطاد بها جنود العدو الإسرائيلي. ويعيش على الجبهة حتى وهو مع حبيبته "سلوى"، فجلوسه معها على شاطىء النهر يذكره بمياه القناة والحلم بالعبور حتى لو أصيب أو استشهد .
وهذه القصة تلتقي وتتشابه مع قصة "إيقاع اليوم السادس" التي سبقتها في عدة نقاط فالراوي هنا جندي مصري وهناك جندي يهودي والبطل هو الراوي في الحالتين. في "إيقاع اليوم السادس" نجد الجندي الإسرائيلي يتبول على نفسه من هول الحرب وبسالة الجندي المصري وبطولته غير المتوقعة. لكن في قصه "الصياد" أراد الجندي الإسرائيلي أن يتبول فخرج من دبابته ليتبول على الرمال فلم يمهله الصياد قبل أن يدنس الرمال، ويقول (ص 48) "الرمال سكري بالمجندل .. كثيرون مثلك سخرت منهم الرمال وكثيرون آخرون ليسو مثلك بكت عليهم الرمال .. الرمال هي الرمال بيد أنها تبكي على أناس وتضحك من آخرين."
وتأتي قصة "فوهات الأصابع" التي يهديها الكاتب إلى أطفال الانتفاضة وتأمل معي العنوان ودلالته الواضحة، حيث أنامل الأطفال كأنها فوهات بنادق تقذف بالحجارة، كأنها تقذف بطلقات الرصاص وهذه الانتفاضة هي ولا شك بنت حرب أكتوبر المجيدة التي لولاها لما قامت الانتفاضة. والقصة تتأثر بالمورث القرآني أيضاً حيث تقول (ص52) "واصل الوثوب .. وأقفز على ربوة في قدسنا .. علها تعصمك من الطوفان الشر المحدق بنا .. ما أجمل معصميك, ما أجملها .. آه .. حذار أن يتهشما كما فعلو بأترابك حتى لا يقضوا مضاجعهم بحجارة سجيل."
وتنتهي القصة "سأصرخ فيهم" قائلة: وامعتصماه! وامعتصماه! .." في إشارة إلى القصة التاريخية للمرأة التي صرخت وامعتصماه! وامعتصماه ..! و استجاب لها الخليفة المعتصم، وجاء وفتح بلدة عمورية .
وتربط مقاطع / أو مربعات قصص "تراب.. وهندسية وجدانية" بعضها ببعض، وإن بدت غير ذلك، فالبطل هو شاب تم تسريحه من الجيش و يعيش قصة / أو قصص حب مختلفة بين بورسعيد والمنصورة، والرابط الأساسي فيها هو التمسك بالأرض وبالوطن الصغير وهو المدينة، على الرغم مما حدث لها.
ففي زيارة لبورسعيد لأسرة المحبوبة يقول البطل "شجعتني بنظرتها الواثقة على التخلص من الغصة التي فاجأتني لرؤية المنزل المقابل لم يبق من طابقه الثالث سوى جدار غرفة ما زالت نصف صورة مقلوبة معلقة على مسمار صدىء بخيط مترب تسند تآكله خيوط العنكبوت!" (ص 46).
وترصد قصة "بقشيش برعي" نهاية الطبقة الطفيلية الممثلة في برعي الذي لا يتورع عند وضع يده في جيبك ويأتي ذلك من خلال انتظار حازم ابن الرجل العصامي لزميله حسين نوفل رفيق السلاح حيث كانت مهمتهم هي زرع الألغام للعدو، وأثناء الانتظار تأتي عربة نقل لتقتل برعي وهو يعبر الطريق .
وتأتي قصة "الأحجار والأغنيات" أخيراً لتؤكد على عدم مشروعية الزواج من العدو "هذا واقعك. أسرتك وبقية العائلات موافقون .. قدرك وما الحيلة في دفعه؟
ـ واقعي ليس هو الكائن الآن.
ويصفو وجه النهر وتهمس في أذنه :
ـ مهما ألقى في النهر من أحجار فالصفاء حقيقته."
لتنتهي القصة الواقعية بنهاية رمزية دالة.
ومما لاشك فيه أن هذه المجموعة تحتاج إلى أكثر من قراءة، فقد كتبت بلغة ذات إيقاع فلسفي تجمع بين الشاعرية والواقعية حيناً والغموض الموحى حيناً آخر. فرج مجاهد عبدالوهاب ـ شربين (مصر)