ما لم يقله مؤرّخو روما في قرطاج

كتب ـ حسان الباهي
مؤلفان في "أصوات قرطاج"

من العناوين اللاّفتة والصّادرة عن دار" تبر الزّمان" والّتي ضمّها معرض تونس الدولي للكتاب في دورته الـسّادسة والعشرين عنوان جديد هو "أصوات قرطاج"، مسرحيّة شعريّة التقى في تأليفها الرّوائيّ عبدالواحد براهم والشّاعر يوسف رزوقة، جاءت في إخراج فنّي، باذخ، في 144 صفحة.
قدّم الكتاب الدّكتور محمّد حسين فنطر، وهو مختصّ في دراسة الحضارات الفينيقية وحضارات ما قبل الميلاد في شمال إفريقيا وهو إلى ذلك، رئيس كرسيّ بن علي لحوار الحضارات والأديان وصاحب المؤلفات عدة في مجال اختصاصه. وممّا جاء في تقديمه قوله "هذه ملحمة شعريّة من سبك أديب وشاعر رأيت فيها أثرا لأثر فطربت وغمرتني سعادة من يؤمن أنّ التّراث يثري الخيال ويخصب المبدعين وكم يسعدنا التّاريخ إذا زفّ إلى خيال خصيب يمجّد دون كبرياء بل يجعل من الحبّ والوصل والتّضامن قيما تغذي النّاس."
ويضيف "ثمّ لا ننسى ما تسعى إليه 'أصوات قرطاج' من اندساس في سمك العالم الّذي نعيش فهي تنويه بالحرّيّة وتنديد بالخنوع وبمن لا يؤمن بالذّات."
من جهته، أوضح عبدالواحد براهم في تصديره الغاية من هذا التّأليف المسرحيّ بقوله "ظلّت قرطاج ردحا من الدّهر رافعة لواء الدّولة الأعرق والأعظم في البحر المتوسّط فتصدّت بحكم مركزها هذا، وبدافع من مبادئها، لنوايا روما التّوسّعيّة وحاربتها قرونا.(...) لقد هزمت قرطاج فأحرقت ومسحت أرضها مسحا. ظلمت من مؤرّخي روما المأجورين أو المتملّقين. ذاقت بعد سقطتها الغبن ونسيتها السّعادة زمنا. لكنّ اسمها لم يندثر وظلّت أصوات رجالها ونسائها عالية، محفورة في ذاكرة التّاريخ.
في هذه المسرحيّة، إبراز لملامح مختصرة من ذلك الصّراع النّاتج عن تعارض طموحين: طموح قرطاج الرّامي إلى تأمين أسطولها البحريّ وحرّيّة تنقّله وإلى الحفاظ على ازدهار اقتصادها وحسن تعاملها مع الأجوار وطموح روما الّذي تجاوز مرتبة الصّلف والاستعلاء وطلب الغنم إلى مرتبة التّوسّع القاهر الضّاغط المستعدّ لسحق أيّ دولة تعارض مخطّطه الإمبرياليّ وتعطي الرّواية في نفس الوقت صورة للخنوع السّائد بين ملوك ذلك العهد وكيف أخضعتهم سياسة روما التّأديبيّة وجعلتهم مستعدّين دوما للتّنازل عن كلّ شيء، ما عدا التّاج والصّولجان حتّى ولو كانا من ورق."
انطوت هذه المسرحيّة على تسع لوحات متواشجة هي كالتّالي:
اللّوحة الأولى: جاءت تحت عنوان "الأطلال" وفيها صوتان هما للشيخ محرز بن خلف والمؤرخ.
اللّوحة الثّانية: تمحورت حول "علّيسة" التي غادرت صور فرارا من بطش شقيقها بيغماليون وعلى جلد ثور بنت قرطاج الملاذ.
اللّوحة الثّالثة: تدور حول إنيوس في مواجهة مع علّيسة التي أكرمته وأسبغت عليه من عطائها، وقد رأت فيه ضالّتها أخيرا. لكن إنيوس كان جحودا إزاءها إذ ارتأى الرّحيل نزولا عند نداء الآلهة ليدمر برحيله ذاك امرأة اسمها عليسة.
اللوحة الرابعة: بعنوان "ريقولوس" وتلويح روما بشن الحرب على قرطاج.
اللوحة الخامسة: تحمل عنوان "عبدملقرت" الذي علّم حنبعل فن القتال والذي بفضله استوى حنبعل قائدا عظيما.
اللوحة السادسة: حول شيبيون في مواجهة حنبعل، انتصار وانكسار.
اللوحة السابعة: حول صفونيبة ابنة عزربعل وأثرها في المشهد القائم بين الطرفين.
اللوحة الثامنة: تتمحور حول حنبعل في منفاه.
اللوحة التاسعة: جاءت مفتوحة على الأفق تحت عنوان "لا بدّ من أمل" وفيها تشخيص لمسيرة قائد زلّت به حكمته.
وتنتهي المسرحية بتداخل أصوات تدين نمطا جائرا لهيمنة هي زائلة لا محالة وإن طالت: انظري أيتها الآلهة
لا ضمير لهم هؤلاء الملوك
عبيد وإن توجوهم
وهم خدم طيعون لروما
أذلاّء أنفسهم قبل أن يفرض الذل فرضا عليهم
تموت المدائن لكنّ نبع المبادئ لا، لن يموت.
ويذكر أنّ عبدالواحد براهم، واضع النّصّ الأصل لهذه المسرحيّة هو كاتب روائيّ، عمل سنوات في مهنة التّعليم، في وزارة الثّقافة ثمّ بالألكسو، أرسى قواعد عدّة مؤسّسات للنّشر كما ترأس اتّحاد النّاشرين لثلاث سنوات وترأس شركة تصدير الكتاب التّونسي لمدّة ست سنوات. نشر على مدى 40 سنة عددا لا يحصى من البحوث والقصص والرّوايات.
من مؤلفاته: في بلاد كسرى، ظلال على الأرض، مربّعات بلاستيك، حب الزّمن المجنون، بنزرت تاريخ وذاكرة، بحر هادئ سماء زرقاء، تغريبة أحمد الحجري. وحاز على العديد من الجوائز الأدبيّة منها الجائزة الأولى لمسابقة مدينة "المدينة" للرّواية لسنة 2002 عن رواية " قبة آخر الزمان".
أمّا الطّرف الثّاني، مسوّغ هذا التّأليف المسرحيّ شعريّا فهو الشّاعر يوسف رزوقة، باحث في الشّعريّات وأمين عام شعراء العالم بأميركا اللاّتينيّة وصاحب العديد من المؤلّفات الشعريّة نذكر منها:
أمتاز عليك بأحزاني، برنامج الوردة، إسطرلاب يوسف المسافر، الذئب في العبارة، بلاد ما بين اليدين، أزهار ثاني أوكسيد التاريخ، إعلان حالة الطوارئ، الأعمال الشعرية (الجزء الأول)، يوغانا: كتاب اليوغا الشعرية، الفراشة والديناميت، أرض الصفر والأعمال الشعرية في جزئها الثاني إلى جانب مؤلفات أخرى بالفرنسية والإسبانيّة والبرتغاليّة.