قرص الجوع مصر، فهل تقدر الان الم قرصة الجوع في غزة؟

بقلم: زياد العيساوي

بعد أن عمَّر سيدنا إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما، وعلى نبينا الكريم الصلاة والسَّلام، الكعبةَ المشرَّفةَ، ناجى الخليل الجَّليلَ: "هل هناك عمل أعظم وأجل من بناء هذا البيت؟" فأجابه الله تعالى: "نعم، فإغاثة الملهوف وإطعام الجائع، أعلى وأرفع قدراً عندي من تشييدك لهذا البيت." ورحم الله أبا ذر الغفاري، ورضي عنه وأرضاه، لما قال: "عجبت لمن لا يجد قوتَ يومه في بيته، كيف لا يخرج إلى النَّاس شاهراً سيفـَه."
إنّ هذا الجوعَ، الذي يتضور منه بعض العرب في أقطاره، نتيجة للغلاء الفاحش في أسعار السّلع الاستهلاكية الأولية، من غذاء ودواء، قد عرفه الشَّعب الفلسطيني في قطاع غزة العزَّة والإباء، جراء الحصار المضروب على القطاع من قبل عتاة الكيان الصهيوني، لثني عزيمة هذا الشَّعب الباسل، وإلهائه عن المطالبة بحقوقه الشّرعية، التي تبيحها له الأعراف كلّها، قبل حتى أنْ تكفلـَها له المنظـَّمات الدوليَّة، التي لا يستأذنها أصلاً، إعطاءَه هذه الحقوقَ، المتمثـّلة في حقّ العودة للاجئين من الشَّتات، وإجلاء المستوطنات المقامة ظلماً وعدواناً على أرضه المحتـَلة، وإعلان مدينة القدس العاصمة الموحدة للدولة الفلسطينية المرتقـَبة، حيث يمثـَّل هذا القطاع، شوكةً في خاصرة الاحتلال، والخندقَ المتقدّم للمقاومة الشَّرعيّة والمشروعة لمشروع الشَّرق أوسطي الجَّديد، وفق إرادة الإدارة الأمريكية (المتصهينة) أكثر من الصهاينة أنفسهم، وبمباركة من عصابات الهمج الصَّهاينة، أملاً ورغبةً منهم جميعاً، في تأليب الشَّعب الفلسطيني المحاصَر داخل هذا القفص الحديديّ الكبير، وانقلابـه على من يمثل إرادتـَه الحرة من ساسة حركة حماس لتظهرَ حيال المراقبين، كأنها هي من تـحاصره.
لكنّ هذا الشَّعبَ المحاصَرَ والصَّابرَ، اختار الالتفافَ حول قيادته، قناعة ونكاية بالعدو، ولم يزد ذلك، إلا في إيمانه بحقوقه وصموده، لأنّه استخلص ورأى في قيادته البطلة، أنها أول من تضرَّر ويتضرر من جراء هذا الطوق المفروض على القطاع، عندما تماهى الصهاينة في غيّهـم، بخصوص تشديد الخناق على قيادته السّياسيّة والعسكرية معاً، وقبل حتى، أنْ تـمعنَ في كتم نفس هذا الشَّعب المجاهد، والمؤمن بقضيته العادلة في التـَّحرير والخـَلاص، والواقف وقفة عزّ في الرباط الأماميّ للدفاع والذود عن العرب والمسلمين عامةً، لم يجد أمامه في هذه الذَّائقة من سبيل، غير أنْ يستنجدَ بشقيقه الشَّعب المصريّ الجار الجّنب له، لكون مصر، كما تعلمون، تـمثـّل الجَّانبَ العربيَّ الوحيدَ المحيط بهذا القطاع المنكوب، أي بمعنى، أنّ مصر تـشكّل العمقَ والارتدادَ الإستراتيجي للشعب الفلسطيني منذ الأزل، وبعد مواجهات موجات المندفعين من هذا الشَّعب الجَّائع باتـّجاه الحدود المصريّة، واصطدامها مع قوات الأمن المصرية، اخترقت جموع الفلسطينيين هذا الحَاجزَ المنيعَ، الذي لم يستطع مواجهة التيار المندفع نحوه، إثر قرار رئاسيّ مصريّ، بالسماح للفلسطينيين بالعبور، ففرح هؤلاء، وهلل واستبشر من خلفهم العرب، بهذا الانفراج النسبيّ، الذي كـنا نعلم علمَ اليقين، بأنّه سيكون مؤقتاً ومحدوداً، لأنّه كان يخدم النظامَ بالدرجة الأولى، ويحفظ ماءَ وجهـه، إزاء شعبـه قبل الفلسطينيين أنفسهم، والعرب كلهم.

و في حادثة عبور فلسطيني قطاع غزّة للحدود المصرية، ثمة عديد الاستقراءات، التي حدثت وما ترتب عليها من أمور جسيمة بالسَّلب لا الإيجاب، أودّ أنْ أجملـَها لكم في هذه الفـسحة، من مقالي هذا، بعد ما رأيته وقرأته من أشياء، ينده لها جبين الْعروبة، لكوننا لم نألفها قبلاً، قد حدثت في قصة ذلك العبور الجسور لخط "بارليف" المصري المَنيع، وما جعلني أصفـه بهذا الاسم المعروف في حرب رمضان 1973 م، هو أننا قد فرحنا لبضعة أيام، وزهونا بطعم النَّصر، الذي حقـَّقه المنتفضون الفلسطينيون الجوعى، على أسطورة هذه الحدود الوهميَّة والمصطنَعة، لكن ما لبث أنْ تبخر سيل فرحتنا العارمة، وسرعان ما انقلب ذلك الإحساس بالزهو إلى حالة من الخـذلان، شعر بها كـلّ العرب، فقد صدمنا بعودة الفلسطينيين مدحورين ومندحرين، وهم يجرون وراءهم أذيالَ الْخيبة، على الصَّعيد النفسانيّ، قبل أيّ صعيد آخر، فنشوتـهم تلك، كانت مثلما نشوة النَّصر، التي أحسَّسنا بها، حينما اجتاز الجّنود الْمصريون الأشاوس خط "بارليف" الاسرائيلي في سيناء لأيام معدودات، ليس إلا، ثم انقلب ذلك الإحساس إلى الشعور بالمهانة والانكسار، لما انقلبت مجريات الْحرب لغير صالحهم في نهايتها، ونحن هنا لا نريد، أنْ نقلّلَ من شأن ذلك الانتصار في حرب رمضان الْمجيدة، ففي ذلك إساءة لأرواح الشهداء الأبرار.
فكلّنا نعي جيداً، بأنّ الْفلسطينيين، أعيدوا إلى ديارهم قسراً، حاملين معهم بعضَ الْمستلزمات، التي اقتنوها بحرّ أموالهم، لتكفيّهم شظفَ العيش لأيام قصيرة الأجل بالطبع، وها هي قد نفدت مدخراتـهم من جديد، فبعد ذلك العبور وعودتهم إلى وطنهم، الذي تحوّل إلى سجن، أعيد بناء ذلك الحَاجز مجدَّداً، وعلى نحو أكثر منعة وصلابة، وهنا يجب أنْ أشيرَ إلى بعض الأمور، التي غيَّرت نوعاً ما، من موازين فهمي للأشياء المعتادة والمعهودة تاريخياً، فالتاريخ يخبرنا، بأنّ العربَ، إبان اندلاع حروب التـَّحرير الشـَّعبية ضد المغتصب الأجنبيّ، كانوا على الدَّوام، قلباً واحداً، في وجه أيّ مستعمر دخيل، فما أنْ يشتعلَ فتيل أيَّة حرب من هذا القبيل، حتى يكونوا الزَّيتَ، الذي يزيد من جذوته بالمال والبنين والعتاد، عبر اختراق الحدود، من غير شروط ولا مقابل ولا حدود، إذ كانوا عبر مؤسساتهم الأهليَّة والشَّعبيَّة بصفة عامة، التي تتشكَّل فورَ اندلاع أيَّة انتفاضة شعبيَّة عارمة، تـنادي بتحرير الأوطان، يتهافتون نحو إخوانهم ويتضامنون معهم، بكـلّ جوارحهم وعواطفهم، ويبذلون الْغالي والرَّخيصَ، لأجل نـصرتهم وتخليصهم من ذلّ ونير الْمستعمر الْبغيض، لأنّ ذلك واجب دينيّ أساساً، سيحاسبهم الله عليه، حال قعودهم وتقاعسهم عن أدائه، كما حصل في حرب تحرير الجزائر مثلاً، لا تعداداً.
لكنْ في الْحالة الْفلسطينيَّة الأخيرة، التي نحن بصدد الْحديث عنها، في هذه الأثناء، والتي جرت وقتما تجاوز الْفلسطينيون، الْفاصلَ غير الطـَّبيعي، بينهم وبين أشقائهم في مصر وبعد أنْ كانوا يتوسمون ويتوقعون الدَّعمَ غير المسقوف، وعلى الأصعدة الإنسانيَّة كافة، حدث ما لا يحتسبون، وما لا يخطر على البال، فبـمجرد أنْ دكت الْحدود، قام التـّجار هناك، برفع أسعار الْمواد الْغذائية والاستهلاكية، أضعافاً مضاعفـَة، في وجوههم، لكأنّ الْقادمَ الفلسطينيَّ، الذي يتضور جوعاً وعطشاً وألماً، وكان طامعاً في نصرة أخيه، لاسيما أنه ما من جهة أخرى، يقدر على اللجوء إليها غير مصر كما أسلفنا الذكر، لكأنّه، جاء سائحاً وراغباً في التـَّمتـع بجمال المنتجعات المقامة على شواطئ البحر الأحمر الْخلابة، كما غيره من مصطافين أجانب، تعجّ بهم تلكم الْمصائف، ولانتفاء إحساس هؤلاء التّجار، الذين تاجروا بمحنة الشَّعب الْفلسطيني المخذول، بهذه الضَّائقة، أراه يعود إلى مرجعية وجيهة بعض الشَّيء، فربما لم يذوقوا طعمَ الجّوع، الذي فتّت أكبادَ الشَّعب الْفلسطينيّ، ولم يجربوا الإحساسَ بالوجع، الذي تكبده هذا الشَّعب المقهور، وهو أمر طبيعيٌّ وغير مستغرَّب من جهتي، فحتى في المأثور الشَّعبيّ، ثمة قول معروف، لا يحضرني تواً، لكنّي سأترجمه لكم بالعربية الفـصحى، بما معناه "أنّ الذي يده بالماء، ليس كالذي يده بالنار". فهذا المثل، ربما كان هو المحفزّ للعرب، فيما كان في سابق السنين، للتضامن مع أشقائهم في كـلّ مكان، ممَّن يرزحون تحت وطأة الاستعمار الظـَّالم، فمعظمهم كان قد نال استقلالـَه في وقت ليس ببعيد، عن اندلاع ثورتهم، وما يزال يشعر بطعم الْمهانة، التي تجرَّعها في تلكم الأيام الخوالي، التي عزّ فيها حتى الأكل والشّرب، ولم يتحرَّر بعد، من تأثيرها السَّلبيّ، وإنْ تحرّر في الواقع، من تواجد الاستعمار على أرضه، بعد إجلائه مهزوماً، رغماً عنه.
فليس من السَّخاء في شيء، أنْ تفتحَ بابَ دارك في وجه الملهوف والجَّائع، وتجعلَ أيَّاً منهما، يدفع لك مقابلَ إطعامك له، أي بمعنى، أنْ تقبضَ منه ثمنَ الإفادة والضّيافة، فأنت في هذه الحال، تستغل حاجتـَه إليك، فما ظنّكم إذن، إذا كان المقابـل الذي يدفعه لك، باهظاً ومكلفاً ؟ والإجابة النافية عن هذا التـَّساؤل، هي ما حدث في تلكم الأيام، التي اخترق فيها الجَّائعون الْفلسطينيون حدودَ مصر ومكثوا فيها لبعض الْوقت، وهذا الأمر من الأشياء، التي قلبت موازين الفهم المعتاد لديّ، في مثل هذه الحالات النضالية.
وبخصوص ما يعلـَن ويذاع في هذه الآونة، بأنّ الْوضعَ سينفجر، ويذهب إلى أبعد ممَّا هو متوقع، كما هو معهود في ثورات الجّياع دائماً، خصوصاً ما ينسَب بفبركة، إلى بعض قيادات حركة حماس، بأنّ الانفجارَ سيكون باتجاه الحدود الْمصرية ثانية، وعلى نحو أكثر ضراوة، فأنني أرى بحسب تقديري للوقائع العملية، بأنّ مثلَ هذا الكلام، لا يتعدَّى كونه نوعاً جديداً من الحصار على هذا الشَّعب المغلوب على أمره، كأنّ ما حلّ به من نكبات متنوّعة إلى حدّ الآن، من ظـلم وقهر وإجحاف، هو أمر بسيط ، ولم يكن كافياً، حيث إنّ القرائن تثبت ليّ، أنها ليست إلا حملة دعائية أخرى تشنّ ضد هذا الشَّعب، في شكل حصار إعلاميّ في هذه الْمرة، كي لا يسمعَ صوتـَه الْهادر، لاستنهاض أخوانه الْعرب من غفلتهم، لأجل قضية الْعرب الْمحورية، وأيضاً لتضخيم الأمور وتهويلها، كي يستكينَ ويرعوي على مجرَد محاولة التـَّفكير، بكسر الْحدود مرة ثانية، بقمعه وتخويفه من الْعواقب الْوخيمة، التي قد يتعرض لها، إنْ أقدمَ على فعل ذلك، لكني أحبّ أنْ أطمئن، من يقف على الناحية الأخرى من هذه الْحدود الْمصطنَعة، بأنّ الشَّعبَ الفلسطينيَّ، سوف لن يعودَ إلى ما فعل في المرة الأولى، ليس خوفاً ممَّا يوجه إليه من انتقادات وتهديد، من تكسير للأطراف وغيره من تهديدات، لأنه قد تعرَّض إبان ثورته الأولى في العقد الأسبق، لمثل هذه العذابات وأكثر منها، بأمر من رئيس الوزراء الاسرائيلي إسحاق رابين في حينها لقوات الاحتلال، بتكسير أطراف أطفال الثـّورة الْفلسطينية، التي عرفت بثورة "الحجارة" لكنّ ما سيجعلهم يتورعون في تخطـّي هذه الْخطوط، التي صارت خطوطاً حمراء أمامهم وتحت أقدامهم، هو ما لاقوه من تجاهل لمشكلتهم، وإدارة للظهور من قبل التّجار، قبل قمع قوات الأمن لهم هناك، فقد خيَّبوا أمالهم الْعريضات في النّخوة الْعربيَّة، التي هي من الخصال العربيَّة الْحميدة، حتى في أيام الجَّاهلية الأولى، فكما يقول الرسول عليه أشرف صلاة وأزكى تسليم: "ما بعثت إلا لأتمّم مكارم الأخلاق."
ولن تجدي التهديدات، التي يفرقعها في السماء، بعض من المتقلدين لأرفع المناصب الحسَّاسة في الحكومة المصرية نفعاً، ولن تفتَّ في عضد هذا الشَّعب المناضل، لأنّ هذا الشَّعب على درجة عالية من الوعي، إلى درجة أنه، قد وعى الدرس جيداً واستوعبه، فقد عرف أنّ وراءَ تلك الخطوة، إنْ أقدم عليها، وخلف تلك الحدود، التي حطَّمها في المرة الفائتة، تجاراً، أقتلعت من قلوبهم أصغر ذرة من الرحمة، سيستلمون مهنة توزيع القمع لا القمح عليه، عوضاً عن قوات الأمن، التي أظنّها، هي من أوعزت إليهم، برفع الأسعار، ليكون هذا الارتفاع، كضريبة، بل كمخالفة مستحَقة على هذا الشَّعب، نظير جسارته وتحطيمه لتلكم الحدود، خصوصاً وأنّ نسبة البطالة متفشية بين أبنائه، وهذه هي نظرية المؤامرة، التي أسلم بها، ضد هذا الشعب، منذ اغتصاب أرضه، المتزامنة ذكراها في هذه الأيام، مع ما يشهده قطاع غزة في هذه الأيام من حصار جائر بكل المقاييس الدولية والإنسانية، كما أنهم قد تيقنوا بحقيقة مهمة، وهي أنّ اختراقهم لهذه الحدود، سيكون له الأثر المعنويّ المحبّط والمثبّط لعزائهم الحديدية، التي لا يبتغون لها، أنْ تلين ولا تخور.
وبعد أنْ تغيرت معايير إدراكي للمألوف، لا يسعني إلا أنْ أحترمَ وجهة نظر الحكومة المصرية، فمصر دولة لها سيادة ، فهي بحسب ما تزعم، تريد أنْ تحافظَ على سيادة أراضيها، وقدسية حدودها الجغرافية، لكن هذا لا يمنعها البتـَّة، من أنْ تفتحَ الحدود أمام حركة سير البضائع، حال خوفها من فتح بوابة المعبر للأفراد، لتصونَ بذلك الدماء والأرواح، ولتقطعَ دابرَ الفتنة، ولتحافظَ على علاقتها التاريخية مع الشعب الفلسطيني، حالما توسع عليه في شؤون معيشته، لاسيما أنّ الحالَ قد تبدلت الآن، إثر ما يعانيه العديد من العرب، وخصوصاً الشعب المصري، من ارتفاع هائل في أسعار المواد الاستهلاكية، ونقص حاد في الخبز، الذي هو الغذاء الرئيس لمعظم شعوب العالم، فقد تفشت عدوى الجوع من دون شماتة، التي أرى، بأنه قدر ما لها من مضار، لها فوائد، أولاها إحساس العرب بمصيبة الشعب الفلسطيني الشقيق. زياد العيساوي – بنغازي (ليبيا) Ziad_z_73@yahoo.com