حواس مبعثرة

قصص قصيرة بقلم: زياد صيدم
هواجسه تجعله يرى الهواء منافسا

أرادت بكل الطرق والوسائل أن تحتفظ بتذكار مميز منه، فقد أحست بأرق وقلق وشك .. فامتنعت عن تناول حبوب منع الحمل .. فكان لها ما توهمت .. علم لاحقا في بداية الشهر الرابع حين تغير تكويره بطنها .. فهددها بالاختفاء من حياتها .. ضحكت وبكل ثقة أجابته: تستطيع الذهاب متى شئت، فأنت هنا في داخل أحشائي.
***
أحبها لدرجة التملك، حتى كادت هواجسه أن تجعله يرى الهواء منافسا له؟ فأغلق النوافذ والأبواب بالحجارة. فكان يأتي للبيت من خلال سلم يضعه على الجدار فيتسلقه كاللص إلى الداخل ويخرج بنفس الطريقة. استحكمت الكآبة أهل البيت وقطعوا الأمل منه والرجاء.
عاد يوما متسلقا السلم ليجد كومة من بقايا أجساد محترقة .. فشعر بالذنب أخيرا فحطم السلم ورمى به من فوق الجدار .. واعتكف وطال الانتظار .. وكثر الذباب المتطاير من ذاك المنزل .. فاقترب الجيران بذهول وحذر، ليجدوا هيكلا عظميا وقد استند على الحائط .. وبقايا رماد متناثر من حوله!
***
استمر أهل قريته بالحديث عن ذاك الشاب الذي فقد عقله .. ولا يزال يدور ويجول في الحواري و الطرقات، ويكثر من الجلوس بالقرب من ضفاف النهر! كان يحمل كتابا بيده .. لم يفكر أحد منهم برؤية أو تفحص ذاك الكتاب أو حتى محاولة معرفة قصته. استوقفته عجوز تحمل وسادة رائحتها النتنة تخرج من ثناياها وتحتضنها كرضيع بين ذراعيها المرتجفين. سألته عن سر الكتاب الذي يحمله دوما فأجابها الشاب: يا والدتي هنا أسجل كل قصص الجنون لأهل القرية .. وبقيت صفحة واحدة وأسبوع واحد على ميعاد مناقشة رسالة الدكتوراه في جنون أهل القرى!
***
كان متتبعا لما تنثره على صفحات الكُتاب من عدم دراية ومتابعة كافية لأفكارهم المضطربة والمتغيرة مؤخرا .. لفقدان الحجة بتغير مفاجئ لطرح الزعيم الواهم! فانتابه غيظ منها شديد .. لم يستطع مداراته فسألته: ما قصتك اليوم؟ فاضطره لممارسة هوايته المفضلة؟ قائلا: لم أضع لها عنوانا بعد، فقهقهت، كأنه لم يفهم قصدها مكررة السؤال عليه.