الخوف يُبقي الغزال حيًّا

كتب ـ محمد الأصفر
روائي ينحت عوالمه من صخر المتخيل

عن مؤسسة الانتشار العربي في بيروت، صدرت الرواية الثالثة للروائي الليبي عبدالله الغزال تحت عنوان "الخوف أبقاني حيّا". وتأتي هذه الرواية استكمالا لمشروع الروائي الإبداعي بعد روايتيه الأوليين "التابوت"، و"القوقعة"، ومعلوم أن رواية "التابوت" قد نالت جائزة الشارقة للرواية منذ سنوات.
وهذه الرواية الجديدة تعتبر نقلة نوعية في الكتابة الروائية الليبية والعربية وبها نلاحظ تطورا كبيرا في لغة الروائي ورؤاه للحياة، فهي رواية تحفر في باطن الإنسان لتكتشف الجوهر والنقاء الذي بات مفقودا الآن في الحياة بسبب النزعة المادية المستشرية بين أبناء البشر.
هذه الرواية لحظة تأمل يقف فيها الروائي على جرف صحبة حبيبته. لا أحد منهما يدفع الآخر وإن فاجأتهما الرياح العاتية تماسكا.
في هذه الرواية يرحل الروائي إلى الأعماق من دون أن يضيّع طريق العودة. فهو روائي يمتلك أدواته ويحركها بطريقة إبداعية فتعطيه لوحات وقصائد ورحلات وأغنيات وألعاب طازجة وجديدة، وعندما يمل من لعبته يعود إلى أدراجه. يجلس بين تابوته وقوقعته وخوفه الذي يمده بالحياة، ويفكر هل ينطلق من جديد وكيف ومتى؟ لكن ليس إلى أين. فالروائي الغزال فهم اللعبة ورأى طريق النجاح وشمّه وتذوقه واحتفظ بخريطته في جيب فرملته المصراتية أو تحت قبعته البيضاء ذات الشنوارة الصغيرة.
سيظل عبدالله الغزال الروائي الليبي عاشق العزلة من أجل الكتابة والراحل إلى داخل حروف الكلمات لعصرها واكتشاف ما يمكن أن تمنحه لنا من أسرار وجواهر وماء وذهب وضياع وحب وأمن وخوف.
هذا الروائي يعوّل على الكلمة، والكلمة في عرفه لا تتكون من الأبجدية المحكومة بنحو وصرف، لكن تتكون من شقاء الحياة وسعادتها ومفارقاتها التراجيدية. هو يكتب الحزن لكن من دون أن يبكي، ويكتب الفرح من دون أن يضحك. هو ينتج لنا الحياة في صورتها الأولى لنقفز إليها ونعيد تشكيلها حسب ذائقتنا وحاجتنا لها.
في هذه الرواية لا يعنى الغزال بالخوف من العدو أو السلطة أو المرض، لكن الخوف الذي يعنيه الغزال هو خوف وجودي. خوف من المجهول. وهذا الخوف هو الذي جعله يقفز السدود ويقطع الفيافي ويغطس في بحار النفس الإنسانية ليلتقط شيئا يشبعه ويرضى طموحه ويربت على كتفه يهدئه ويطمئنه ويشجعه على مواصلة الركض، فالتوقف يجلب له الذباب والقناصين لصوص النجاح والذهب والظل.
يقول الناقد الليبي عبدالحكيم المالكي في تقديمه لرواية الخوف أبقاني حيا:
"يدخل عبدالله الغزال بالرواية العربية مُدخلا جديدا يمكن تسميته بسرد الأعماق المشوهة، ومن تلك الأعماق الغائرة وباستخدام كم هائل من الفواعل المختلفة والمتباينة يبدأ في رسم فجاعة المشهد الداخلي الخفي لشخصياته وعوالمهم غير الظاهرة."
وكتب الناقد المغربي د. سعيد يقطين عن هذه الرواية:
"يواصل عبدالله الغزال صوغ عالمه الروائي موفرا له كل إمكاناته وطاقته الإبداعية والجمالية، فبعد القوقعة والتابوت تأتي 'الخوف أبقاني حيّا' لتؤكد مسارا روائيا متميزا لروائي ينحت عوالمه من صخر المتخيل مانحا إياه كل مقومات الواقع، صابغا إياه بلغة روائية لا يمكننا سوي اعتبارها مكونا أساسيا من مكونات اللعبة الروائية وبطلا من أبطالها.
لا تقف هذه اللغة عند حد تقديم العالم السردي وتشكيله من أديم الخيال فقط ولكنها تتحرك إلي جانب الشخصيات وبناء الأحداث فتصبح جزءا أساسيا منها. هذا الاستعمال للغة أضفى علي عالم الرواية حركة خاصة هي حركة الرواية بحثا عن معنى، وبذلك ينخرط عبدالله الغزال في إغناء مسيرته الروائية بصبر وأناة وإصرار، وبحث متجدد عما يحقق للإبداع السردي مكانته وفرادته في الحياة العربية وهي تبحث لها عن أنفاس جديدة."
بينما كتب الناقد د. سمر روحي الفيصل عن "الخوف أبقاني حيا":
"يخوض الروائيّ عبدالله الغزال في هذه الرواية المغامرة اللّغويّة التي أجاد أفانينها في روايته الجميلة "التابوت". والمتلقي الذي يقرأ "الخوف أبقاني حيا" لابدَّ من أن يتذكر الموروث البلاغي العربي الذي وظّفه الروائي الغزال في البناء اللغويّ لروايته السابقة، خصوصاً الاستعارات التمثيليّة التي استخدمها في اختراق المكان الروائي. ولسوف يكون من المناسب أن يتوقّع المتلقي قدراً آخر من التوظيف الفني في أسلوب هذه الرواية الجديدة."
ويضيف المترجم والأديب الأميركي ايثان شورن صاحب كتاب "ليبيا والقصة القصيرة" (تحت الطبع. ستصدره دار نشر بريطانية قريبا):
"عبدالله الغزال كاتب بارع عميق الأثر، ويعتـبر من أفضل كتاب القصة القصيرة والرواية من جيل الليبيين المحدثين، وتتميز أعماله بالأوصاف الغنية للأماكن والظواهر الطبيعية، وتترك قصصه ذلك الإحساس العميق بالحزن أو ذلك الحزن الممتلئ بالتفاؤل الحذر. الحزن على الإنسان الطائش المدمر، وفي نفس الوقت يظهر تلك القدرة في الروح المتضررة لإيجاد البهجة، وفي كل الأحوال يبرع عبدالله الغزال في تصوير الأشياء البسيطة."
أما الفنان التشكيلي محمد لامين صاحب لوحة غلاف الرواية فقد سطر في ورقة جميلة فور انتهائه من قراءة الرواية:
"للنص هنا عروق خفية تضرب في أديم الغياب، ضياع كبير لذوات تستجمع خوفها القارّ لتستهل بطولتها السوداء في أتون الخيبة العظيمة، وبالرغم من أن الخوف هو 'السرية المطلقة' كما يقول بارت إلا أنه لا يطرد الكتابة. وعبدالله الغزال ببائح خوفه هنا لا يروم كسر قفله وإدلاق السريرة، إنه فقط ـ وبنجاح نفتقده ـ يستأمن الخوف، يتعايشه فيسرده حثيثا ليكون هو هو، دم النص ونسغه الذي لا يُرى، بلا يُلاحق في الرعدة المزمنة لحيوات النص الشائهة." محمد الأصفر ـ ليبيا