الأقصر من ثقافة الحجر إلى ثقافة البشر

الأقصر (مصر) ـ من أحمد فضل شبلول
المأثور الشعبي مكون أساسي للهوية الثقافية

اختتمت الخميس 24/4/2008 فعاليات مهرجان طيبة الثقافي الدولي بمدينة الأقصر، وأعلن د. سمير فرج رئيس المجلس الأعلى للمدينة، عن سعادة أهل الأقصر بالأدباء والكتاب والمثقفين المشاركين بالمهرجان الثقافي الذي يقام لأول مرة، وسعادة أدباء المدينة وكتابها بلقاء عدد كبير من كتاب مصر، وبعض الكتاب العرب على أرض مدينتهم.
وصرح فرج بأن هذا المهرجان يأتي بعد استكمال البنية الأساسية للمدينة، وبعد أن سادت ثقافة الحجر في الماضي، لتنطلق ثقافة البشر في مدينة الأقصر ذات البعد السياحي العالمي.
وعقد فرج لقاء خاصا مع ضيوف المهرجان ليطلعهم من خلال عرض بصري (كلشردراما) على أهم التطورات التي حدثت بمدينة الأقصر منذ أن قررت القيادة السياسية تطوير المدينة ووضعها على خريطة السياحة العالمية، باعتبارها تحتضن ثلث آثار العالم، وباعتبار معبد الكرنك أكبر أثر سياحي عالمي من ناحية المساحة.
واطلع الحاضرون على مخطط تحويل الأقصر إلى متحف عالمي مفتوح بربط معبد الأقصر بمعبد الكرنك من خلال طريق الكباش الذي بدأ العمل به من خلال نزع ملكيات بعض المحال والمنازل وتعويض أصحابها أو تسليمهم البديل المناسب، لتبدأ الحفائر ما بين المعبدين ولتظهر إلى الوجود الكثير من الكباش الحجرية التي كانت تزين الطريق أثناء الحكم الفرعوني، فيخرج الفرعون من معبد الأقصر ليتجه إلى معبد الكرنك ليقدم شكره للآلهة على المنح والعطايا وخاصة أيام الانتصار على الأعداء.
وأوضح سمير فرج كيفية التعامل مع أهالي القرنة التي يقع تحت منازلها البدائية في البر الغربي القريب من وادي الملوك ومعبد حتشبسوت، مئات المقابر الأثرية لطبقة النبلاء والأمراء وكبار موظفي الدولة في العصور الفرعونية، وتعويض هؤلاء السكان بمنازل جديدة أكثر رقيا وتحضرا تتوافر فيها الخدمات الأساسية من مياه وكهرباء وأثاث عصري.
وعلى الرغم من مقاومة أهالي القرنة لذلك المشروع في بدايته، كما يوضح رئيس المجلس الأعلى لمدينة الأقصر، إلا أن عددا كبيرا استجاب برغبته ودون ضغط من سلطات المجلس للانتقال إلى بيئة أكثر نظافة وأكثر إنسانية، من التي كانوا يعيشون فيها في القرنة.
وكانت أكثر من 950 أسرة تحيا حياة عشوائية وبدائية في البر الغربي القريب من الدير البحري فوق كنوز أثرية فرعونية لا يشعرون بها، وبعضهم اتخذ من المقابر الأثرية مصانع لرخام الألباستر وعمل التماثيل المقلدة التي تباع للسياح والزائرين. وفي خطة تطوير الأقصر كان لابد من إيجاد البديل الحضاري المناسب لهذه الأسر فتم تعويضهم ببيوت تناسب ظروف معيشتهم التي يحبونها مع توفير المدارس والوحدات الصحية والخدمات الحياتية الأخرى في القرنة الجديدة، ما شجع الكثير من الأهالى على الانتقال إلى الحياة الجديدة، ولم يزل القليل الذي لم ينتقل إلى البقعة الجديدة يفكر في الانتقال للعيش مع بقية أهله وذويه.
كما أشار سمير فرج في عرضه من خلال الصور النابضة بالحياة إلى الكثير من مشاريع تطوير المدينة التي سوف تقفز إلى العالمية من خلال محافظتها على أسرار محليتها خلال السنوات القليلة القادمة، وأن هناك تعاونا على مستوى عال سواء من رئاسة مجلس الوزراء ود. أحمد نطيف الذي يقدم باستمرار الدعم الكافي لهذا التطوير، أو الوزارات الأخرى التي تمد يد العون والمساعدة والخبرة مثل وزارة الثقافة ووزارة السياحة ووزارة الإسكان ووزارة التعاون الدولي وغيرها من الوزارات المعنية، وأن هناك متابعة حثيثة من الرئيس محمد حسني مبارك لمشاريع التطوير بالأقصر، وأنه تدخل أكثر من مرة لعدم عرقلة هذه المشاريع، وضرب مثلا بالمركز الفرنسي الذي كان يقع في حضن معبد الأقصر، وحديث الرئيس مبارك مع الرئيس الفرنسي جاك شيراك في هذا الخصوص وبعدها تقرر نقل المركز الفرنسي إلى موقع آخر لا يحجب رؤية معبد الأقصر.
***
وفي نهاية المهرجان صدرت بعض القرارات باعتبار كل من شارك في الدورة الأولى لمهرجان طيبة الثقافي الدولي عضوا مؤسسا للمهرجان. وأن يتم اختيار هيئة استشارية من بين المؤسسين تمثل مختلف القطاعات الثقافية والجغرافية تشرف على استراتيجية المهرجان وتضع سياسته في دوراته القادمة. وأن تنعقد الدورة الثانية لمهرجان طيبة الثقافي الدولي في الأسبوع الأول من مارس/آذار 2009 بمدينة الأقصر، بمشاركة المجلس الأعلى للمدينة واتحاد كتاب مصر والاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب، ومعهد العالم العربي بباريس، ومن ترى هيئة المهرجان أن ينضم إليها من الجهات العربية والدولية ذات الاختصاص.
كما جاء في القرارات، تشكيل أمانة عامة تضم ممثلين عن الجهات المشاركة في الأقصر، ومصر والبلاد العربية والأجنبية، تتولى الإعداد للدورة القادمة، وتخصص موقعا على شبكة الإنترنت باسم المهرجان تضع عليه فعاليات الدورة الأولى وتتلقى مقترحات وآراء ومشاركات الراغبين في ذلك.
كما صدرت بعض التوصيات في الجلسة الختامية للمهرجان، منها تأييد ترشيح مصر للفنان فاروق حسني لرئاسة منظمة اليونسكو الدولية، ومطالبة الدول العربية الشقيقة مساندة المرشح المصري دعما لوحدة العمل العربي.
وناشد أعضاء المهرجان جامعة الدول العربية الاهتمام بمشروع أرشيف الفولكلور العربي، لتوثيق تراثنا في البلاد العربية بثرائه وخصوبته قبل أن يندثر، ومطالبة وزارة التربية والتعليم في مصر بأن تجعل المأثور الشعبي مقررا أساسيا ضمن مقررات التعليم في البلاد، باعتباره مكونا أساسيا للهوية الثقافية القومية.
وقد حيا المهرجان جهود د. سمير فرج في الحفاظ على التراث الشعبي لمنطقة الأقصر من خلال إقامة المركز الحضاري النوبي، ومركز الحرف البيئية في البر الغربي، والمركز الحضاري للمرأة. مع المطالبة بالإسراع في إنشاء مركز الفنون الشعبية الذي سيتولى جمع وتوثيق تراث هذه المنطقة التي أضاءت العالم.
وبمناسبة تبرع الكاتب الكبير بهاء طاهر لقطعة أرض بالأقصر لإنشاء قصر ثقافة جديد بالمدينة، قدم أعضاء المهرجان تحيتهم للكاتب، وأثنى الحضور على قرار د. سمير فرج بأن تشهد فعاليات الدورة القادمة افتتاح قصر ثقافة بهاء طاهر، مع ضرورة الإسراع في إنشاء قصر الثقافة الجديد بالأقصر التابع للهيئة العامة لقصور الثقافة، وزيادة الدعم المخصص لإنشائه بصورة تليق بالمكانة الحضارية لهذه المنطقة التي تضم ثلث آثار الحضارة المصرية القديمة. أحمد فضل شبلول ـ الأقصر (مصر)