هل ستنتقل المعركة إلى داخل المؤسسات العسكرية في العراق؟

بقلم: طلال بركات

إن أسوأ ما قامت به سلطات الاحتلال هو حل الجيش العراقي والقوى الأمنية مما ادى الى تردي الأوضاع السياسية والأمنية والمعاشية في العراق فضلاً عن إفساد المجتمع وتحطيم البنى التحتية للدولة العراقية.
وخطة احتلال العراق التي تم اعدادها في البنتاغون وفق النصيحة الشارونية كانت جزءاً من مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي من أهم اهدافه الاستحواذ على منابع النفط العربي وتحقيق حلم إسرائيل الكبرى في منطقة الشرق الأوسط.
ولو كانت الولايات المتحدة صادقة في ادعاءاتها حول ما يسمى بتحرير العراق وإقامة نموذج ديمقراطي فيه، لما عملت على تدمير مؤسسات الدولة العراقية، وتشكيل مؤسسات حكم وفق معايير طائفية، وحكومات تقودها رموز تستنسخ في كل مرحلة تحت مسميات مختلفة من القادمين مع دباباتها، ومن الذين يحملون جنسيات مزدوجة، بعد تجاهل القوى الوطنية الحقيقية في الداخل، لأن غاية الاحتلال تقسيم العراق إلى أقاليم عرقية واثنية وطائفية للاستحواذ على ثرواته وخيراته.
ولم تكن جريمة حل الجيش العراقي والقوى الأمنية إلا مؤامرة شاركت فيها عدة قوى منها داخلية موالية لسلطات الاحتلال لعبت دوراً مشبوهاً لإضعاف قدرات العراق من اجل تصفية حسابات طائفية، وقوى أخرى لعبت نفس الدور لتضمن تنفيذ أحلام عنصرية واثنية مريضة تهيئ للانفصال عن العراق عندما تستجد ظروف موائمة لكي تكون في مأمن من مواجهة قوات رادعة لها.
ومنها قوى اقليمية مارست التقيّة في تعاملها مع الغزاة واخرى كانت وراء دمار هذا الجيش بحجة المحافظة على أمنها القومي لضمان عدم المطالبة باعادة استحقاقات جغرافية وتاريخية ومالية سبق وان استحوذت عليها بقوة الاحتلال دون وجهة حق.
هذا التكالب على حل الجيش العراقي والقوى الأمنية انعكست نتائجه على الوضع الداخلي في العراق وما أعقبة من فلتان أمني وفوضى عمت البلاد.
ولأجل تدارك الموقف المتدهور قامت سلطات الاحتلال بتأسيس جيش جديد وقوى أمنية بديلة نابعة من رحم مكونات العملية السياسية المنبثقة عن الاحتلال، واصبحت لا تخلو تشكيلاته من ميليشيات تحمل في ثناياها اجندات متناقضة بحكم تكوينها العنصري والطائفي.
فبناء القوات المسلحة الجديدة بالطريقة القائمة على أسس المحاصصة الطائفية ومن مكونات ميلشيات الأحزاب المسايرة للمشروع الأميركي وولاء تلك المكونات لقيادات تلك الأحزاب قبل ولائها للوطن سيؤدي حتماً إلى أن تكون هذه القوات غير قادرة على تلبية المتطلبات الوطنية وحماية الحدود وحفظ الأمن في البلاد.
بل ان وجودها يشكل خطراً كبيراً على الامن الوطني لان في داخل تشكيلات المؤسسة العسكرية الجديدة فئات تحمل تراكماً من الاجندات المتناقضة.
وقد سلطت معارك البصرة الضوء على حقيقة الصراع الخفي بين قوى متنفذة داخل العملية السياسية لها مليشيات منخرطة في صفوف القوات الحكومية واخرى لها ميلشيات غير منخرطة في صفوف القوات المسلحة مما ادى الى خلل في توازنات المصالح الفئوية داخل العملية السياسية.
وتحولت هذه التناقضات الى حرب المصالح بين القوات الحكومية المتمثلة بميلشيات المجلس الاعلى وحزب الدعوة من جهة، وبين جيش المهدي التابع للتيار الصدري من جهة اخرى.
والخطورة تكمن في نتائج المعارك التي كانت خارج حسابات الحكومة عندما التحق البعض من تلك القوات بجيش المهدي والبعض الآخر رفض القتال بسبب الخلل في تركيبة الولاء داخل المؤسسة العسكرية.
ولولا تدارك الموقف من قبل الجيش الاميركي ودخوله المعركة بجانب القوات الحكومية لاتسع نطاق المعارك وشملت اغلب مدن العراق، ولذلك نرى ان الجنرال ريك لينش هو الذي رد على تهديدات الصدر لحكومة المالكي التي وصفها بالحرب المفتوحة وان القوات الاميركية هي التي تولت عمليات القصف والتمشيط خصوصاً في ما يسمى بمدينة الصدر.
لقد اكدت احداث البصرة حقيقة المكونات المندسَّة في صفوف القوات المسلحة العراقية التي يمكن اعتبارها اكداس عتاد قابلة للانفجار عند بزوغ أي بذرة خلاف بين القيادات السياسية للأحزاب المؤثرة داخل العملية السياسية المزعومة ولها مليشيات منضوية تحت لواء المؤسسة العسكرية تحمل في ثناياها تناقضات مصلحية وفق منظور تلك الاحزاب.
هذه هي المؤسسة العسكرية التي اسستها سلطات الاحتلال لتكون الظهير القوي لقوات الاحتلال لتقاتل وتقتل نيابة عن المحتلين من اجل بقاء تلك القوات في مأمن من ضربات المقاومة الوطنية وليتسنى لها البقاء لأمد غير مسمى فضلاً عن استخدامها وقت ما تشاء في ميدان الصراعات الطائفية والمصلحية لتنفيذ اجندات تدخل ضمن حسابات الاحتلال.
ان هذا البناء المهترئ للقوات المسلحة العراقية وبهذا الشكل اريد به للعراق فراغ امني دائم الى ما لا نهاية لتبقى القوات المحتلة الى ما لا نهاية ايضاً تحت ذريعة عدم اكتمال بناء القوات العراقية التي لو بقيت على هذه الحال مئات السنين لما اكتملت ما دام شروط تأسيسها قد تم بهذا الشكل.
وان الدروس المستنبطة من معارك البصرة ستجعل من القوى السياسية المتصارعة على السلطة والنفوذ في المرحلة القادمة العمل على تعزيز وجود ميليشياتها داخل المؤسسة العسكرية للاحتماء بها ولإضفاء غطاء شرعي لها في ظل مؤسسات الدولة لكي تكون في منأى عن اتهامها بالارهاب والخروج عن القانون عندما تقوم بعمليات تصفية حسابات.
وعندها ستسقط حجة الدولة في محاربة الخارجين عن القانون لان حرب المصالح ستكون داخل مؤسسات ما يسمى فرض القانون لان الشواهد المنظورة وفق حالة الغليان الطائفي والمصلحي والاحتقان السياسي التي تعكس تناقضات القوى السياسية وتقاطع المصالح بعد فشل التوافق في العملية السياسية ستنقل ساحة عمليات المعركة القادمة إلى داخل المؤسسة العسكرية نفسها.
واخيراً، هذا ما جناه الشعب العراقي المنكوب بالاحتلال واعوانه من مآسٍ ومذابح حتى تجاوز معدل القتل اليومي بعد خمس سنوات ديمقراطية اكثر من مئة قتيل يومياً وكأنهم خراف تذبح على اعتاب المنطقة الخضراء قرباناً لقدوم الموناليزا رايس والعالم المتحضر يهنئ ويبارك كذبة التقدم الامني الحاصل في العراق.
لقد بات واضحاً إن ما تقوم به الولايات المتحدة لم يكن من قبيل الصدفة أو تخبط أميركي أهوك وإنما هو مشروع مبرمج احد فصوله دعم مصالح قوى على حساب الاخرى خصوصاً في اوقات المزادات الانتخابية لتحقيق أهم غاية من غايات الاحتلال وهي جر الشعب العراقي بأطيافه المختلفة للاقتتال فيما بينهم لإدخال العراق في دوامة الصراع الطائفي والاثني من اجل تقسيمه إلى دويلات عرقية واثنية ليتسنى إحكام السيطرة عليه والاستحواذ على ثرواته. طلال بركات Talal_barakat1@hotmail.com